قصتان قصيرتان

محمد فيض خالد

محمد فيض خالد

امرأة تحلب القمر

منذ كان صغيراً وهو يعتقد كأبناء جيله بأنها حبة الكرملة التي يتحلب لها الريق، الأنثى الكاملة التي خُلق لأجلها الحب والغرام. هي المرأة التي يجب أن تُحَبَّ وتُغوى، حتى وإن كان حدثاً لا يتقن أبجديات الحب ولا يدرك لغته، غير أن راحةً في قلبه مبعثها جمال الصورة لا تفارقه، يلازمها كظلها، ولا يغادر عتبتها خياله. تتمشى الراحة في كيانه الناشئ حين تهل، وتنشب فيه النشوة حين تستدعيه ليحمل عنها بعض متاعها؛ تراه صبياً غريراً لا يزال ينبعث منه عبير الطفولة، أما هو فقد صرف اهتمامه إليها، وانجذب بكليته نحوها، يتوجع حين مرآها توجع العاشق المتيم.

انعكست صورتها الفاتنة في تلافيف قلبه قبل عينه، وتغلغل شدوها بين تجاويف عقله الغض، يأكل بعينيه كل عضو بارز فيها، ويلاحقه شبحها في نومه وصحوه، فتثور قوة الرجولة في رأسه قبل أوانها.

“حورية” جنية القرية اللعوب، ومعبودها الذي يتعثر شبابها ورجالها في حبال فتنته الصارخة، الشجرة الفينانة التي تثمر الغواية، لا يزال يطوف برأسه ذلك المشهد؛ ليلة أطل عليها خلسة من النافذة، وقتها تشبث بأسياخ الحديد وقد هاله ما رآه، كانت المرأة قد نضت عنها ثيابها ليتجلى على إثر ذلك عمود المرمر الأبيض سابحاً في طست نحاسي أحمر. اشتبكت ساعتئذ كل جارحة فيه بتلك الآلهة المستغرقة في سكب الماء تحت خيوط القمر الناضج، تلألأت ثنايا جسدها في بهرج يأخذ العقل، وتدحرجت قطرات الماء كقطع الفضة من فوق سهول ووديان، تحررت الأنوثة في زهو صاخب، وتصلبت العجيزة الثقيلة من تحت خصر نحيل، والتف الثديان المكتنزان كرمانتين ناضجتين، واختمر البطن الضامر كماجور العجين، وانسابت جدائل الشعر الفاحم كعراجين البلح، أما الوجه المستدير فقد رسم الشباب خطوطه فوق ملامحه: الوجنتين، والشفاه المضمومة في التهاب شهي.

يتذكر كيف تحركت أنفاسه، وكيف تثلجت أطرافه. ظن ليلتها أنما غفلت عنه، وغاب عنه أن “حورية” جنية القمر تعرف كل شيء، امتدت يدها نحو غلالة رقيقة لفت بها كنزها الثمين، لتبدو مجلوة كشعاع الشمس وتغيب من أمامه، قبل أن ترسل إليه بابتسامتها العذبة

يقول الراوي إن “حورية” ولدت كجنية، هي وحيدةٌ لامرأة غريبة عن الزمام، سكنت خُصّاً صغيراً على أطراف الغيطان، كانت مثل قمح الجلاب تتراقص لمرآها شوارب الأكابر. لم يُعرف لها رجل، ولم يُعرف لابنتها أبٌ غير ذلك الأفندي الأنيق حين يهبط عليهما بين حين وآخر في سيارته الفارهة. كبرت “حورية” واستوت على سوقها، صبت آلهة الحسن في قالبها كل آيات فتنتها فلم تبخل عليها، وتسلمت عرش الغواية من بعد أمها الراحلة.

مبكراً عبثت الفتاة بقلوب الرجال، مدت نحوهم خيوط الأمل الرقيقة فجذبتهم بلا مقاومة، لكنهم رغم هذا لم يحصلوا منها على ما يروي غليلهم. تضرب في الأرض عبثاً، وتترامى ضحكاتها في صهللة مريبة، وتدل هيئتها المستهترة على أنها لا تريد أن تقع إلا في كل نقيصة، ويطل من عينيها نهم موحش. بمرور الوقت كره نساء القرية استخفافها وتبجحها المفتعل، وخشين على أزواجهم من سحرها الأخاذ ذلك البريق المشتعل، فأذعنّ على الملأ دون تورع بأنهنّ كرهنها، وشاع أنها لا تبيت ليلتها قبل أن تشبع جسدها من عشرة رجال. اكتفت هي من تلك الكراهية بابتسامة جامدة فوق شفاه متحجرة، ومع ذلك لم تحاول الظهور كضحية، بل تمادت في حبك الدور بإتقان وبراعة، حتى وإن اعتملت نيران اللهب في صدرها.

يسترجع صاحبنا تفاصيل تلك الليلة حين همست إليه بصوت تخنقه العبرة، آنذاك زفرت عن صدرها أنفاس الضيق، ورجته أن ينقطع عن زيارتها، وأن يستمع لنصائح أمه وألا يغضبها. اقترب منها وهو يهز رأسه مجاملة، اعتدلت في جلستها، وطلبت منه أن يدنو منها وأن يجلس إلى جوارها فوق حشية الصوف. التصق بها لتلقي برأسها فوق كتفه، وارتفعت دماء خجله في وجنتيه.

ببطء رفعت رأسها المجهد، وغمرته دون أن يعي بقبلة طويلة. كان صغيراً بحيث لا يفقه، لكنه استراح لهذا الشعور المنبعث من داخله. دارت بعينيها في أرجاء وجهه وكأنها تراه لأول مرة، وآهة صامتة ترتفع منها، واندفعت من بعدها تطوقه بذراعيها، غيبت جسده النحيل بداخلها. طفح من عينيها نداء ملتهب في صوت يشبه الصراخ، تلاحقت أنفاسها في تهدج، وتلوت كالثور المذبوح، بينما تشاغل عنها بالنظر لوجه القمر المكتمل في صفحة السماء، البادي من فرجة في سقف الدار، وكأنه لا يعرف في الأرض غير بيتها.

أمطرتها بقبلاتها المحمومة، وأحكمت قبضتها وابتلعتها. كانت جدائلها السود المضيئة تحت خيوط القمر تغرقه تماماً، تضاعف تأوهها وعلا لهاثها، وهمست في أذنيه بكلمات غير مفهومة. وبعد فترة أخذت عيناها تترنحان وشفتاها تختلجان، ساد وجوم للحظات وقلبه يكاد ينخلع شفقة عليها، وقد خُيل إليه أن النار اندلعت فيها.

رويداً رويداً تراخت قبضتها عنه، سكنت ثورتها وانطفأ البركان. قالت بنبرة لا رنين فيها ولا حياة: “لا تخبر أحداً بما جرى”. حدقت فيه بعينين حازمتين قبل أن تطفئ المصباح وتتمدد ساكنة فوق حشيتها، وطلبت منه أن يغادر وأن يغلق من خلفه الباب، عندها ارتسمت على قسماته صورة من الفرح، ليغادر وهو يمني نفسه بالعودة.

***

ابن إبليس

نطق والده والألم ينهش عينيه: “عد رجلاً، هذه البلاد تفيض مالاً، مد يدك واغرف، فالناس لا يعنيهم الحلال من الحرام، المهم الفلوس”. ارتفع حاجبا الابن قليلاً، وتمددت ابتسامة لينة فوق وجهه، اتسعت وكأنها تضم الكون بأسره. لحظتها، هربت من أمه شجاعتها، والحنان يطل من عينيها، فبادرت بصوت متهدج يكاد ينفجر: “رهن والدك أرضنا، وباع المحصول بالآجل!”. ومن بعدها، انخرطت في بكاء مرير، ارتفع على إثره نحيبها، وكأن شفتي الابن تخفقان بنبض قلبه ليرد بصوت خفيض: “غداً تلبسين الحرير والذهب، وتلعبين بالمال”،هدأت ثائرة المرأة، كفكفت مدامعها بطرف ثوبها الباهت، وقد ارتسمت على وجهها الشاحب بارقة أمل، قبل أن تجذبه من ياقة جلبابه، وتنفجر في ثورة: “إذا لم ترجع بالمال، فلن تجد مكانك هنا، ستلعنك الجدران، ويجحدك صدري الذي غذاك، وبطني الذي آواك”. ظل في ارتباكه، لكنه صار أشد عزماً على المضي في طريقه، أن يرجع بالمال، أن يدوس كل شيء لأجله.

حطت رحاله في بلاد بعيدة، ومن يومه الأول تحركت شهيته، وانتفضت حواسه. صبر أياماً قلائل على قسوة الظروف، لم تنقطع عنه همسات أمه، فهي تعاوده آناء الليل وأطراف النهار، تحوم حوله في إلحاح، تذكره بالوعد الذي قطعه على نفسه، فاضت الثقة في روحه ثانية، ينام كل ليلة وبين عينيه حلم جميل، في البداية استقرت به الحال في عمل متواضع، صبر لأشهر، قبل أن يتعرف إلى رجل طيب، استدر عاطفته، وشكا له فقره وعوزه، رقّ الرجل لحاله، فتوسط له عند صديق؛ فألحقه بوظيفة في كبرى شركات المقاولات، تراقص قلبه بين ضلوعه حتى خيل إليه أنه يكاد يقع تحت قدميه. مبكراً، أعمل حيلته، فتقرب من مسؤول كبير كان عينه التي يرى بها، وأذنه التي يسمع بها، فاطمأن إليه، ووثقت بينهما عرى الصداقة، انتزعته تلك الصداقة من براثن الشقاء، وقربته من حلمه، لم يبقَ عليه إلا أن يتحلل من كل خُلق ومروءة، وهي أمور بسيطة في نظره.

تتألق عيناه ببريق الطموح، اندفع كذئب مسعور، لا يقنع من حياته باليسير، فلا يسقي قلبه الظامئ غير النقود. عاود إبليس يغويه، يوسوس في صدره، حتى وقعت الواقعة؛ جره المسؤول الكبير معه لعالمه الحالم. تذوق لأول مرة طعم النعيم، فمع أول فاتورة يزورها، كان على أتم استعداد لأن يعطي بلا حساب، وأن يتنازل دون رقيب، فالحياة فرصة، والغربة عالم واسع، والكل مشغول فيه بهمه. اندفع يعبّ من الحرام عباً، سال لعابه، وطابت شهيته، وتمرس على جميع الحيل، وأتى دواهي السفلة، وفاق أستاذه خبثاً؛ فأظهر كفاءة مذهلة، كمن ولد من بطن أمه محتالاً. اتسعت مع الأيام أشغاله، واتسعت معها دائرة أملاكه، فاشترى أرضاً، وابتنى بيتاً زانه بأحسن الزينة، وطافت النعمة بوالديه، فأصبحوا بين عشية وضحاها من الوجهاء.

لكنه -مع ذلك- حرم على نفسه كل متعة؛ يعلو وجهه الشقاء، تنبئك ملابسه المهلهلة، وطعامه الخشن عن شحاذ ذليل يستجدي إحسان الناس. مؤخراً، وفي غرفته المظلمة، تعالي صراخه؛ إذ تزوره باستمرار كوابيس مخيفة لرجال سود شداد، بأيديهم كرابيج حامية تلهب ظهره. ينزع نفسه من تلك الرؤى محطماً، يتصبب عرقاً في لهاث موصول، تغيم عيناه في سحابة من الدمع، وكأنه يرزح تحت حمل ثقيل. لكن ذلك لم يعطل شهيته في عقد الصفقات المشبوهة، فكلما أحاطت به كوابيسه، تجرأ أكثر على الحرام. لا يزال، ودائرة الأبالسة تتسع من حوله، تبتلعه، ويخبر عنه جيرانه أن صراخه وتوسلاته لا تتوقف طوال الليل.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع