نورانية الروح وتصوف الذات.. قراءة في تجربة الشاعرة دينا الشيخ

دينا الشيخ

د.مصطفى عطية جمعة

   إنها تجربة شعرية فريدة مغايرة، تلك التي نبحر بها في عالم الشاعرة السودانية “دينا الشيخ” الإبداعي، وتتأتى فرادتها من تمسكها بموسيقى الشعر العربي وأوزانه، بكل نغمها وطربها للأذن، وبقدرة فذة على بناء أبيات وقوافٍ بديعة، يمكن أن تشدو بها الألسنة، وتترنم بها الأفئدة، فهي تأخذنا إلى عالم فكري ووجداني تقرأ به ذاتها، عبر تجربة إبداعية في الشعر الصوفي.

   إن العلاقة بين الشعر والتصوف علاقة لازمة، فكلاهما ناتجان عن تجربة روحية، ومغامرة نفسية، ولكن الشعر يمتاز بكونه أداة تعبير وبوح، أما التصوف فهو ترقٍ نفسي، وسمو روحاني، وعندما يتعالق مع الشعر، فإن التصوف يرقى بالشعر روحانيا، والشعر يصوغ التصوف إنشادا، والجميل أن الصوفية تمنح الشعر عالما فريدا من المفردات والتعبيرات والرموز، فــالنص الشعري الصوفي “وليد معاناة، ذلك لأن الصوفي عاشقٌ ينفّس عن مشاعره، بكلمات تتسم بالرمزية التي تفرضها طبيعة المعاني الروحية، فهو لا يعبّر بلغة العموم، بل يلجأ إلى لغة الخصوص، فالتجربتان- الصوفية والشعرية- مرتبطتان، غير أن الشاعر قد لا يكون متصوفا، أو لا يلزمه أن يكون متصوفا، ولكن الصوفي لا يبعد أن يكون شاعرا، وهو ما نجده جليا في تجربة دينا الشيخ، التي صاغت عالما متكاملا من المفردات والرموز والتعبيرات والصور، ميّزت تجربتها، فيما يمكن أن نطلق عليها  “صوفية الرؤيا”، التي لا تشمل الفكر فقط، وإنما تتوغل في الفؤاد، وتغلف الروح، وتجعلها تنشد صفاء وشفافية وبراءة يعزّ أن تجدها في عالمنا المعاصر الذي تكتنفه المادية، وتعصف به الشهوانية، وصارت النفوس البشرية راكضة إلى الملذات، التي مهما شبعت منها، فإن الروح تظل عطشى، تشرئب إلى الذات الإلهية العليا، وتعبر عن كل هذا بمفردة “البراءة”، التي يكن أن نعدّها مفتاحا للرؤية الشاعرية. تقول:

تُعذِّبُني البراءةُ يا إلهـي

أعدُّ نجومَها

في العينِ خِلسـَـةْ

“البراءة” تعني الصفاء، والنقاء، والشفافية، بما يجعل الذات سابحة في الملكوت الرباني ودلالتها السياقية تعني كونًا أنشأته الذات الشاعرة في أعماقها، كونًا فيه سماء ونجوم وصفاء، تغوص فيها الذات وتتأمل نجومها، كي تفرّ من عالمها الأرضي بكل ماديته، وطينيته. إنها روح تعاني تمزّقًا وأرقًا، تبحث فرارا من عفن ممارسات الإنسان على الأرض، وصراعاته من أجل اللذة، وتسقط الذات في صراع، بين براءتها الحالمة، وطينيتها الجاذبة.

تؤرّقُــــــني البـــــراءةُ

 حيــــثُ روحـــي

وجـــهُها الطّينــــيُّ نفسَـــهْ

وتسحـــــبُ غــــربتي

مــــن إصبعيْها تُشاطــــرُها

بذنبِ الحُبِّ جلسَةْ

فالذات الشاعرة متأرجحة بين وجهين: الوجه الطيني، الذي يعني الجسد ومتطلباته وشهواته، والوجه الروحاني الطامح الذي يعاني غربة، وتطمح الذات إلى حب يرقى بها، إلى أجواء نورانية، يمكن أن ننعتها بعنوان الديوان” فراديس”، وهي جمع للمفردة “فردوس”، والتي تعني لغويا البستان أو الروضة أو الحديقة، وورد ذكرها في القرآن مرتين، الأولى في سورة الكهف، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا }، (الآية 107)، والثانية في سورة المؤمنون {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، (الآية، 11)، والدلالة القرآنية تعني درجة عالية السمو في جنات الله تعالى في الآخرة، فالجنة درجات، مصداقا للحديث النبوي الشريف: “الجنَّةُ مائةُ درجةٍ، بين كلِّ درجتَيْن كما بين السَّماءِ والأرضِ، ومن فوقها يكونُ العرشُ، وإنَّ الفردوسَ من أعلاها درجةً ومنها تُفجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ الأربعةُ، فسلُوه الفردوسَ”. والأمر هنا على سبيل الجزاء الأخروي، الذي ينعم فيه الإنسان المسلم بالفوز الحقيقي، حيث يعيش سعادة أبدية، ولذائذ لا نهاية له، لأنه في ضيافة الله تعالى، ولكن هناك معنى آخر، علينا الانتباه إليه، بأن الثواب الفردوسي ليس جسديا وماديا فقط، إنما هو حالة من الكمال والسعادة واللذة الروحية، لا سيما وأن ساكني جنة الفردوس هم أسفل عرش الرحمن، يتنعمون بلذائذ الجنات، ورؤية الله جل وعلا.

   عنوان الديوان “فراديس” جاء بصيغة الجمع، ليضيف المزيد من الإيحاءات، فالديوان يقدم تجربة ترق روحية، تسمو بالروح إلى فراديس عليا، أوضحتها في قصيدة حملت عنوان “ورد الفراديس”، حيث تصبح فراديس الروح وردا، تطيّره الرياح.

أنا الرّيحُ

تحملُ

وردَ الفراديسِ

تزرعُـــــهُ

فـي عُصــورِ

الكــــلامْ

المفارقة في البيت السابق، أن الذات الشاعرة، ولسموها الصوفي الروحاني، صارت عنصرا كونيا، ألا وهو الريح، فقد ذابت في الكون الإلهي، وأضحت حاملة للورود، المأخوذة من فردوسها، وتبحر به زمنيا، في عصور الكلام، أي ترحل مع شعراء المتصوفة.

  وذلك من روعة الديوان، فقد برعت الشاعرة في تكوين مفرداتها، المعبرة عن كونها الصوفي، ومغامرتها الروحية، بل إنها تتجرد أكثر، وتصبح ذاتا مليئة بالحب، تقول:

أنا الحـبُّ

تقطفُني

طِفلــةٌ

وتغزِلُـني

بــُـردةً

للسّلامْ

إننا أمام صورة بديعة، فضمير الأنا عائد إلى الذات الشاعرة، التي أضحت شعورا، وإحساسا، وحبا، ولا شيء غير الحب، ثم يصبح الحب وردا، أي يرتد إلى فردوس الجنات، بما فيها من ورود، وهذه الوردة تنزل من عليائها، لتقطفها طفلة، تحوّلها إلى خيوط، تغزل بها نسيج السلام ليعمّ الأرض. وتلك رسالة الصوفيّ، فهو متصالح مع الذات، ويقتل الشهوات، ويسعى لنشر السلام، وتذوب روحه في الملكوت والسماوات، أي أنه يعيش حالة من الصفاء النفسي، التي تجعله في مصالحة وسلام مع الكون والناس والأشياء.

  وهنا نؤكد على أن اشتقاق كلمة التصوف –في بعض المصادر- من لفظة “الصفاء”؛ لصفاء قلوب هؤلاء في معاملتهم مع الله، إذ أن باطنهم كظاهرهم غاية في النقاء، واشتهر في ذلك بيتان لأبي الفتح البُستيّ، يقول فيهما:

تنازعَ الناسُ في الصوفي واختلفوا    فيه، وظنوه مشـتقًا من الصوفِ

ولستُ أمنحُ هذا الاسم غير فتى     صافي فصوفي حتى سُمّي الصوفيّ

  ولا يخفى أن النسبة إلى “الصفاء” هي صفويّ، وبعد تقديم الواو على الفاء، صارت “صوفيًا”، وبهذا يكون فيه قلب، وبهذا الرأي ذهب الألوسي وعدد من العلماء([1]).

   وهذا نلمسه متجليا في العديد من نصوص الديوان، وأمامنا قصيدة “قـابَ انعتاقيـــن”، ودلالة العنوان تدلف إلى جوهر الصوفية، حيث ينعتق الصوفي ويتحرر من شبقة الجسد، وشهوات الروح، فإذا كان الجسد له شهوات حسية؛ مثل الطعام والشراب والجنس، فإن الروح لها شهواتها النفسية، مثل حب الشهرة والتملك والتعالي والتجبر وغير ذلك، وهو ما يظهر عندما نلج في ثنايا القصيدة، حيث تهمس الشاعرة قائلة:

يَرقى بلا رغبـةٍ

في صَهـوةِ الأَمـدِ

وللصَّــدى إِرثُـه

كالرِّيحِ فــي الوتـــدِ

يمشــــي إِلى حلْمِهِ

والحُلمُ يسألُـــــهُ:

كيفَ البقاءُ

على قيدِي بلا جسـدِ؟

    فالانعتاق أساس الرؤية الصوفية، فلن ترقى النفس إلا إذا تخلت عن رغباتها وشهواتها، وهذا لا يعني الرهبنة، وإنما إخراج الدنيا من القلوب، وعدم السعي والركض وراء شهواتها. وفي المقطع السابق، فإن الذات الشاعرة تتحدث بضمير الغائب المذكر، عن شخص يرقى بلا رغبة، ولكن يكتشف أن الرقي لابد أن يتخلص فيه من قيود الجسد، والجسد هنا يعني كل الشهوات والملذات، المتصلة بما هو عضوي أو نفسي.

…………………….

[1]) في التصوف والأدب الصوفي، د. إبراهيم عوض، مكتبة جزيرة الورد، القاهرة، 2014، ص13.

روائي ومسرحي وناقد وباحث أكاديمي مصري صدر له: 1- وجوه للحياة، مجموعة قصصية، نصوص 90، القاهرة، 1997م 2- نثيرات الذاكرة،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع