عبد الله السلايمة
في السابع من يوليو الماضي، قبلت الحكومة استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصب وزيرة الثقافة، وكلفت الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، بتسيير أعمال وزارة الثقافة إلى حين تعيين وزير جديد. ومنذ ذلك التاريخ، ما يزال المنصب شاغرًا، فيما تواصل الوزارة إدارة ملفاتها وأنشطتها المختلفة.
من الناحية الإدارية، قد يكون تسيير الأعمال إجراءً مؤقتًا ومفهومًا. لكن الثقافة ليست ملفًا إداريًا، ولا وزارة يمكن اختزال مهمتها في إدارة ما هو قائم من فعاليات وقرارات. هناك فرق كبير بين أن تُدار الوزارة يومًا بيوم، وأن تكون هناك قيادة تمتلك رؤية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه الثقافة المصرية خلال السنوات المقبلة.
وهنا يبدأ السؤال: لماذا ما زال منصب وزير الثقافة شاغرًا؟
لا يتعلق الأمر بالرغبة في معرفة اسم الوزير القادم، ولا بالدخول في سباق الترشيحات. فمصر لا تفتقر إلى الكفاءات والخبرات الثقافية القادرة على تحمل المسؤولية، لكن استمرار الشغور يفرض أسئلة أوسع: هل هناك مراجعة لدور وزارة الثقافة؟ هل تبحث الحكومة عن شخصية بمواصفات مختلفة؟ هل يجري التفكير في إعادة ترتيب العلاقة بين الوزارة وهيئاتها وقطاعاتها؟ هل هناك تصور جديد للسياسة الثقافية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز تأخرًا في حسم الاختيار؟
حتى الآن، لا توجد إجابة معلنة.
وهذا في حد ذاته يستحق التوقف. فالوزارة لم تتوقف خلال فترة تسيير الأعمال. تستمر الفعاليات والبرامج، وتُدار ملفات النشر والجوائز والمسرح والفنون، وتواصل قصور الثقافة أنشطتها في المحافظات. وهذا أمر طبيعي؛ فلا يمكن لمؤسسات الدولة أن تتوقف انتظارًا لشخص يجلس على مقعد الوزير. لكن استمرار النشاط لا يعني بالضرورة وجود مشروع. وهنا ينبغي التفرقة بين إدارة الثقافة وصناعة السياسة الثقافية.
إدارة الثقافة تعني أن تستمر القرارات والبرامج والمواسم والفعاليات، أما السياسة الثقافية فتعني أن نعرف: لماذا نفعل ذلك؟ ولمن؟ وبأي أولويات؟ وما الأثر الذي نريد أن تتركه الثقافة في المجتمع بعد خمس أو عشر سنوات؟
الثقافة ليست ندوات، ولا مهرجانات، ولا افتتاحات. هذه كلها وسائل، بينما الغاية أوسع بكثير، وهي بناء الإنسان، وتشكيل الوعي، وصناعة الذائقة، وإتاحة المعرفة، واكتشاف الموهبة، ومواجهة الجهل والانغلاق والسطحية والتطرف.
وحين تتحدث الدولة عن بناء الإنسان، فمن حق المواطن والمثقف أن يسأل: أين تقع الثقافة من هذا المشروع؟
هل لدينا سياسة ثقافية وطنية واضحة، أم أن العمل الثقافي ما زال يتحرك في مسارات منفصلة، لكل مؤسسة برنامجها، ولكل موسم أجندته، ولكل مسؤول أولوياته؟
إذا كانت لدينا رؤية، فلماذا لا يُعلن عنها؟ وإذا لم تكن هناك رؤية مكتملة، فهل المشكلة في غياب الوزير، أم في غياب المشروع؟
هنا تبدأ القضية الحقيقية.
ربما تكون أزمة الثقافة المصرية أكبر من أزمة وزير. فالوزارة ليست شخصًا، وإنما منظومة واسعة من الهيئات والقطاعات والمؤسسات والقيادات واللوائح والموارد. لدينا المجلس الأعلى للثقافة، وهيئة قصور الثقافة، وهيئة الكتاب، ودار الكتب والوثائق، وقطاعات المسرح والفنون التشكيلية، ودار الأوبرا وغيرها من المؤسسات التي تؤدي أدوارًا مهمة ومتباينة..
لكن السؤال: هل تعمل هذه المؤسسات في إطار رؤية واحدة؟ هل يعرف كل قطاع دوره في المشروع الثقافي العام؟ وهل توجد آليات حقيقية لتنسيق هذه الأدوار، وقياس نتائجها، ومراجعة ما لا يحقق أهدافه؟
فالوزير مهما امتلك من خبرة لن يستطيع وحده أن يصنع تحولًا حقيقيًا إذا جاء إلى منظومة تكتفي بإعادة إنتاج الآليات نفسها.
ولذلك فإن اختيار الوزير القادم ينبغي ألا يكون مجرد بحث عن شخص قادر على إدارة الملفات، وإنما عن شخص يستطيع أن يراجع المنظومة، ويعيد ترتيب الأولويات، ويحدد ما الذي يجب أن يستمر، وما الذي يحتاج إلى تطوير، وما الذي ينبغي أن يتوقف.
ماذا يريد الأدباء والمثقفون من الوزير القادم؟
الأدباء والمثقفون لا ينتظرون وزيرًا جديدًا يضيف اسمًا إلى قائمة الوزراء، ولا يبحثون عن وزير يزدحم جدول أعماله بالمؤتمرات
والافتتاحات والصور التذكارية. ما ينتظرونه أبعد من ذلك بكثير: يريدون وزيرًا يعيد للثقافة معناها ودورها، ويعيد الثقة بين المؤسسة والمبدع، مؤسسة تحترم الإبداع قبل أن تبحث عن الاحتفال به، يريدون سياسة واضحة للنشر، لا تقتصر على إصدار الكتب، وإنما تضمن وصولها إلى القارئ، وتفتح الطريق أمام الكتاب الجدد، وتمنح الموهبة الأدبية فرصة حقيقية بعيدًا عن العلاقات الشخصية والدوائر المغلقة.
ويريدون عدالة في اكتشاف المواهب. فليس من المعقول أن تظل القاهرة البوابة الأوسع إلى الاعتراف بالمبدع، بينما توجد مواهب حقيقية في المحافظات والقرى لا تجد من يصل إليها. المطلوب أن تذهب المؤسسة الثقافية إلى الموهبة، لا أن تظل الموهبة تبحث عن أبواب المؤسسة.
ويريدون قصور ثقافة حقيقية، لا مجرد مقار تُقام فيها الأنشطة. يريدونها أماكن مفتوحة للكتاب والفنانين والشباب، ومراكز لاكتشاف المواهب، ومنارات ثقافية قادرة على التأثير في المجتمع المحلي.
ويريدون كذلك أن تكون جوائز الدولة عنوانًا للثقة. لا يطالبون بأن يرضى الجميع عن كل نتيجة، فهذا غير ممكن، وإنما يطالبون بمعايير معلنة، وإجراءات واضحة، ولجان تحظى بالاحترام، واستقلال حقيقي للقرار، بما يجعل الاختلاف حول النتيجة اختلافًا مشروعًا، لا شكًا في الطريق الذي أوصل إليها.
ويريد المثقفون أيضًا أن يعرفوا كيف تتم اختيار القيادات الثقافية وأعضاء اللجان. لأن الأسماء التي تدير المؤسسات واللجان ليست تفصيلًا إداريًا؛ فهي تؤثر في اتجاه المشهد الثقافي، وفي فرص كثير من المبدعين..
ويريدون وزيرًا يستمع إلى النقد. وزيرًا لا يعتبر الكاتب المختلف خصمًا، ولا يرى السؤال إزعاجًا، ولا يتعامل مع النقد باعتباره خروجًا على المؤسسة. فالثقافة التي لا تحتمل الاختلاف لا تستطيع أن تبني مجتمعًا قادرًا على التفكير..
ويريدون قبل ذلك كله حوارًا حقيقيًا بين الوزارة والمثقفين؛ حوارًا لا يبدأ عند افتتاح مؤتمر وينتهي بانتهاء الحفل، وإنما يكون جزءًا من صناعة القرار الثقافي نفسه.
وهناك مطلب أكثر أهمية: أن يكون للثقافة مكان واضح في مشروع بناء الإنسان. فالمثقف يريد أن يعرف: ماذا ستفعل الوزارة مع أزمة القراءة؟ ماذا ستقدم للطفل؟ كيف ستصل إلى الشباب؟ ما موقع الفنون في المدارس والجامعات؟ وكيف يمكن أن يصبح المسرح والكتاب والفن أدوات حقيقية لمواجهة العنف والسطحية والتعصب؟
هذه ليست مطالب قطاع يبحث عن مزايا إضافية، إنها مطالب ثقافة تبحث عن دورها الطبيعي في المجتمع.
وماذا عن الكتاب وقصور الثقافة؟
الحديث عن الثقافة المصرية لا يكتمل من دون التوقف أمام أزمة الكتاب.
إصدار الكتاب مهم، لكن وصوله إلى القارئ أهم. فما قيمة نشر آلاف العناوين إذا ظل كثير منها حبيس المخازن أو محدود الانتشار؟ وما جدوى الحديث عن دعم الموهبة إذا ظل الكاتب الجديد عاجزًا عن الوصول إلى الناشر أو القارئ أو المنصة الثقافية؟
نحن بحاجة إلى سياسة تتعامل مع الكتاب باعتباره جزءًا من منظومة متكاملة: تأليفًا ونشرًا وتوزيعًا ووصولًا إلى القارئ.
والأمر ينطبق على قصور الثقافة.
القضية ليست في عدد الأنشطة التي تُقام، وإنما في أثرها. هل أصبح قصر الثقافة مركزًا للحياة الثقافية في مدينته؟ هل يكتشف المواهب؟ هل يجذب الشباب؟ هل يصل إلى المدارس؟ هل يعرف الناس في القرى والمراكز أن لهم فيه حقًا ثقافيًا، لا مجرد برنامج موسمي؟
العدالة الثقافية لا تعني أن نرسل بعض الفعاليات من القاهرة إلى المحافظات، وإنما أن تصبح المحافظات شريكًا حقيقيًا في إنتاج الثقافة، لا مجرد مساحة لتلقيها.
والجوائز.. قضية ثقة لا قضية نتائج فقط
جوائز الدولة ليست مجرد مناسبات للتكريم، وإنما إحدى العلامات التي تقيس بها الدولة قيمة الإبداع في مجتمعها. ولهذا فإن الحفاظ على مصداقيتها مسؤولية تتجاوز أسماء الفائزين أنفسهم.
قد يختلف الناس حول أي نتيجة، وهذا طبيعي، لكن المطلوب أن يكون الطريق إلى النتيجة واضحًا بقدر وضوح النتيجة نفسها: معايير معلنة، وإجراءات مفهومة، ولجان موثوقة، وآليات تقلل إلى أقصى درجة من تضارب المصالح.
المطلوب ليس أن يتفق الجميع، وإنما أن يثق الجميع في نزاهة الإجراءات.
الثقة بين المؤسسة والمثقف.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم القضايا التي تحتاجها الثقافة المصرية اليوم.
هذه الثقة لا تُبنى بالبيانات، ولا بالصور، ولا بكثرة اللقاءات الرسمية. تُبنى عندما يعرف الكاتب كيف اتُخذ القرار، وما المعايير التي حكمته، وكيف يمكنه أن يناقش أو يعترض دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
المؤسسة الثقافية الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، بل تواجهه بالشفافية، وترد عليه بالحجة، وتستفيد منه في مراجعة أدائها.
أي مثقف تريد الدولة؟
ربما لم يُطرح هذا السؤال بما يكفي.
هل تريد الدولة مثقفًا يشارك في الفعاليات الرسمية فقط؟ أم تريد مثقفًا ناقدًا، يسأل ويختلف ويقترح ويشارك في صناعة الوعي؟
هل ترى الأديب شريكًا في بناء المجتمع، أم مجرد اسم في برنامج مؤتمر؟
الفرق بين التصورين كبير.
الثقافة الحقيقية لا تنمو في بيئة تخشى الاختلاف، ولا يمكن أن تؤدي دورها في المجتمع ما ينبغي. والمثقف شريك، وهذه الشراكة ينبغي أن تقوم على الحوار والاحترام، لا على المجاملة.
من الشعار إلى الممارسة.
كثيرًا ما نسمع أن الثقافة جزء من بناء الإنسان، لكن كيف يتحول هذا الكلام إلى سياسة؟ كيف تصل الثقافة إلى الشاب الذي لا يقرأ؟ كيف تصبح المكتبة جزءًا من حياة الطفل؟ كيف تدخل الفنون إلى المدرسة والجامعة؟ كيف نستخدم المسرح والموسيقى والكتاب والفنون البصرية في مواجهة العنف والتعصب والسطحية؟ وكيف نصل إلى الشباب الذين يعيشون خارج الدوائر الثقافية التقليدية؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن توضع أمام الوزير القادم.
