القصيدة الجثة… هل هي قصيدة الوقت الحاضر؟!

عبد الرحيم طايع

عبد الرحيم طايع

سألني صديق شاعر: ما القصيدة التي تليق بالوقت الحاضر في رأيك؟

أجبته على الفور: القصيدة الجثة!

اندهش الصديق قليلا، لكنه بدا مستوعبا ما صرحت به، وأنا أكملت حديثي قائلا: العالم صار جثة متعفنة ملقاة في الطريق العام، تنهشها الكلاب الضالة، وفي الوقت نفسه، وهذا تعقيد مريب، صار متفرجا على عظامه المفككة ودميه السيالة، فلسطين، مثلا، جزء من العالم، والجزء يعبر عن الكل بلاغيا، فلسطين تحاصر وتباد، وبقية الأجزاء، أخص التي فلسطين منها وهي من فلسطين، بالمنطق البلاغي نفسه، وإن كنت لا أستثني الآخرين؛ لأن الكرة الأرضية واحدة، البقية تتفرج على المحاصرة والإبادة مؤيدة ومعترضة (للتأييد والاعتراض صور شتى واضحة ومموهة)… أي نعم وصلنا إلى هذا الحد العبثي الصفيق، وبين تأييدنا واعتراضنا، وجدت كلاب الشوارع الجائعة فرصتها في التهام جثتنا المغدورة الحائرة، بل التلذذ بها على مرأى منا!

قال صديقي متحسرا: أليست القصيدة هكذا أليمة ومقبضة؟ أليست هكذا مخالفة لما يجب أن يمنحه الشعر للناس من أمل؟

قلت متدفقا: يمكن أن تكون إدانة للقاهر وإنصافا للمقهور، بعيدا عن الألم والانقباض، والذين قالوا إن الشعر عليه أن يعطي الخلق رجاء مهما يكن متحذلقون، هكذا شهادتي بأمانة، فالشعر لا يتوجب عليه أن يمنح أو يمنع، إنما أن يكشف الغطاء عن المحجوبات لإظهار ما تحتها، يكشفها بخفة وذكاء، رأيته على هذا النحو باجتهاد طويل فيه قد يصيب وقد يخطئ، وباستمرارية صادقة معه تؤكد علاقتنا الوثيقة، ولا زلت أراه على ذات النهج، ولكي تكتب أنت قصيدة، وصفها الجثة، لا يلزمك أن تستخدم صوتا مدويا، تعبيرا عن الرصاص المندفق أو القذائف المنفجرة، ولونا أحمر، تعبيرا عن الدماء الجارية كالأنهار، وما إلى ذلك بالضرورة، كل ما يقتضيه الأمر أن تتفهم معنى أن العالم مات، وأنه، ويا للعجب، أول الحاضرين لتلقي العزاء في نفسه باستكانة مذهلة!

قال الصديق بيقين كامل: يروقني الكلام، وأوشك أن أومن به!

قلت عاجلا: سألتني فأجبتك، ولم يكن في بالي أن يعجبك كلامي أو لا يعجبك، ولم يكن في بالي أن تؤمن بالكلام أو تكفر به. أنا صدقت فكرة القصيدة الجثة، بعد أن

جاءتني بلا بحث، جاءتني، عفويا، من حنايا الواقع القاتل والمقتول الذي يضمنا جميعا، يضم الطيب والشرير، المرأة نقية الخاطر والرجل المغتلم الخبيث الذي لا يكف عن محاولة جرها إلى مكان معتم قصي ليفرغ كبته في حناياها.

غمغم الصديق غمغمة دلتني على ارتياحه المطلق، ولم تدلني على أدنى قلق، وأنا قلت صادما تفكيره المتوقع تقريبا: الشعر عندي كصورة الإله على وجه العموم، لا شيء يمكن أن يعكس حقيقته عكسا مثاليا، لا القصيدة الحياة، ولا القصيدة الجثة، ولا ينبغي أن يكتب الشاعر وفي عقله ووجدانه تصور جاهز أيا كان، الفكرة تأتي، وهو يشرع في الكتابة، ومقدار ما يشد هو القصيدة إلى عالمه المشهود، تشده هي إلى عوالمها الغيبية، والعكس صحيح!

بدت عليه الصدمة فعليا، وسأل مترددا: هل رجعت عن رؤيتك الأولى؟

أجبته: لا، بالقطع، لأنها لم تكن كظنك إياها، لكنني كنت أقرأ معك الأحداث الراهنة، متطلعا إلى أبرزها وأكبرها إثارة، ومبتغيا أن أختار موضعا لائقا بين مواضعها، يناسب عرش السيد الشعر في لحظة واحدة من لحظات تجليه الكثيفة المتقلبة!

 

 

 

شاعر وكاتب مصري أصدر اثني عشر كتابا، تنوعت بين الشعري والنثري، منها: ـ اخترت القطار للسفر ـ وجه كبير مخيف…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع