الكتابة من أجل كوكب من ورد ودفقة من عبير!

تشكيل

تحقيق: عاطف محمد عبد المجيد ـ مرفت يس

ربما يكون سؤال “لماذا نكتب؟” قديمًا قِدمَ ظهور الكتابة ذاتها، وربما سُئل كثيرون من قبل لماذا يكتبون، وبطبيعة الحال أدلى كلُّ مَن سُئل بدلوه في هذه القضية المتجددة بتجددَ مولد كل كاتب جديد. المعروف أن أسباب الكتابة تختلف من كاتب إلى آخر، متأرجحة بين أسباب تتعلق بالعالم والحلم في تغييره بالكتابة، وأخرى خاصةً تتعلق بأحلام بسيطة للكاتب نفسه لا سواه، وما بين هاتين المنطقتين توجد أسباب ودوافع أخرى تختلف حسب من يكتبون أنفسهم، ووفق الظروف المحيطة بهم. هنا نطرح سؤالنا هذا على عدد من الكتاب والمبدعين المتحققين، وذوي الباع الطويل في عالم الكتابة والإبداع، وعلى آخرين شباب، لنعرف منهم لماذا يكتبون وما هي دوافعهم للكتابة، وهل هناك عائد ما، مادي أو معنوي، ينتظرونه من وراء الكتابة؟ الحقيقة أننا حين فكرنا في القيام بهذا التحقيق لم يكن هدفنا سوى أن نعرف لماذا يكتبون، وما قد يعود عليهم من الكتابة، لكن، ودون قصد منا ومنهم، أدخلونا إلى تفاصيل حياتهم الخاصة ومتاعبهم فيها، وأحلامهم التي لا يزالون ينتظرون تحققها. هنا وضعنا هؤلاء الكتاب في بؤرة حياتهم التي قد لا تليق بكاتب ينشد جمال العالم، متمنيًا وصوله إلى أفضل حالة يمكن لحياة بشر أن تصل إليها. وحتى نتعرف إلى أسبابهم التي دفعتهم، ولا تزال، إلى الكتابة، علينا مطالعة ما جاء على أسنة أقلامهم في هذا التحقيق.

الكاتبة والروائية عزة بدر التي بدأت إجابتها بقولها إنها تكتب من أجل كوكب من ورد ودفقة من عبير، تخبرنا أنها تكتب لأن وردة فى داخلها تريد أن تتفتح، وأن تخرج إلى النور، لتنعم بقطرة من ندى، ولأن شوكة بها إن نزعتها آلمتها، وإن أبقت عليها آلمتها. بدر تؤكد أن ثمة مصيرًا مشتركًا بينها وبين الوردة لا يتحقق بفصل توأمين، فهى نصفها الآخر الذى يتضوع بالعطر، فهل تحتبسه لنفسها؟، تضعه فى قواريرها وحدها، ترشق وردتها خلف أذنها، وتنعم بجلسة هادئة فى شرفتها؟، وتهمس بما كتبت لنفسها، وتهجس: يا له من عالم جميل، لها وحدها؟ أحد دوافع الكتابة عند بدر هو نثر الورد فى الطرقات، للسائرين فى الليل، وللعابرين فى النهار، تفرش الورد لكل عابر سبيل، تكتب لأن معها زجاجة ضخمة من العطر، بحجم هرم، متدفقة كنهرالنيل، تود أن تقسِّم عطرها بالعدل على العالمين، أن تشير بأصابع من نور إلى كون خُلق لنا، وبأيدينا أن نجعله كوكبًا من ورد، ودفقة من عبير. بدر تكتب أيضًا لأنها تختزن كَمَّا هائلًا من الكراملة، والبونبون، وحب العزيز، والسُكَّر الجلاّب، وحبات التين، تختزن ثروة من الكلمات تتكدس عندها كل يوم مثل قوالب الشيكولاتة، ولفائف قمر الدين، وحلاوة غزل البنات، ونفحات الآيس كريم. تكتب لأن المفردات على يدها تبتسم، تكتشف أمكنتها فى حفل موسيقى كبير، بينما تمسك هي بعصا المايسترو، عصا من حرير، وتأخذ بزمام العزف، وفى كل حفل عزف جديد، وأثواب وشرانق ذهبية ومفضضة من مس الحرير. تكتب بدر لأنها تنتمى للغة شاعرة، تريد أن تغمس أصابعها فى ماء البحر فتُحليه، وأن تمد يدها إلى قلب الصبارات الخُضر، فتشقه وتداوى بلبنها المنثال الصابرين، والمتصبرين، وأولئك الذين يقفون أمام مراشف الزهر وجداول العسل ينتظرون جنتهم على الأرض، فهلاّ وقفت معهم، ونثرت المزيد من العطر، ومسحت على رؤوسهم بزيت الزيتون، وعطرت ثيابهم باللافندر، والياسمين. تكتب لأنها ولدت عند البرزخ، فى لحظة التقاء العذب بالملح الأجاج، البحر والنهر معًا ولا يبغيان، هذا التوسط والاعتدال الذى جعلها من برج الميزان، هو نفسه الذى يجعلها من مواطنى كوكب الورد، ومن عشاق أسبلة الجمال، تقول لنهر الكتابة لا تسقنى وحدى، وتقول لبحر الكلمات هل من مزيد، ومن يعشق النهر والبحر، لا يسأل عن المقابل المادى، بل عليه مثلهما أن يفيض.

جبار ياسين

الكاتب والقاص عراقي الأصل فرنسي الجنسية جبار ياسين يشير إلى أن السؤال قديم وله ما لا يحصى من الإجابات، بعدد الكُتاب، وله جواب واحد أيضًا. هل هو رغبة في سلطة، في قتل الوقت، في التشبه بالله في الخلق، في تغيير العالم؟ كل هذا ممكن وقابل للتفسير والنقض. أما يتعلق بياسين، فالكتابة مثل العبث، لابد من اجتراح شيء لجعله ذا معنى. لا يمكن للحياة أن تمر وحسب كزمن عابر. لابد من فعل شيء لجعلها أقل قسوة، أكثر شفافية. لابد من مقارعة الزمن بحسابه بالكلمات. العالم: كلمات، كلمات، كلمات، كما عبر هاملت في حواره مع نفسه. صبيًّا شعر ياسين بالرغبة في الكتابة. المكان كان كربلاء، الزمن شتاء 1969 منتصف النهار. كان مع حشد من آلاف البشر، وكان يرى من الرصيف مشاهد تمثيل طقوس يوم عاشوراء. سحره مشهد الخيول التي تمثل الهجوم على خيام الحسين في واقعة كربلاء. كان الفرسان، الممثلون، يبكون من على ظهور جيادهم وهم ماضون لحرق خيام عائلة عدوهم. مشهد متناقض لا تراه في مكان آخر. هو في حد ذاته قمة المأساة. كانت شمس الظهيرة ساطعة، باهرة، ابهرته معها، وهو ينظر لدخان المشاعل التي ترفعها سواعد الفرسان وضجيج الحشود التي تصرخ بصوت واحد: يا حسين. في تلك اللحظة قرر أن يكتب المشهد كي لا ينساه، وبعد يوم عاد لبغداد، حيث تسكن عائلته وكتب. صارت الكتابة حاجة له، أشبه بمرض مزمن، شيء من اضطراب داخلي، ولا بد من تعزيمة سحرية بدائية لإخراج الجن من رأس المريض. كانت أم ياسين تريده أن يصير طبيبًا، فصار مريضًا طول العمر.

 

عمار علي حسن

الكتابة هروب من الوجع

أما عند د. عمار علي حسن فقد صارت الكتابة عبئا على الجسد كلما تقدم العمر، رغم أنها تملأ الروح، فلا عيش من دونها، بصرف النظر عن العائد منها. إنه عائد لا يساوي أبدًا الجهد المبذول عند أي كاتب عربي، وهو منهم، فقليلة هي الكتب، روايات أو قصص أو دراسات متنوعة، التي بوسعها أن تدر علىه عائدًا مناسبًا، ولولا المقالات التي ينشرها بانتظام في بعض الصحف، وجائزة مجزية حصل عليها قبل عشر سنوات، لكان عليه أن يبحث عن مهنة أخرى مصاحبة، أو يستمر في العمل بالصحافة، ولا يقدر أبدًا على التفرغ للكتابة، مثل الحال التي هو عليها الآن. لكن، يستدرك عمار، حتى لو توقف أي دخل من المقالات، وبات عائد الكتب صفرًا، فإنه لا يستطيع التوقف عن الكتابة، فقد صارت هي الحياة، ومن دونها موت، حتى لو كان لا يزال يتنفس ويدب على الأرض، ويسير بين الناس.

 أما الشاعر سعيد شحاتة فيجيب عن سؤالنا قائلًا إن الكتابة متنفس، هروب من الوجع، وبحث عن احتمالية حياة أفضل، مضيفًا أنه لا يكتب من أجل كل هذه الأشياء، لكنه يكتب من أجل إسعاد أمه، هذه السيدة التي كانت تهرب معه من مكابدة التعب والوحدة إلى ما يكتب، أو بالأدق إلى ما تسره عيناها إليه. شحاتة يرى أن الكتابة الحقيقية ملكوت، وضمير يقظ، ومحبة، وتسامٍ وترفع، وأخلاقيات علينا أن نعيد البحث عنها من خلال كل ما نكتب، لنستنهض بها أنفسنا وقوتنا الحائرة، ومجتمعنا الذي يحتاج إلى كل كلمة صادقة. شحاتة يقول كذلك إننا نكتب لنحيا، هذا هو عائدنا الوحيد ومكسبنا الأهم. أما عن الغنائم والأرباح فلها ذئابها.

بالنسبة للمفكر والكاتب د. شاكر عبد الحميد كانت الكتابة نوعًا من التحقيق للذات، ونوعًا من معرفة الآخر، حالة من “الوجود معًا” مع كتاب ومفكرين ومؤرخين وعلماء، عايش بعضهم فعليًّا بحكم دراسته للإبداع في القصة القصيرة والفن التشكيلي وعملية التذوق في الفن والأدب، وعايش البعض الآخر خياليا، وتصوريًّا، فعرف العالم وعرف الإنسان وعرف معنى الحياة من خلال أعمال دستويفسكي وزولا وشكسبير وعبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ وغيرهم. شاكر يرى أن هناك دافعين للكتابة؛ دافع داخلي يرتبط بمتعة الكتابة ذاتها، ودافع خارجي يتعلق بما قد يترتب على الكتابة من فوائد كالمكاسب المادية والشهرة والجوائز وغيرها، عندما يتغلب الدافع الأول تكون الكتابة حقيقية، والعكس صحيح بالنسبة للدافع الثاني.

أما الكاتب منير عتيبة فيقول إنه يكتب لأنه يحب الكتابة ويستمتع بها. المتع في الحياة قليلة، ومن يجد متعة فلا يفلتها، والكتابة من الأشياء التي تمتعه جدًّا، إضافة إلى القراءة ومشاهدة الأفلام والمسرحيات ولقاء الأصدقاء. أما العائد المعنوي من الكتابة، كما يراه عتيبة، فهو كثير يأتي فورًا أثناء الكتابة نفسها، وعندما يقرأ لك الآخرون وعندما ينشر عملك. مضيفًا أن العائد المادي يمكن أن يأتي في صور متعددة، كمكافأة نشر أو جائزة أو غيرها، لكنه غير مضمون وغير ثابت، وهو ميزة جانبية، وليست الدافع الأساسي للكتابة الجادة.

أما الروائية صفاء عبد المنعم فتؤكد أن الكتابة نوع من أنواع استخراج الطاقة الإيجابية، وكذلك هى، أحيانًا، مجموعة من الأسئلة التى نبحث عن إجابات لها. عبد المنعم تكتب لأنها أصبحت تحب الكتابة، وأصبحت الكتابة بالنسبة لى المتنفس المهم والحقيقى فى هذا العالم. فيما ترى أن فكرة وجود عائد مادى من الكتابة، للأسف، لا توجد، لأن المبدع ما زال ينفق من جيبه على الكتابة: شراء كتب للقراءة، شراء نسخ من الكتاب لتوزيعه، المساهمة مع الناشر لنشر الكتاب. لكن ما تنتظره عبد المنعم من وراء الكتابة فهو: السعادة، الراحة النفسية، حلم التفرغ للإبداع، الشهرة، والحياة الكريمة، مثلما نسمع عن الكتّاب فى الخارج، إذ من الممكن للمبدع أن يعيش حياة جيدة من ريع كتاب أو اثنين. لكن المبدع أو الكاتب في العالم العربي لا يستطيع أن يعتمد بشكل كامل على الربح من وراء ذلك.

بينما يقول الشاعر والروائي صبحي موسي إن هذا السؤال يبدو أحد الأسئلة الصعبة، لكنه في المجمل يحب الكتابة، يستمتع بها، ولا يستطيع الجلوس دون كتابة، فهي التي يمكنها أن تنقل كل ما في رأسه إلى العالم ببساطة ووضوح. موسى يؤكد أنه لا يجيد الكلام، لكنه يجيد الكتابة. وعن دوافعه للكتابة يقول إن ما دفعه لها في صغره هو أنه كان يرغب في أن يكون مشهورًا ومُميزًا وراقيًا ومختلفًا عن الاخرين. كان يسعى لأن يعرف، وأن يكون منتجًا ثقافيًّا، وليس مخزنَ معرفة، وقد كانت الكتابة وسيلته لذلك. موسى لا ينكر أنه يتقاضى أموالًا من كتابته، فجميعنا أو أغلبنا نتقاضى أموالًا، لأننا كُتاب محترفون ولسنا هواة، فضلًا عن كوننا فقراء، وليس لدينا رفاهية الكتابة مجانًا، لكن هذه الأموال قليلة، ولا تتناسب مع الجهد المبذول في الكتابة. موسى يضيف أنه يقوم بعمل أبحاث في التاريخ والجغرافيا، أحيانًا يشتري مراجع ويقوم بزيارات، ويدفع من أجل الجمْع على الكمبيوتر والتصحيح اللغوي وطباعة البروفات، وينتظر الحصول على جائزة كي تعوضه كل هذا الجهد. المحزن أن موسى يقول لو أنه عمل بائع عرقسوس في بلدنا لاستطاع أن يبني بيتًا، لكنه حتى الآن يقيم في شقة بالإيجار في منطقة عشوائية مثله مثل كثير من الكتاب.

طارق إمام

الكتابة فعل حياة

أما الروائي والقاص طارق إمام فيجيب عن سؤالنا قائلًا إنه يكتب لعدة أسباب، منها ما هو أوّلي مثل انجذابه من الطفولة ليكون راويًا للقصص، أن يكون صاحب حكاية ما تثير إعجاب الناس وتدهشهم، وهناك أيضًا شيء بديهي، أنه يكتب ليعبر عن موقفه من العالم، وليُشرك آخرين معه في سؤال ما، يخص العالم. إمام يرى أننا عندما نكبر، نكتشف أن كل شخص يملك حكاية عظيمة ونادرة، لكن قليلين منا بإمكانهم كتابة حكايات عظيمة ونادرة، مضيفًا أنك حين تصبح كاتبًا، فأنت لا تكتب حكايتك بالضبط، لكن تكتب ما تفترض أنه حكاية تتجاوز شخوصها ومسميات أبطالها لتصبح تعبيرًا عن الإنسان، لذلك، يقول إمام، لا يجد فارقًا كبيرًا بين أن يكتب حكاية عاشها أو أن يكتب حكاية اخترعها، فالواقع والخيال وجهان لسؤال الإنسان. إمام لا ينتظر أي عائد مادي من الكتابة، ورغم ذلك لا يستطيع أن يدعي أن الكتابة حرمته من هذا الجانب، أما معنويًّا، فليس أجمل من أن تقابل قارئًا بالصدفة ليخبرك: لقد كتبتَ حكايتي.

أما الروائية والكاتبة الصحفية زينب عفيفي فتقول ” لماذا أكتب؟ ” سؤال كثيرًا ما سألته لنفسها، وكانت إجابتها في كلمتين: لأنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا أخر، كما تتصور أن الكتابة وُجدتْ في حياتها كي تعيش وتتنفس وتحب وتغضب وتثور، كل هذه الانفعالات لولا وجود الكتابة في حياتها لكانت مظلمة. عفيفي تكتب لأنها تحب الكتابة، لأن هناك أشياء تثير دهشتها. هي تكتب لأن الكتابة فعل حياة؛ وهي تحب الحياة، ومَن يحب لا ينتظر مقابل لحبه، ومِن حسن حظها، تقول، أن مهنتها الصحافة، لذا فهي تكتب وتتقاضي أجرًا، لكن كتاباتها الروائية تكتبها كي تُشفي من أوجاعها، كي تخرج من عالمها الضيق إلي عالم أرحب دون انتظار أي مقابل. وما تؤكده عفيفي هنا أن الكتابة في حياتها تبقيها علي قيد الحياة وهذا ما يكفيها.