ماذا نريد من الوزير القادم؟
نريد وزيرًا لا يأتي لإدارة موسم ثقافي جديد، وإنما لإعادة تعريف الأولويات. وزيرًا يراجع العلاقة بين الوزارة وهيئاتها، ويضع معايير واضحة لاختيار القيادات واللجان. وزيرًا يرى أن النشر جزء من السياسة الثقافية، وأن اكتشاف الموهبة ليس مناسبة سنوية، وأن قصور الثقافة ليست مجرد أماكن لتنظيم الفعاليات. وزيرًا يضع الأقاليم في قلب الخطة، لا في هامشها. وزيرًا يدرك أن الجائزة الرسمية مسؤولية وليست احتفالًا. وزيرًا يتعامل مع النقد باعتباره فرصة لتحسين الأداء، لا تهديدًا لهيبة المؤسسة.
والأهم: وزيرًا يأتي بمشروع يستطيع أن يطرحه أمام الناس ببساطة ووضوح: ماذا سنفعل؟ ولماذا؟ ولمن؟ وكيف سنعرف أننا نجحنا؟
هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحكم اختيار الوزير القادم.
فالأدباء والمثقفون لا يريدون وزيرًا ينجح فقط في إدارة الوزارة، وإنما يريدون وزيرًا يستطيع أن يجيب عن السؤال الأكبر: ما المشروع الثقافي الذي ستقدمه الدولة المصرية لمواطنيها؟
إذا جاء الوزير القادم ومعه مشروع واضح، ومعايير معلنة، وإرادة لإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، وفتح الأبواب أمام الموهبة والنقد والاختلاف، فقد يكون شغور المنصب فرصة لإعادة التفكير في الثقافة المصرية. أما إذا جاء لإدارة الموجود فقط، فهنا يتغير اسم الوزير، وتبقى الأسئلة معلقة.
المشكلة ليست في اسم الوزير. قد يأتي وزير مقبول، وقد ينجح في بعض الملفات، وقد يختلف الناس معه في ملفات أخرى. وهذا طبيعي. لكن إذا اكتفينا بتغيير الشخص دون مراجعة المنظومة، فهناك احتمال كبير أن نعود بعد عام أو عامين إلى السؤال نفسه.
لذلك فإن المطلوب ليس فقط تعيين وزير، المطلوب إعادة التفكير في الثقافة المصرية نفسها. ما الذي نريده من مؤسساتها؟
ما الذي نريده من جوائزها؟ ما الذي نريده من قصور الثقافة؟ ما الذي نريده من النشر؟ ما الذي نريده من العلاقة بين المثقف والدولة؟ وما الذي نريده من الثقافة في حياة المواطن العادي؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة، يصبح اختيار الوزير بعد ذلك أكثر سهولة؛ لأننا سنبحث عن الشخص القادر على تنفيذ مشروع واضح، لا عن شخص يملأ مقعدًا شاغرًا.
أما استمرار الشغور، فلا ينبغي أن يتحول إلى المشكلة الوحيدة التي نتحدث عنها.
فالكرسي له صاحب، وسيأتي، لكن السؤال الذي يجب ألا يتأخر هو: ماذا سنضع أمامه عندما يأتي؟ هل سنضع أمامه قائمة من المهرجانات والافتتاحات والندوات؟ أم سنضع أمامه مشروعًا ثقافيًا يعيد الاعتبار للكتاب، ويفتح الطريق أمام الموهبة، ويعيد بناء قصور الثقافة، ويحمي قيمة الجوائز، ويصل إلى الأقاليم، ويجعل الثقافة جزءًا فعليًا من مشروع بناء الإنسان؟
هنا يصبح السؤال عن الوزير سؤالًا عن الدولة نفسها. قد يكون غياب الوزير مؤقتًا، أما غياب المشروع فلا ينبغي أن يكون كذلك.
ولذلك، لا نحتاج فقط إلى أن نعرف: من سيتم تعيين وزيرًا للثقافة؟ نحتاج قبل ذلك إلى أن نعرف أي ثقافة تريد الدولة المصرية؟
لأن أسماء الوزراء تتغير، أما ما تتركه الثقافة من أثر في وعي المجتمع وذاكرته ومستقبله، فهو الذي يبقى.










