علي حافظ
ذكرياتي عن الثورة سطّرها الرَّصاصُ بأحرُفٍ من دماءٍ وبارود… أمرُّ على دروب المدينة الوَعِرة، فتوقفُني إشاراتٌ هنا وإشاراتٌ هناك لأصدقاءٍ كانوا معي ومرُّوا من هنا ذات يوم، ثم اختفوا: بعضُهم استُشهِد أمامي، وبعضُهم بعيدًا عني، في حين غادر آخرون بصمتٍ دون أن أعرفَ عنهم شيئًا حتى الآن…
أرجع متألمًا إلى ماضِيَّ البعيد المُشبَع بالإقصاء والتهميش، وإلى ماضِيَّ القريب المشبَع بالدَّمِ والتشرد والخراب.. أقارن بينهما، فأجد نفسي في دوَّامةٍ من الذكريات المريرة تنوس في عالمٍ لم يعد حقيقيًا أكثر من خيالي، الذي يتقلب كمرآةٍ لأفكارٍ سوداءَ مطلقة.
أتوقّف فجأة عند زهرةٍ نبتت عُنوة بين الأحجار، أو طائرٍ صامدٍ لم يغادر الدّيارَ يغرّد للفراغ المُخيف فيها.. أستغرب من هذه القوّة العظيمة، وهذا الإصرار على الحياة؛ فأفرح شاعرًا بلحظة سعادةٍ نادرةٍ، تهدئ نفسي وتستكين لهذا الجمال العابر.. أقول: “ربَّما تحوّل أولئك الرجال الذين مضوا إلى زهورٍ وطيور ونسمات؟”..
أسلّم عليهم بحرارة، وأمضي وسط هالاتٍ من المجد والحيويَّة والعنفوان…
أسرِعُ خطواتي ناظرًا إلى أحجار الطريق مقتنعًا بخَياريَ الثوريّ؛ ما ألبث أن أرفعَ رأسي باتجاه الأعلى، حيث تكون الأحلامُ مخبأةً بين الغيوم، منتظرًا أن تُفتح الطرقاتُ لأزمانٍ حُرَّة كريمة… فجأةً تسقط قذيفةٌ بالقرب منّي، ويُلَعلِعُ الرصاص عند نقطةٍ متقدّمةٍ من الجبهة، فأرجع إلى الواقع الدّامي، مقتربًا من الموت خُطوةً أخرى…