 الشاعر البهاء حسين يقول إنه صار يكتب لأن هذا هو الشىء الوحيد الذى يعزيه ويجعله يشعر بالهدنة. مضيفًا أنه بعيدًا عن أن الكتابة بالفعل هى أقصر طريق لفهم أنفسنا وأنفس الآخرين، وبعيدًا أن كونها هى الشيء الوحيد الذى نجيده، فقط لندع الكتابة هى الشيء الذى صرنا نستمتع به، رغم آية معاناة فى البحث عن أفضل نسخة، أى أصدق نسخة من القصيدة، مؤكدًا أن الكتابة هي أشغال شاقة، لمن يرهقهم البحث دائمًا عن الأصدق، عن الاختلاف، لأن تجاربنا الحياتية بالضرورة مختلفة. لتكن الكتابة هى لحظة لقاء بيننا وبين ما نبحث عنه من نقاء ما فى قصيدة النثر ويستحق القراءة، وسط هذه الفوضى العارمة، فضلًا عن البقاء. هذا اللقاء يستحق التعب، لأنه يعزى. رضا الشركاء والقراء عما نكتب يجعلنا نثق بأننا حين نكتب تجربتنا إنما نكتب تجربتهم، وهذا أعمق دافع للكتابة.

حين طرحنا سؤالنا هذا على الشاعر محمد حسني عليوة أجاب قائلًا: أن من يريد أن يكتب؛ يحتاج أن يُولد كاتبًا، مضيفًا أنه ليس ثمة من شغف أقوى من أن تجعل من حياتك صراعًا شاقًا، والصراع هنا، حيث الكتابة تجعلنا نتعلم التواصل أكثر وأعمق مع الآخرين، وتضعنا في إشكالية دائمة، وعلاقتنا بالشخصيات التي نطرحها في نصوصنا. عليوة يرى أننا نكتب لأننا نبحث عن قيمة للمعاناة الذاتية، ” ولأن الشيء الوحيد الذي يدفعنا للجنون أكثر من الكتابة، هو عدم الكتابة “، على حد وصف سارا غروين صاحبة رواية ماء للفيلة. وبما أن الكتابة، يقول عليوة، في بعض مجتمعاتنا العربية، لا تعد مهنة يقتات منها الكاتب، فقد تكون موازية لوظيفة أخرى بدوام كلي أو جزئي، وقلّما تجد كاتبًا متفرغًا لإبداعه، ويتكسب منه.

ناصر الحلواني

أما الكاتب ناصر الحلواني فيقر بأن الكتابة محاولة لفك شفرة الوجود بنحو جمالي، تبدأ بالتساؤل، ولا تحاول الوصول إلى إجابات، فهي جدل بين الذات والواقع، من أجل النفاذ إلى ما هو جوهري، وإنساني، في قلبه، وصياغته في صورة إبداعية، تقوم على موهبة مؤكدة، وثقافة غنية، لتضع القارئ أمام منظور جديد لعالمه، وفهم حيوي أعمق لمفردات وجوده، فترتقي بذائقته، وبالتالي اختياراته. بالنسبة للحلواني الكتابة هي فعله المعبر عن ذاته، ومواقفه وآرائه، وفلسفته في الحياة، بكافة مجالاتها، وأسلوبه الجمالي في التعبير عن ذلك كله، وهي الطريق إلى السر، إلى السؤال، ومتعة النبش في غياهب الزمان والمكان والنفس الإنسانية. وهذه ثمرتها التي يجنيها منها، إنها لذة الخلق في هذا الوجود.

فيما تقول الكاتبة أسماء هاشم إنها تظن أنه لا يعرف جدوى الكتابة إلا من غادرهم وهج الإبداع، وقد غادرها هي وهج الإبداع قرابة العشر سنوات، تخلت عنها روح لم تعد تعرفها وهي تنظر إلى وجهها في المرآة لعلها تجدها في ملامح صارت لها. هاشم تضيف قائلة إنها كثيرا ما كانت تعبر تأملها واستغراقها ندف هشة منها، ومضات خاطفة تومض وتذوي سريعًا، وحدها الكتابة اقتنصتها وأعادت تشكيلها. مبكرًا غادرت هاشم البدايات بسذاجتها وأوهام التحقق والانتشار، غادرت محطات عديدة لم تعد شغوفة بأوهام التحقق والانتشار، لم تحمل يومًا الكتابة مسوؤلية تَغير أوضاعها أو حتى تحقيق مكاسب ضئيلة، مؤكدة أنه لا يمكن أن تكون الكتابة التي شيدت روحها إلا عكازًا للروح.

مهمة استرداد الذات

أما الكاتبة والإذاعية فردوس عبد الرحمن فترى أن للكتابة مهمة استرداد الذات ونتشها من يد الآخرين، للكتابة مهمة إيقاظها دائمًا ورج عناصرها لإعادة التوليف من جديد. ما وجدته عبد الرحمن في الكتابة لم تجده في كل حقول المعرفة النفسية والفلسفية التي ولجتها، ولا حتى داخل مهنتها الإعلامية، والتي هي حديث مباشر إلى الجمهور، فالكتابة، تقول، تجعلنا ننظر إلى كل تلك العلوم من فوق، تجعلنا حاضرين دائمًا، بالدم واللحم والأعصاب، لنضيف إليها أكثر مما تضيف إلينا هي، فبرغم أن كل تلك العلوم تتحدث عن الإنسان، إلا أنها باردة، تنتمي إلى صقيع الوجود، أما الكتابة المشحونة بالذات فهي اكتشاف النار، نقلة نوعية في حياة البشر. الذين يسوّدون الصفحات، دون أن يفعلوا هذا، يلهثون وراء شيء آخر غير وجودهم الحي، وعندما يصلون إلى الآخرين، لا يتركون سوى موت بارد. الكتابة شغف، لا نكتب، لا تقرأ إلا بشغف، دون هذا لن يبقى شيء، لن يبقى شيء. ذلك هو العمل الإبداعي وهو كل شيء.

حمدي أبو جليل

الروائي حمدي أبو جليل يرى أن هدا سؤالًا صعبًا، لكن ما ساقها إلى الكتابة هي مشكلة وجودية، وهو صغير كان يجيب بأنه يكتب للوجاهة، ولما كبر عرف أنه يكتب للاكتمال، للرغبة في الاكتمال، الأدق النقص. أبو جليل يكتب نقصه، لا بل يفهمه ويتفهّمه ويضحك عليه في النهاية. يكتب أبو جليل ليكمل نقصه ويتفهمه على حد قوله.

بينما يقول الشاعر مؤمن سمير إنه لا يكتب ليتطهر من تعقيدات العالم التي تترى داخله أو ليثبت لنفسه أنه يحس أو يدرك بشكل أفضل. سمير لا يكتب ليترك لأولاده أوراقًا مهترئة يعرضونها على أصدقائهم بعد موته بفخر، لأن المعايير اختلفت بجلاء، ولا يكتب ليكسب مالًا رغم أنه تمنى ذلك كثيرًا، لكنه لم يبذل جهدًا في التقاط الذهنية التي تحكم الدوريات أو المواقع، وكان يصر على التعامل بخريطته هو، ربما كسلًا وربما هي الخشية من أن يفقد الصعوبة التي يحس بها في لعبة الكتابة وتكسبها حالتها الغامضة عنده، فتكون كتابته أكثر سلاسة، لكنها مثلما تأتي بسرعة تذهب بسرعة. لا يكتب سمير ليرضي ذاته المغتربة، لكنه يكتب لأنه يخاف أن يعلو صوته فتخرج همهمات يكتشفون معها أنه أخرس، لهذا يسوِّد الصفحات ويتركها لينام.

محمد بركة

أما الروائي محمد بركة فيقول إنه في ما سبق، كان يطرح هذا السؤال على نفسه، أو يطرحه آخرون بصيغ شتى، ولا يهتدي لإجابة شافية، معزيًا نفسه بأنه ربما يكتب لأنه لا يجيد لعب الشطرنج أو الطاولة، وبالتالي لا يعرف ماذا يفعل في صباح شتوي بارد. الآن وبعد أن أُوتي حكمة الأربعين، يعرف حقًّا وصدقًا أنه لا يكتب إلا لسبب غامض ودفين، وينطوى على قدر لا بأس به من الوهم اللذيذ: أن يترك أثرًا ما قبل أن يحمل عصاه و يرحل. نعم يكتب لنفس السبب الذي يجعل أحدهم ينقش اسمه على جذع شجرة أو مدخل محطة مترو أو حتى بغرفة سرية بقاعدة هرم عظيم. هنا يؤكد بركة أنه هو جزء من تراث فرعوني يستهدف التأكيد على أن أحدهم مر من هنا!

الكتابة وسيلة تواصل

أما الكاتبة والشاعرة زيزيت سالم فتخبرنا أنها تكتب لتسجل الحاضر وتوثق اللحظة، لتخرج ما يجول بخاطرها إلى حيز الذكر والخلود، تكتب ما لا تستطيع أن تفعله، وربما يظهر ذلك جليًّا في كتاباتها شعرًا ونثرًا. سالم تكتب لإلقاء الضوء على السلوكيات السلبية ومقاومتها ومحاولة تغييرها إلى الأفضل أو على الأقل التحذير من تبعاتها كما في مجموعتها القصصية ورواياتها. بصفة عامة تكتب سالم لأنها تحب الحياة وتدرك جيدًا أنها لن تعاش سوى مرة واحدة بحلوها ومرها، فتكتب لتضيف لعمرها أعمارًا أخرى، لأن الكتب والكتابات لا تموت أبدًا وإن رحل صاحبها. ورغم أن الكتابة لم تمنحها أي عائد مادي حتى الآن، فإنه ربما يكون العائد معنوي، أنها تتحقق من خلال قلمها وورقها وكلماتها، فالكتابة وسيلة للتواصل مع الآخرين ومتنفس في البراح خارج حدود الواقع، وربما تكتب لكي يحبنا أكثر من نحبهم، كما قال غابريل ماركيز، أو لأن الكتابة، مسلك حياة، كما علمنا لوركا. وللكتابة عدة لغات، لغة صحفية ولغة أكاديمية ولغة عادية ولغة شعرية ولكل منها قارئ يبحث عن إحداها، وقارئ آخر نهم يقرأ في كل شيء وتستهويه كل أنواع المعرفة، لذا تحرص أن تكتب للقارئ البسيط ذي المعرفة المتوسطة بحيث يكون تزويده بالمعرفة وقضاء وقت ممتع مع الكتاب هو هدفها بشرط ألا يتم تسطيح هذه المعرفة أو ابتذالها.

أما الكاتب السعودي فهد العتيق فقد أشار لنص قصصي نشره مؤخرا بعنوان كمين الحكاية، ذاكرًا أنه قد يكون إجابة عن سؤالنا، حيث وجد أن الكتابة تشبه عملية صيد ممتعة ومبدعة، وأن تجربته في الكتابة لها علاقة برؤية أو مزاج فني، فهو يعتبر المشهد الدرامي في تفاصيل حياتنا اليومية أدبًا من الممتع محاولة كتابته. وأن هناك ذاكرة مكان وزمان يحاول استعادتها وتحويل مشاهدها الدرامية الملفتة إلى حكايات. وهناك أيضًا مواقف وشخصيات بسيطة مرت في حياته كانت فيها جوانب خيالية ساحرة وساخرة. وهنا تأتي الكتابة لمحاولة اكتشاف غير العادي في المشاهد والشخصيات العادية أو المألوفة التي نمر بها عادة بلا اهتمام. كتابة تركز على الهامشي البسيط، لأنه جوهر حياتنا الإنسانية وجوهر الكتابة الحديثة.

أما ما دفع الشاعر أشرف قاسم إلى الكتابة فهو أنها تمنحنه الشعور بالتوازن وسط هذا العالم الذي صار الصراع سمته الأبرز، ولكي يحتفظ بآدميته وإنسانيته. قاسم لا ينتظر شيئًا من الكتابة سوى أن يترك أثرًا في سجل الإبداع، ربما كان ذا قيمة لدى الأجيال القادمة، كما لا ينكر أن الكتابة قد منحته بعض العائد المادي، وأحدثت انفراجة في بعض مراحل حياته، لكن ليس هذا هو الأهم، الأهم، بالنسبة له، هو العائد المعنوي المتمثل في ترك أثر ولو بسيط في سجل الإبداع، خاصة وهو يرى أن الكلمة أمانة ويأمل أن يكون على مستوى تلك الأمانة.

شاعر ومترجم وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع