أسامة كمال أبو زيد
الحنين لا يعيد الماضي، لكنه يمنحه حياة أخرى. لا يعيد البيت، لكنه يعيد رائحته. لا يعيد الشارع، لكنه يعيد وقع الخطى عليه. لا يعيد أصحاب الأشياء، لكنه يحافظ على أصواتهم وأرواحهم عالقة فيها. ولا يمنع الزمن من هدم الأمكنة، لكنه يترك لها مكانا آخر أكثر رسوخا: الذاكرة. وربما لهذا لا يكون الحنين ضعفا، كما قد يبدو أحيانا، وإنما محاولة إنسانية لإنقاذ المعنى من النسيان. فالأشياء التي تبقى، والأماكن التي تعود في الذاكرة، ليست سوى شظايا صغيرة من حياة كاملة، وكلما ابتعد الزمن ازدادت قدرتها على الإضاءة؛ كأن الماضي يتحول إلى ضوء بعيد، يكشف ما تركه الزمن وراءه. فالحنين هو ذلك الخيط الخفي الذي يصل الإنسان بما تركه الزمن؛ بالأشياء التي لمستها اليد، والأماكن التي احتضنت الخطى، والروائح والأصوات والظلال التي تبدو عابرة، ثم تكتشف الذاكرة أنها لم تعبرها ولم تتركها أبدا. ولهذا تبدو بعض الأشياء، مهما صغرت قيمتها، أكبر من مجرد أشياء؛ لأنها تحمل زمنا كاملا، وتحفظ في صمتها شيئا من الذين مروا بها.
آلة كاتبة قديمة يمكن أن تتحول، مع مرور السنوات، إلى كائن حي؛ يصبح الاقتراب منها عودة إلى زمن كامل، ويصبح الابتعاد عنها نوعا من الفقد. وشجرة بجوار بيت، أو نافذة تطل على البحر، أو شرفة شهدت ضحكات الطفولة، كلها تتحول مع الزمن من أشياء جامدة إلى بقع حياة في الذاكرة.
ولهذا عرف الشعراء الحنين إلى الأماكن منذ وقف الشاعر العربي القديم على الأطلال. فالطلل في الشعر العربي لم يكن حجارة مهدمة، وإنما كان مكانا يعج بالحياة حتى بعد رحيل أصحابه. وكان الوقوف أمامه محاولة لاستعادة ما لا يمكن استعادته. ولعل الروائي الفرنسي بلزاك كان يدرك هذه القوة حين اعتذر لقارئه عن إطالته في وصف أحد شوارع طفولته في باريس؛ فالمكان الذي يسكن الذاكرة لا يمكن اختصاره في مجرد شارع أو بيت أو نافذة، بل هو حياة كاملة.
ولهذا تبدو المدن القديمة أكثر قابلية لإثارة الحنين. الشوارع، والبيوت، والشواطئ، والمقاهي، والسينمات القديمة، والمحلات العتيقة، كلها ليست أسماء جغرافية حين تستقر في الذاكرة، وإنما صفحات من حياة مضت. وقد يهدم المكان في الواقع، لكنه يظل قائما في الوجدان؛ فالذاكرة تستطيع أحيانا أن تنقذ ما عجز الزمن عن إنقاذه.
والأشياء الصغيرة أشد قدرة أحيانا على إشعال الحنين. مسبحة قديمة، عصا ارتبطت بيد الأب، دمية احتضنتها طفولة بعيدة، تذكارات تركها أصدقاء قبل الرحيل، وساعة أو قميص أو قطعة أثاث لم تعد صالحة للاستعمال؛ كلها أشياء يمكن التخلص منها في ظاهرها، لكن التخلص منها لا يعني التخلص من الحكاية التي تحملها. لذلك تبدو بعض الأشياء أثقل من قيمتها المادية بكثير، لأنها لا تحمل مادتها وحدها، وإنما تحمل زمنا كاملا، وربما تحمل وجها أو صوتا أو رائحة لم يعد لها وجود إلا فيها.
وقد يصبح الحنين أكثر قسوة حين يرتبط الشيء أو المكان بالفقد. شجرة ارتبطت بحياة شخص منذ مولده وحتى غيابه، أو مقهى فقد بهجته بعد رحيل صاحبه فجأة، أو نافذة تظل مفتوحة على بحر غاب عنه الأحباب؛ في كل ذلك يتحول المكان والشيء إلى مرآة للفقد. وليس مهما إن كانت الأشياء تشعر أو تحزن؛ المهم أن الذاكرة تمنحها قدرة الشعور، وتعيد إليها ما سلبه منها الزمن.
والبحر أكثر الأماكن قدرة على احتضان الحنين. فهو لا يبقى مجرد شاطئ، وإنما يتحول إلى ذاكرة مفتوحة. هدير الأمواج، ورائحة الملح، والنافذة التي تطل عليه، والشتاء حين تضرب الأمطار الزجاج، كلها تفاصيل تستدعي زمنا آخر. وربما لهذا يبدو البحر في الأدب أكبر من مكان؛ إنه ذاكرة لا تنغلق، وشيء قديم يواصل الحركة بينما تتغير المدن من حوله.
ومن هنا تأتي النافذة بوصفها رمزا مزدوجا للحنين. إنها الحد الفاصل بين الداخل والخارج، بين ما عاش وما لم يعش، بين الذاكرة والعالم. وفي الأدب تصبح النافذة أحيانا وعدا بالعودة، وأحيانا شاهدا على الغياب، لكنها في الحالتين تفتح الذاكرة على ما لا تستطيع اليد الوصول إليه. وربما لهذا ارتبطت النافذة في الأدب بالانتظار؛ انتظار الربيع، وعودة الطيور المهاجرة، وامتلاء المكان بالنور من جديد.
والحنين في جوهره ليس حبا للماضي بقدر ما هو خوف من أن يضيع أثره. لذلك تحفظ الذاكرة الأشياء القديمة، وتقاوم هدم الأماكن، وتتشبث برائحة بيت، أو صوت أغنية، أو شرفة، أو فنجان قهوة، أو دراجة صغيرة كانت ذات يوم أول الطريق إلى الحرية. فالدراجة هنا ليست مجرد دراجة؛ إنها لحظة أولى لاكتشاف العالم، والشوارع التي عبرتها ليست شوارع فقط، وإنما فضاء أول للانطلاق. ولهذا تبقى التفاصيل الصغيرة حية، حتى بعد أن يختفي ما فعلته فينا الحياة.
وفي الحكايات الشعبية والأساطير والأدب، تتكرر الفكرة نفسها بصور مختلفة: شجرة تستعيد ثمارها حين تقترب منها شجرة أخرى، وطفل يرتبط مصيره بشجرة تنمو بجوار بيته، وأماكن تفقد بريقها بعد رحيل أصحابها. وفي كل هذه الحكايات يتحول الشيء أو المكان إلى حامل للذاكرة، وإلى شاهد على زمن لم يعد موجودا إلا في الوجدان.
وهنا تكمن قوة الحنين: أنه لا يستعيد الأشياء كما كانت، وإنما يستعيد المعنى الذي تركته وراءها. فالدراجة ليست دراجة، والنافذة ليست نافذة، والشرفة ليست شرفة، والبيت ليس جدرانا، والبحر ليس ماء وشاطئا، والساعة القديمة ليست ساعة، والأطباق ليست أطباقا. كل شيء يمكن أن يتحول، حين يمر عليه الزمن، إلى باب يفتح على حياة كاملة، وإلى أثر صغير يقاوم النسيان. وربما كان هذا هو سر الحنين: أن يمنح ما مضى حياة جديدة، لا في الواقع، وإنما في المكان الأكثر قدرة على الاحتفاظ بما نحبه: الذاكرة.




