حسن غريب أحمد
لم يعد السؤال في الأدب المعاصر: «إلى أي جنس أدبي ينتمي هذا العمل؟»، بل أصبح: «هل استطاع النص أن يخلق عالمه الخاص؟». فالكثير من الأعمال الإبداعية الحديثة لم تعد تعترف بالحدود الصارمة التي وضعها النقاد بين الرواية والقصة واليوميات والسيرة الذاتية والشذرات، وإنما راحت تبحث عن شكل جديد يواكب تعقيد التجربة الإنسانية نفسها.
ومن هذا المنطلق يأتي كتاب «أيام الغضب والحب» للروائية المصرية نهى محمود، ليؤكد أن الكتابة الحقيقية لا تستأذن القوالب، وإنما تصنع قالبها الخاص. فاختيار المؤلفة لكلمة «نصوص» على غلاف الكتاب ليس مجرد توصيف شكلي، بل إعلان جمالي بأن العمل يرفض الانغلاق داخل تصنيف واحد، ويفضل أن يتحرك بحرية بين السرد والتأمل والبوح واليوميات.
إن هذه الكتابة البينية ليست نزوة فنية، بل هي انعكاس لتحولات الأدب العربي والعالمي في العقود الأخيرة، حيث لم تعد الحدود بين الأجناس الأدبية صلبة كما كانت، وأصبح النص هو المعيار الأول، لا اللافتة التي تُعلَّق عليه. فالكاتب اليوم يكتب التجربة قبل أن يكتب النوع، ويبحث عن اللغة القادرة على احتواء تعقيدات الذات والواقع، لا عن القالب الذي يفرض على التجربة قيوده.
ويبدو أن عنوان الكتاب نفسه يحمل هذه الثنائية المركبة؛ فـ«الغضب» و«الحب» ليسا شعورين متقابلين بقدر ما هما وجهان للحياة الإنسانية. فكل حب عميق يحمل داخله خوفًا من الفقد، وكل غضب صادق يخفي رغبة في العدالة أو الخلاص. ومن هنا تتحول النصوص إلى رحلة داخل النفس، تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، واليومي مع الوجودي، والخاص مع الإنساني العام.
ولعل القيمة الأهم لمثل هذه الأعمال أنها تعيد الاعتبار لفكرة الحرية في الكتابة. فالكاتب ليس موظفًا لدى جنس أدبي بعينه، بل هو صانع لغة ورؤية. وإذا كانت الرواية قد استعارت من الشعر، واستعارت القصة من السينما، واستعارت السيرة من الفلسفة، فإن النص المفتوح يبدو اليوم أكثر الأشكال قدرة على استيعاب هذا التداخل الخلّاق.
إن الأدب لا يتطور إلا عندما يغامر كتّابه بكسر الحدود الموروثة، شرط ألا يكون ذلك على حساب الجودة الفنية. فليس كل خروج على القواعد إبداعًا، كما أن الالتزام بالقوالب لا يضمن القيمة الأدبية. وحدها الكتابة الصادقة، القادرة على خلق أثر جمالي وفكري، هي التي تمنح النص شرعيته.
وفي النهاية، فإن صدور كتاب مثل «أيام الغضب والحب» يفتح بابًا مهمًا للنقاش حول مستقبل الكتابة العربية، وحول قدرة النص المفتوح على التعبير عن الإنسان المعاصر، الذي لم تعد حياته نفسها قابلة للتقسيم إلى فصول واضحة أو مشاعر منفصلة. وربما يكون هذا هو الدرس الأجمل الذي يقدمه هذا العمل: أن الأدب، مثل الحياة، أكبر دائمًا من أي تصنيف.











