حاورها: أحمد اللاوندي
هدى العجيمي، إذاعية مصرية شهيرة، ولدت في 24 يوليو عام (1936م) بمدينة بور سعيد، التحقت بالإذاعة في بداية الستينيات فقدمت العديد من البرامج؛ منها: “إذاعة ترانزستور” و”من سور الأزبكية” و”زهور وبراعم” و”عمل قدمني للجمهور” و”ربات البيوت” و”مع الأدباء الشبان”.
اختيرت عضوًا بمجلس إدارة اتحاد كتاب مصر من (1997م) وحتى (2001م)، كما فازت بعدة جوائز من بينها: جائزة صندوق الأمم المتحدة للسكان عن أحسن تغطية إعلامية لمؤتمر المرأة في بكين، وجائزة أحسن برنامج إذاعي عن استطلاع رأي الإذاعة والتليفزيون حول البرامج الاجتماعية، ودبلوم من إذاعة كولونيا (1985م)، وجائزة صندوق الأمم المتحدة للمرأة، عن أفضل تغطية إعلامية إذاعية، لمؤتمر المرأة في بكين (1995م).
ولدتِ بمدينة بور سعيد الباسلة؛ نود أن نتعرف على نشأتكِ وعلاقتكِ بها؟
بور سعيد مدينتي التي ولدت ونشأت فيها، وتعلمت في مدارسها، وتطبعت بطباع أهلها، وعشت معهم، وعاصرت كل تضحياتهم وجهادهم وكفاحهم ضد المستعمر، حيث إنها قد تعرضت للعدوان والحروب أكثر من مرة.
أهم الأشياء التي أسهمتْ في تكوينك؟
كثيرة؛ كالجو المناخي اللطيف الذي تتمتع به بور سعيد حيث يحدها البحر المتوسط بشاطئه الجميل، وقناة السويس والرحلة التي يقطعها المواطن من بور سعيد إلى بور فؤاد على الضفة الشرقية للقناة.
بمنزلنا وجدت ما شكل ثقافتي وتطلعاتي، كان والدي يحتفظ بأعداد مجلة الراديو المصري التي تنشر أخبار الإذاعة وبرامجها والأحاديث التي تذاع فيها لكبار المفكرين والأدباء، فلا أملّ قراءتها؛ حتى أنني كنت أراسل البرامج الإذاعية، فيذيعون لي بعض المحاولات الشعرية والأدبية، إلى أن حصلت على شهادة الثانوية العامة والتحقت بالجامعة.
كان التحاقكِ بكلية الآداب قسم اللغة العربية عن قصد؟
نعم؛ فكنت أريد أن أنهل من تراث لغتنا وآدابها، وأفتخر أن جيلًا من العمالقة تعلمت منهم ودرست على أيديهم، كالدكتور شوقي ضيف ود. شكري عياد ود. سهير القلماوي، وكم كنت سعيدة؛ عندما حضرت آخر محاضرة ألقاها د. طه حسين، بكلية الآداب جامعة القاهرة، قبل رحيله.
في الستينيات التحقتِ بالإذاعة المصرية فعملتِ بمجال الترجمة، بعدها تغير مساركِ للعمل كمذيعة. كيف حدث ذلك؟
عقب التخرج أعلنت الإذاعة عن مسابقة لتعيين الخرجين بإدارة الشؤون السياسية، تقدمت ونجحت واشتغلت عامًا، إلا أنه تم الإعلان عن امتحان للمذيعين؛ تقدمت ونجحت وعملت بإدارة المنوعات وتخصصت في برامج المرأة. كنت المساعدة للسيدة صفية المهندس. لقد اعتقدت أن هذه المهمة إحدى علامات مسيرتي، فمخاطبة المرأة المصرية والعربية رسالة يجب العمل من أجلها، ومن أجل الأسرة ونهضتها بصفة عامة.
أول برنامج قمتِ بتقديمه؟
بعد فترة من التدريب قدمت أول برنامج منوعات بالبرنامج العام، كانت التكنولوجيا السائدة تكنولوجيا الترانزستور الذي جعل الراديو يصل إلى كل مكان؛ في الصحراء والأودية والحقول، ولهذا؛ كان عنوان البرنامج “إذاعة ترانزستور”، ولقد لاقى نجاحًا باهرًا وعرف اسمي من خلاله.
بعد “إذاعة ترانزستور” قدمتِ أكثر من برنامج، وكنتِ تميلين إلى البرامج الثقافية؟
بالفعل؛ قدمت سهرات بعنوان “سهر مع دائرة المعارف”، وهي تجمع بين المعلومات الثقافية والأغاني والفقرات المتنوعة، ثم برنامجًا بعنوان “من سور الأزبكية”، وهو نابع من خبرتي وتجاربي الشخصية، فثمة سوق كبير للكتب القديمة كان مقامًا على سور حديقة الأزبكية بمنطقة العتبة، كل المثقفين يترددون عليه من أجل الكتب المتنوعة ذات الأسعار الزهيدة، وأنا واحدة منهم، منذ أقمت بالقاهرة من أجل الدراسة وبعد التخرج.
عندما أصبحتِ مذيعة ومقدمة برامج؛ ظل هذا المكان حاضرًا في وجدانك؟
بالتأكيد؛ فقد أعجبني الشكل العشوائي التي تبدو به الكتب على سور الأزبكية وتنوعها، كنت تجد كتابًا علميًّا بحتًا بجوار كتاب عن الموسيقى أو الغناء، وديوانًا شعريًّا حديثًا أو من التراث بجانب رواية عالمية أو محلية. هذا؛ أغراني بعمل برنامج على تلك الشاكلة، فقدمت “من سور الأزبكية” الذي لم تقتصر متعته على الإعداد الجيد واختيار الكتب، ومن حسن حظي؛ عندما نجح رشحت بسببه لبعثة في (1971م) إلى ألمانيا للدراسة بمعهد برلين الإذاعي.
هدى العجيمي تعشق القراءة. لمن قرأتْ ومن أسسَ بناء أفكارها ونمو ذائقتها؟
منذ طفولتي وأنا أبحث عن القراءة، وكان أكثر ما يزعجني أنني لم أجد في بور سعيد مكتبات تبيع الكتب. توجد أكشاك صغيرة لبيع الجرائد، والمجلات التي كانت تصلنا من سورية ولبنان، كنت أنتظرها وأشتريها؛ لأنها كانت تحتوي على مواد ثقافية وقصائد، فمن خلالها عرفت الشاعر اللبناني سعيد عقل فقرأت (رندلي) أول دواوينه. كما عرفت نزار قباني فقرأت (طفولة نهد)، ثم توالت قراءاتي. عندما انتقلت للقاهرة قرأت الكثير من كتب التراث، وعيون الشعر العربي، والمعلقات، وكتب النحو والتاريخ، إلى جانب الاندماج في المناخ الثقافي الذي كان سائدا آنذاك.
كنتِ تقومين بالتنسيق بين الفنانين في برنامج “عائلة مرزوق”، والذي يعتبر أقدم مسلسل إذاعي بمصر. حدثينا عن مشواركِ معه؟
لما قمت بالإشراف على “عائلة مرزوق”؛ اعتمدت على كفاءة الممثلين وبراعتهم في التمثيل الإذاعي، ونظرًا لمقابلتهم المستمرة أما الميكرفون؛ نشأت بيننا ألفة وصداقة، وأصبحتُ وكأنني من هذه العائلة المحترمة. كان يقوم بالأدوار، الممثلون: “فرج النحاس، عزيزة حلمي، فؤاد المهندس، عايدة كامل، نادية رفيق، محمود عزمي، أمال زايد، جمالات زايد”؛ وغيرهم من كبار الممثلين في المسرح والسينما.
ماذا عن برنامجكِ الشهير “مشوار حياتي” ومَنِ الشخصيات التي تمت استضافتها به؟
يتتبع مسيرة حياة النجم، حيث يقص علينا كل شيء عن حياته منذ ولد وأقام ودرس وعمل. من ضيوفه: يحيى حقي، نجيب محفوظ، د. مصطفى محمود، المخرج نيازي مصطفى، الفنان يحيى شاهين، د. يوسف إدريس.
ثمة برامج أخرى قمتِ بتقديمها؟
قدمتُ “عمل قدمني للجمهور”، و”الميكرفون مع”، و”الكراسي الموسيقية”. وكان من ضيوفي في سهرات المنوعات: نزار قباني وفيروز والأخوين رحباني ونجاة الصغيرة وسعاد حسني وكمال الطويل وبليغ حمدي والكاتب أحمد بهاء الدين والكاتب الساخر أحمد بهجت وشادية وفاتن حمامة وعبد الحليم حافظ.
سر غضبكِ من عبد الحليم حافظ؟
كنا قد حددنا موعدًا معه من أجل التسجيل في برنامج به ضيف آخر، على أن أصحب الضيف إلى منزله؛ ذهبت أنا والضيف؛ كان نائمًا ولا أحد يجرؤ على إيقاظه، فغضبت وشعرت بحرج ناحية الضيف الذي كان طبيبًا مشهورًا وغضب هو الآخر، تركت له رسالة تعبر عن خيبة أملي وإحراجي أمام الضيف. عندما عدت إلى مكتبي بالإذاعة جاءني منه اتصال، يعتذر؛ لأنه يتناول أدوية وحقنا تجعله ينام دون سابق إنذار، وعرض عليَّ أن يأتي إلى مكتبي لو وافق الضيف للتسجيل.
مؤخرًا؛ كتب الروائي محمد جبريل صفحة كاملة عن تاريخكِ وتجربتكِ ودوركِ المهم والبارز في اكتشاف المواهب من خلال برنامجكِ “مع الأدباء الشبان” بمقاله بجريدة القاهرة. ما شعوركِ تجاه ذلك؟
شعرت أنه تكريم لمسيرتي التي كنت أعتقد أنها قد تبخرت في هواء الأثير الإذاعي، لكنني وجدت أن الإخلاص والعمل الجاد والأمانة الإعلامية لا تضيع مهما طال الوقت، فقد توقف “مع الأدباء الشبان” من سنوات، وأنا تركت العمل منذ فترة طويلة. إلا أنني أجد أصدقائي الذين قدمتهم في البرنامج وهم الآن نجوم الحياة الثقافية بمصر على صلة وود معي، وهذا يظهر بوضوح على صفحات التواصل الاجتماعي. الأستاذ محمد جبريل؛ كان أحد النقاد الذين كنا نلجأ إليهم لتقييم وتحليل الإبداعات، فقد كنت حريصة على أن أفتح بابًا للنقد الموضوعي الهادف أمام الشباب.










