قتلناه بالصمت! رضا البهات عبقري لم ينل حقه !

رضا البهات

عبد السلام فاروق

في الصباح، جاءني الخبر. خبر واحد، قصير، بارد، مثل كل الأخبار التي تعلن موت الطيبين في هذه الدنيا. }رضا البهات مات{. وقفت أمام الجملة كما يقف الإنسان أمام بيت قديم فجأة يهدم، لا يدري لماذا يشعر بكل هذا الألم، ولماذا يشعر أن شيئاً منه قد انكسر، رغم أنه لم يكن يزوره ، ولم يكن يسأل عنه ، ولم يكن يقرأ له كثيراً. وهذا هو الألم بعينه.

لم يكن “رضا البهات” كاتباً يصنع ضجيجاً. لم يكن من الذين يقفون على المنابر، ولا من الذين يوزعون الابتسامات على النوافذ، ولا من الذين يتصدرون الصور. كان مبدعا خلاقا أصيلا يجلس في مكانه، ويكتب. يكتب كما تحفر النملة طريقها في الصخر، بصبر لا يعرف اليأس، وبهدوء لا يعرف الادعاء. وحين رحل، اكتشفنا فجأة أننا لم نكن ننظر إليه، وأننا لم نكن نراه أصلاً. كنا نمشي بجانبه كل يوم، فلا نلتفت. كنا نسمع صوته، فلا نسمع. كنا نقرأ اسمه، فلا نقرأ. وهذه هي لعنتنا نحن العرب لا نرى الرجال إلا بعد أن تبتلعهم الأرض!.

لا أكتب تأبيناً. التأبين كلام جاهز يقال في المناسبات، والمناسبات تليق بالموتى لا بالأحياء. أكتب لأن في موت هذا الإنسان شيئاً يخصني، يخصك، يخصنا جميعاً. أكتب لأن رضا البهات كان يكتب لنا، ونحن كنا مشغولين عنه. مشغولين بالضجيج، بالأسواق، بالثرثرة، بالتوافه، بكل شيء إلا بما كان يكتبه هذا الكاتب العظيم  بصمت، وبنبل، وبنظافة يد.

كتب روايته «بشاير اليوسفي»، فكانت رواية من ذلك النوع الذي لا يكتب إلا مرة واحدة في العمر. رواية تحمل في داخلها زمناً كاملاً، بكل تعبه، وكل حلمه، وكل خيبته. رواية تشبه مرآة مصقولة، من ينظر فيها يرى وجهه، ويرى تاريخه، ويرى بلاده. لكن من منا وقف أمام هذه المرآة؟ من منا سأل نفسه من هو هذا الرجل الذي يكتب عني بهذا الصدق، وبهذا العمق، وبهذا الجمال؟

لا أحد. هذا هو الجواب الذي يؤلم، لأننا في عصر لا يقرأ. زمن صار فيه الكتاب عبئاً، والكلمة الطويلة ترفاً، والرواية الحقيقية شيئاً يخص الماضي. صرنا نبحث عن الإثارة السريعة، عن الدم المسفوح، عن الفضائح التي تتصدر الصفحات. صرنا جيلاً تربى على ثقافة الضجيج، فأصم آذانه عن أولئك الذين يكتبون بالهمس. والبهات كان من الهمس. كان من الصوت الخافت الذي لا يسمعه إلا أصحاب القلوب النقية، والآذان الصافية. لكن كم واحداً منا بقي قلبه نقياً، وأذنه صافية؟!

عاش (رضا البهات) بيننا سنوات طويلة. كان يكتب، ويبدع، ويحفر في صخر الإبداع بهدوء الحكماء. لكن أحداً لم يلتفت إليه. لا الصحافة الثقافية، التي صارت في غالبيتها أشبه بإدارة إعلانات للناشرين. ولا المجالس الأدبية، التي تحولت إلى سهرات اجتماعية تدور فيها النميمة أكثر مما يدور فيها النقد. ولا وزارة الثقافة، التي تخصص ميزانياتها لتكريم الأسماء البراقة، حتى لو كانت فارغة من كل شيء إلا من البريق. ولا الجامعات، التي تدرس الأدب كما يدرس المرء التاريخ القديم.. مادة للمتحف لا للحياة.

وهنا، اسمحوا لي أن أسأل السؤال الذي يؤرقني كيف نسمح للرداءة أن تتصدر المشهد الثقافي، بينما يموت النبلاء وحدهم في الزوايا؟!

الجواب واضح. واضح جداً لدرجة أنه يوجع. لأن النبل لا يدر ربحاً. والهدوء لا يصنع جمهوراً. والكتابة الصادقة الأصيلة لا تعرف كيف تبيع نفسها في سوق تحكمه العلاقات العامة والتسويق الرقمي. رضا البهات لم يكن يصلح أن يكون نجماً في عالم يقوم على الصورة أكثر مما يقوم على الكلمة، وعلى الظهور أكثر مما يقوم على الإبداع. كان من زمن آخر. زمن كان الكاتب فيه يحترم لأنه كاتب، لا لأنه يجيد التقاط الصور مع المشاهير، أو يطلق التصريحات النارية التي تتصدر الترند.

أعرف أنه لو كان يسمعني الآن، لابتسم. لابتسم ابتسامته الخفيفة الهادئة، وقال: «لا داعي لكل هذا». فقد كان يعرف اللعبة جيداً، وكان راضياً بحكمه، مقتنعاً بأن دوره في هذه الحياة أن يكتب لا أن يتسول الاعتراف. لكنني لست راضياً. ولن أكون. لأن المبدع الصادق لا يملك رفاهية الصمت عن الظلم الثقافي الذي يتعرض له أمثاله. المبدع الحق لا يملك أن يموت بصمت بينما يملأ السفهاء الدنيا ضجيجاً. المبدع الحقيقي لا يملك إلا أن يكون ثائراً على كل ما يجعل من النبل تهمة، ومن الرداءة بطولة.

رحل رضا البهات. ولم يزاحم أحداً. ولم يرفع صوته في وجه أحد. لكن الرحيل نفسه، بهذا الصمت المريب الذي أحاط به، يشبه اتهاماً موجهاً إلينا جميعاً. اتهاماً يقول أين كنتم؟ لماذا لم تحتضنوا موهبته وهو حي بينكم؟ لماذا لم تمنحوه جائزة واحدة تذكر من جوائز الدولة ؟ لماذا لم تدرجوا روايته في المناهج الدراسية؟ لماذا لم تخصصوا له حلقة تلفزيونية واحدة يعرف فيها الناس على عالمه الإبداعي؟

لا أملك الإجابات. ولا أظن أحداً يملكها. لكنني أملك اليقين بأن رحيل (البهات) لن يغير شيئاً في المشهد الثقافي العربي. ستمر أيام قليلة، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده؛ الصعاليك يتصدرون، والنبلاء يدفنون في مقابر النسيان. هذا هو القانون غير المكتوب لثقافتنا العربية، نحن لا نعرف قيمة الكنز إلا بعد أن نفقده، ثم نبكي عليه بكاء من لا يملك إلا البكاء.

ومع ذلك، أقولها بكل صراحة أنني أرفض أن يكون رضا البهات مجرد اسم في قائمة الراحلين. أرفض أن تكون «بشاير اليوسفي» مجرد رواية على رف بعيد يعلوه الغبار. أرفض أن يمر رحيله كما مرت حياته، بهدوء قاتل يوحي بأن النبلاء لا يستحقون إلا الصمت.

لقد خسرناه في الحياة. لكن لا ينبغي أن نخسره في الذاكرة. وإن كنا عاجزين عن تكريمه وهو حي، فلنكرمه الآن بالطريقة الوحيدة الممكنة، بأن نقرأه. وأن نعلم أبناءنا أن يقرؤه. وأن نقول بوضوح إن روايته كانت من أجمل ما كتب في هذه الأرض.

رحم الله الدكتور رضا البهات الطبيب الذي رحل عن 71 عاما. وأظنه الآن في مكان أفضل من هذا العالم الذي لم يمنحه حقه. لكنني لا أجد في هذا عزاء. فالمبدع الموهوب لا يعوض غيابه إلا حضور إبداعه، ولا يخلد إلا بالذاكرة التي نصنعها له بعد رحيله. فلنصنع له ذاكرة تليق به، ولو بعد فوات الأوان. ولنعترف، ولو متأخرين، بأن الحضارة الحقيقية لا تقاس بما نبنيه من صروح، بل بما نعرفه من أبنائها قبل أن يرحلوا.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع