في الليل، يختبئ الزمن تحت وسادتي

marwan yasseen

مروان باسين الدليمي             

1

الهواء يتثاءب

يلمس وجهي

كما لو كان يقرأ أفكاري قبل أن أستوعبها.

الظلال تتحدث

تهمس بأسماء لم تعد تُذكر

لكنها تلمس ركبتي.

الريح تمزق صمت المدينة

وتحمله إلى عينيّ

كما لو كانت دمعة تائهة في منتصف الطريق.

 

أتذكر بيتًا لم أزره

واسمًا لم يُنطق بعد

كأنّ الذاكرة والنسيان تتهامسان على طاولة بلا أرجل.

 

السماء تصرخ أحيانًا

والأنهار تبتسم بألوان لا تعرفها عيون البشر

الأرض تحت قدميّ تضحك بخفة

وكأنها تعلم أنني أحب السخرية أكثر من الفهم.

 

أشعر بأن الساعة تسبح في يدي

وأن كل ثانية تتضاعف في صدري كنبضة مزدوجة

لكن قلبي يرفض الاعتراف بالزمن كعدّاد.

 

الجدران حولي تتنفس

تتآلف

وتختلف

وكأنها تعرف أنني لست فقط أنا

بل نحن جميعًا في لحظة واحدة

ولا لحظة يمكن أن تُمسح مهما حاولت.

2

أمشي في الأزقة

وكأنّ الأرض تستدرجني إلى ما قبل ولادتي.

الأبواب تغمز

النوافذ تتثاءب

والقطط تسرق ظلّي

لتخيط به معطفًا للشتاء القادم.

 

الذاكرة تضع قناع النسيان

والنسيان يرتدي حذاء الذاكرة

كلاهما يركضان ورائي في شارع لا ينتهي

يختفي ويعود

مثل كلمة تتردد في أحلام شخص آخر.

 

الملح يرقص على لساني

يهمس بأخبار البحر الذي لم أره إلا في الكتب

والكتب نفسها تتساقط من رفوفها كأشجار بلا جذور.

عابرون يشبهون وجهي

يبتسمون لي كما لو أنني مرآتهم المكسورة.

 

أسمع ضحكة تأتي من حقيبتي

أفتحها فلا أجد سوى ورقة فارغة ورائحة ليمون

أضعها على أنفي

فتسقط فجأة كل المدن التي عشتها ولم أعشها

حلب

ماردين

موصل

تتراكب على بعضها

مثل طبقات حلم يرفض أن يستيقظ.

 

وفي منتصف الطريق

أجد نفسي أضحك بلا سبب

أضحك حتى تصير الشوارع نهورًا من بخار

وحين أحاول أن أكتب ذلك

أجد الحبر يركض بعيدًا عن الورقة

كأنه يعرف

أن الكلمات لا تطيق أن تكون مجرد كلمات.

3

في الليل

يختبئ الزمن تحت وسادتي

ينام كطفل خائف من أن يكبر.

ألمسه

فيتلوى مثل سمكة تبتلع الضوء.

 

أصوات أقدام بعيدة تأتي من القرن الماضي

تقترب لتسألني عن ساعة الحاضر

وعندما أجيب

تضحك كما لو أنني حكيت نكتة عن الموت.

 

الأسماء التي نسيتها تطرق نافذتي

فاطمة

علي

سليمان

يمرّون حاملين جرار ماء من قافلة لم تصل بعد

وفي عيونهم لمعة تعرف كل الطرق التي لم أمشها.

 

أشمّ رائحة قهوة من زمن لم يُخترع فيه البن

وأسمع هدير قطار يعبر فوق النهر بلا جسر

في داخلي تتشابك المدن

تسقط حيطانها على بعضها كأوراق لعب

وتنهض ثانيةً لتثبت أن الخراب ليس النهاية

بل أسلوب آخر في العيش.

 

أكتب هذا وأنا أعلم أن الكلمات ستشيخ قبلي

لكنها ستواصل السير

تركض في الهواء مثل أوراق نقدية مبللة

تحلم أن تشتري حياة لا تنتهي.

شاعر ورورائي وناقد عراقي. من أعماله: رفات القطيعة، منعطف الوقت، اكتشاف الحب ـ اوراق من مدونتي الشخصية، علامات سردية روايات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع