مؤمن سمير
كتبتُ كثيراً من قبل وأجبت على أسئلة متعددة في حوارات متباينة التوجه عبر السنوات الفائتة موضحاً أنني ولدتُ في مكان بعيدٍ عن وطني وأن طفولتي كانت بلا ألوان ولا ضجيج مما جعلها مهداً لاختيار الكتابة كطريقة أو تكأة للفتى العاجز عن استنشاق الوجود كي يندمج مع التفاصيل ويروض قسوتها، ووسيلة لسبر أغوار تلك الحياة التي هي كائن غامض وناءٍ عن الإحاطة والاحتواء بالضرورة.. وتطرقتُ كثيراً للفرق بين العيش في الصحراء وبين السقوط في دوائر الزحام والأصوات العالية والوجود الحقيقي الذي من لحم ودم، وكيف أدت الصدمة إلى تعميق الشعور بالوحدة وكذلك بمركزية الكتابة في كيان شاب اختلطت لديه اليقينيات نتيجةً لتأرجح قطار الوعي الدائم والذي هو بلا محطات، والذي لم يجد بالتالي إلا ذاته مسرحاً تنعكس عليه الأحداث وظلالها العابرة والمقيمة.. تعدد المدن التي انتميتُ إليها، ابتلاع صدمة الموت مع رحيل الأحبة الصغار والكبار، تجارب المرض ومعاينة لحظة الفراق بشكل صريحٍ وواثق ومكشوف، الحب والعلاقات مع المرأة في شتى وجوهها، الأسئلة القريبة والأسئلة الأكبر.. الخ كل هذه مناطق سيرية تطرقتُ إليها من قبل باعتبارها جذوراً للكتابة ودوافع ومنطلقات فتحَت أبواباً وواربت أبواباً وأغلقت أخرى، قرَّبت أحلاماً وأطيافاً وبَاعدت وجرحت أجساداً وأرواحاً وقيماً وكيانات.. لكنني اليوم وأنا في عمري هذا، وبعد تجارب ناعمة، وأخرى في الأغلب الأعم، متشنجة وعصبية وعصيبة مع الكتابة امتدت لما يقارب الثلاثة عقود، أجد نفسي غريباً عن كل ما ذكرت باعتباره جواباً عن سؤال الجذور، وبعيداً جداً، عن كل مفهوم صار جاهزاً ومتاحاً ومطروقاً من كثرة مارددته، حتى لو كان الأقرب للطبيعة الخالصة للنفس، والأدنى من المادة الخام المفترضة لأي ملامح.. أجد نفسي اليوم أكثر ابتعاداً عن فكرة اليقين عند النظر للماضي الشخصي وماضيَّ مع الكتابة في الآن ذاته، وأكثر شكاً بإزاء جدوى فتح كتاب الذاكرة الملضوم بحبر الكتابة لتسكين جواب مناسب وطبيعي للأسئلة الطبيعية المغوية لكل حكي ملضومٌ بالاندياح والتدفق، بل أجد روحي تبتعد عن التعامل مع الوعي ورحلته باعتباره يحاكي صورة الأرفف التي كانت تمتلئ وتتراكم باضطراد لتصنع لوحة منضبطة ومنطقية وطبيعية لسدِّ فرجةِ وحفرةِ جذور الحياة وماضي الكتابة وأساسها وسِرَّها وباعثها.. أنا اليوم وأنا الآن، بتُّ لا أثق في بساطة القول بأني مررتُ بأحداثٍ بعينها أثَّرت في نفسي المضطربة وشكَّلتني، بنفس درجة عدم الثقة في فكرة أنني تشكَّلتُ وانتهى الأمر كإنسان وكشاعرٍ.. بتُّ أكثر اقتراباً من فكرة أن الخيارات تناسب مراحلها وفقط وربما لا تصلح في حد ذاتها لأن تصنع أثراً في سلسلة الحيوات التي يمر بها هذا الكائن، ولا تمتلك الجدارة لأن تكون لبنةً في خلق كيان حقيقي، وإنما هي مجرد قطرات في مجرى نهر يسير باندفاعة القَدَر المقدور.. هذه الأحداث ربما تكون صحيحة، بمعنى صدق حدوثها وعمق تأثيرها، وربما هي خطأ، بمعنى أنها ضلالات لم تحدث البتة، في نفس اللحظة.. ربما امتلكت خياراتي المتعددة طيلة الرحلة، القدرة على الحفر في الوعي وربما استحقت النقض الدائم والندم وبالأحرى الشك في كون هذه التجارب قد تمت بالأساس، حيث هي محض أوهام خفيفة أو ثقيلة حدثت، فقط، في خيال الكائن الذي ربط روحه بالكتابة، فاعتاد أن يصنع حكايةً ويُغذِّيها كل يوم بالأحداث المتخيلة حتى يستقيم له الطريق وتستمر الحكاية الكبرى التي هي الحياة ذاتها.. بأكبر قدرٍ من الوضوح، من ساعة أن أصاب ذاكرتي الوهَن وأصبحتُ أعاني وأنا أحادث أي شخص كي أصل لتعبير مناسب وصنع جمل مفيدة يتلقفها هذا الآخر حتى يراني، صار المسيطر عليَّ اليقين بأن الكلمات إما أنها ملَّت من طول الاستعمال مع الكتابة، فصارت تمارس تمردها من خلالي، وإما أن الجُمَل بعد أن صارت ثقيلة وعجوز، صارت عاجزة أن تخفي هشاشة خيوطها واستسلمت لفكرة أن الأمر انكشف، بعد أن تزحزح القناع عن عيون الطيف الماكر الجَوَّال الذي مازال يلفُّ ويلفُّ داخلي وحولي ليطحن أكبر قدر من الجُمَل والأحداث كي يعجن ثم يصنع ذكريات تصلح كفطائر أقتاتُ عليها وأنا أسير في غابة الحياة، فأصير صاحب ملامح غائرة لا أمتلكها في الحقيقة، وتجارب غنية ومتشعبة لم تحدث أبداً.. إذن مر العمرُ بي وصحوتُ فجأة فوجدتني لا أنتمي إلا لوقتي الآني الذي هو مفتوحٌ على كل التيارات وليس ذلك القادر على أن يكمل ألعابه ويصنع ماضٍ وذكرياتٍ جديدة طول الوقت، وأن هذا الماضي الذي أستندُ عليه، ما هو إلا خيوط عنكبوت، تتجسد أحياناً لتكوِّن كياناتٍ بعينها وفي أحيانٍ أخرى تذوي وكأنها لم تكن، بنفس البساطة والتواطؤ.. وبهذا تكون الكتابة هي خالقة الأوهام وخالقتي، هي السيدة الماكرة التي بلا قلب، التي تستخدمني بمهارة ربَّتها مع السنين لمصلحة دوامها الفاتن وتمتص دمائي لتجدد شبابها، وبهذا صار تعجبي واندهاشي بعد كل قصيدةٍ أظن أن أصلها ذكرى أو حكاية شخصية، غير ذي محل، كذلك السؤال عن سبب كتابة هذه المجنونة بهذا الشكل بالذات ولماذا اختارت أن تخرج علينا في هذه الهيئة بينما القصيدة السابقة تخرج من منطقة جمالية مغايرة ومنطق جمالي آخر، ورغم أنني قد أمعن النظر فأجد أنني أميل لمنطق دون غيره لكنها تمضي وهي تتجاهل رغبتي بكل هدوءٍ وثبات وعيونها تحدِّق بكل قوة في عيوني التي تنخفض تلقائياً لأسفل.. أعلم أن كل قصيدة هي التي تختار منطقها أو لا منطقها الجمالي، لكن أين موقع ذاتي في هذا الاختيار أو ذاك؟ ذاتي تنفذ فقط أوامر أن تصدق أوهامها وأن تتقمصها حتى تكاد تتمزق وأن تسير طريق النص لآخره.. إذن فرض هذا الشعر، الذي هو واجهتي الوحيدة للتعبير عن الخوف من العالم، أن ألصق بجسدي ذكريات وحوادث وسجالات فقط كي أصنع منها قصائدي ولحظاتي والآن أحسُّ أنني مسخٌ وأشبهُ العجين، أي أنني بلا هوية ثابتة وقابلٌ للتشكل الدائم.. بتُ أدركُ الآن أن ما مرَّ بي خلال رحلتي أكثرُ بكثير مما رويت أو ربما أقل بكثير أو أنه في الحقيقة مختلفٌ تماماً والغالب أنه لم يحدث مطلقاً، وأن الشِعر اختار مناطق بعينها وحوَّرها واستكمل ثغراتها ليكمل اللعبة: لعبته هو ودنياه هو وصورته هو.. والأدهى أنني الآن أقف مشدوهاً أمام أحداث ظللتُ طول عمري أحكيها بحماسٍ ثم كتبتها وأنا ممتلئ بالصدق لإحساسي بأنها أنا.. هل حدثت كل هذه الحكايات بالأساس أم أنها خضعت عند خلقها لشيطان ماكر اخترعَ مداخل ومخارج وابتعث أشخاصاً ونفخ في أرواحٍ ونحَت حيواتٍ وقصصاً ليُخرج حياةً لها قَوَام، تتوافق مع سيرةٍ اختارها الشِعر وخطَّها باستخدام هذا البطل الذي هو عابرٌ بالضرورة وضيفٌ غير مقيم إلى أن يكمل دوره.. الأغلب أنه لن يختفي من هذا المضمار ويتآكل إلا بعد أن ينفد رحيقه ولا يتبقى لهُ إلا فضيلة المراقبة دون أي مشاركةٍ تثقل خفة اللعبة.. ربما أكون الآن يا أخوتي في هذه المرحلة السائلة، التي أراقب فيها خروج القصائد بلا أي حرارة ولا حضورٍ فعليٍّ اللهم إلا المشاركة الافتراضية بهز الرأس.. ربما هي مرحلة الاستعداد لرحيلٍ ما لا أحيط بكينونته ولا أبعاده حتى الآن بعد أن صدقت بأن ملامحي الأصلية كانت حادة وعفيَّةً وشابة ثم أخذت تبهت بفعل الحياة مع الشعر وفيه، حتى تهتُ عنها ولم أعد أستوعبها ولا أشم فورانها، ولم يعد جسدي هو الآخر هيكلاً قوياً وثابتاً تنطبع عليه الذكريات والحكايات، صار يميل مع كل ريح وينحني أمام كل برق ولا يستطيع أن يقوم مرة أخرى إلا بمساندة أيادٍ لاتزال جارحة بتأثير أنها لم تخرج بعد من أوهامها، أستدعيها من السماء فأغادر موقع الفيزيقا إلى وضعية الأثير.. بعد أن غامت روحي للأسف، صرتُ لا أتذكر إلا أنني أنسى، بعمقٍ و إصرار.. صرتُ كائناً يدفع ثمن إيمانه الذي كان مدوِّياً وربما مظهرياً، بالشِعر كمخلِّص للأرواح ثم كفره بهذه القُدرة واستبداله بها بدور أكثر هشاشة ونقاء هو الصداقة الإنسانية والحزن المشترك والفرح المشترك واللعب المشترك، هدَّني هذا الصدق وتركني على حافة طريق متعرِّجٍ وبلا مارة.. وفي لحظة أن أوهمني الشِعر أنه مرآتي الوحيدة ولعبتي الأثيرة وشمعتي المضيئة، وصدقتهُ تحت نير الخوف والوحدة، منحتهُ روحي في صفقةٍ بانت أزمتها وعواصف حيرتها الوجودية اليوم بالذات، بعد أن بتُّ أحسُّ طول الوقت بالبرد حتى دون شتاء.. كانت حياتي والشِعر كياناً واحداً وكان هذا الأمر مريحاً وطازجاً ومُزَيَّناً بالأوهام الملونة كل صباح، واليوم خرج الطيف الهش المخاتل المخادع وبقى الشيطان الحقيقي الذي هو أصل اللعبة وعرَّاب الصفقة، بعد أن اكتسبَ الخلودَ من مَصِّ دمي وشفط روحي.. كلما صرتُ هشَّاً أكثر كلما صار الشِعرُ حراً وجريئاً ومقتحماً ويعرف طريقه.. كلما صرتُ بلا ذاكرة صار الشِعرُ أكثر شباباً وقدرةً على التجريب والخوض بثقةٍ في حقولٍ أخرى.. كلما تفككت الذاكرة كلما كان الشعر هو الذاكرة الحقيقية القابلة للتماهي مع كل وجه من وجوه المرآة.. أنظرُ الآن لما كتبتُ عبر السنوات بحيادية وتعجب وأنظر لما أكتبُ حالياً بإحساس المفارق الخفيف.. إذن من أنت في الحقيقة وماهي جذور حياتك وجذور كتابتك أيها الشاعر؟ اسألوا الشِعر وصدقوه حتى لو كان هو نبي الكذب الذى يتقن تحصين كذباته بالتخييل.. لم يعد في يدي المعروقة التي صنعت صداقةً مع رعشتها اليوم شيء، إلا أن أتظاهر بأنني أرفع القبعة لهذا الشيطان الذي صنعَ حياةً وسماها حياتي وبنى مدناً ونزعَ أرواحاً وزرع وروداً وشَقَّ في السماء ليلاً صغيراً ونهاراً على مقاسه ثم جلسَ أمام البحر وخلعَ ملابسه وقفزَ بخفة مَن يهفو لئلا يترك أثراً..
……………….
*نشرت هذه الشهادة بعدد شهر فبراير 2026 من مجلة “إبداع” المصرية.











