حاوره: إيميليانو تونييتي
ترجمة: نزار آغري
تُرجمت إلى اللغة الإيطالية رواية «نساء السل» للشاعر والروائي الكردي السوري ريبر يوسف، وصدرت الترجمة عن دار Emuse في مدينة ليكو الإيطالية. وقد أُدرجت الرواية ضمن البرنامج الرسمي لمعرض تورينو الدولي للكتاب، ودُعي الروائي ريبر يوسف ضمن ضيوف المعرض للحديث عن روايته، فناقش الترجمة الإيطالية مع الجمهور برفقة مترجمه فيديريكو بوزولي. أجرى الصحافي الإيطالي إيميليانو تونييتي مقابلة مع ريبر يوسف لموقع SEVENGIFTS، يتحدث فيها عن الرواية بوصفها صورة مكثفة لواقع المحرومين من حق الحياة. فيما يلي نص المقابلة:
يمضي السؤال نحو العلاقة بين الجغرافيا والذاكرة والهوية. في روايتك، تظهر الأماكن وكأنها شخصيات حية وحقيقية.
في رواية «نساء السل»، تتشارك الأماكن والبشر المصائر ذاتها والمعاناة نفسها. عاشت هذه المناطق الكثير من الويلات بعد اتفاقية سايكس ـ بيكو وقيام الدولتين الحديثتين السورية والتركية. ظهرت حدود جديدة ومدن جديدة وأماكن جديدة.
العديد ممن كُتب لهم العيش في الجزء السوري من البلاد بعد اتفاقية سايكس ـ بيكو يقطنون على طول الحدود، وهم ينظرون كل مساء من بعيد إلى قراهم التي فصلتها تلك الاتفاقية، والتي صارت الآن تحت سيطرة تركيا. تشبه هذه الأماكن البشر، بل هي، في بعض الأحيان، كائنات بشرية بحد ذاتها، وهي تتغير باستمرار؛ تارةً تُفرغ من سكانها، وتارةً أخرى تستقبل وافدين جدداً، تماماً كشخصيات الرواية. لقد جرى فرض ثقافات جديدة على أهل المنطقة، وفي الوقت نفسه حُرموا من ثقافتهم الأصلية.
مثيرة هي الطريقة التي يمضي بها الزمن في الرواية؛ إذ يبدو متقطعاً ومبعثراً، ويُعاد بناؤه باستمرار.
لا تتبع الرواية مساراً زمنياً خطياً يبدأ من نقطة محددة وينتهي عند نقطة محددة. يقوم البناء السردي – وأنا لا أسميه لعبة، بل أسلوباً – على مشاركة القارئ في اكتشاف مصائر الشخصيات. فمثلاً، يُعد الجزء الأول من الرواية بمثابة مقدمة للفصول اللاحقة. النهاية لا تقع في نهاية الكتاب، بل هي موجودة في البداية، في الفصل المكرس لمتحف روكسانا، أثناء زيارة متحف بيرغامون في برلين. يصل القارئ إلى نهاية الرواية دون أن يدرك أنها الخاتمة بالفعل، فيُكمل القراءة ليعود إلى نقطة البداية.
أنت تكتب باللغتين الكردية والعربية. هل يختلف ما تكتبه بالكردية عما تكتبه بالعربية، أم أنهما طريقتان مختلفتان لمتابعة المشروع السردي نفسه؟
ألّفتُ كتاباً واحداً فقط بالكردية عام 2009، قبل أشهر قليلة من لجوئي إلى ألمانيا. وهو نص يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمناخ الشعر الكردي، ولم يكن له أي صلة بما كتبته لاحقاً بالعربية.
في ظني أن لكل لغة خصوصيتها، وكل كاتب يشتغل ضمن الإطار الثقافي لتلك اللغة. لقد لعبت السياسة دوراً محورياً في هذا السياق. مُنعت اللغة الكردية في معظم أنحاء كردستان المقسمة بين سوريا وتركيا وإيران والعراق، وتعرضت الثقافة الكردية لحصار شديد. وفي كثير من الحالات مُنع الأكراد من مجرد قراءة الكتب بلغتهم الأم، ولهذا السبب حافظ الشعر الكردي على شكله الكلاسيكي، إن جاز لنا التعبير.
شهد الشعر العربي تطوراً أكبر بكثير، لأنه كان منفتحاً على التجارب الثقافية والأدبية الأخرى. وكان في وسع الكتّاب العرب خوض غمار الكتابة والتجريب بلغتهم من دون أي قيد. أما اللغة الكردية فقد ظلت، إلى حد كبير، ترفرف برمزية عالية، فتناولت القضايا من خلال الاستعارات والرموز، بدلاً من الغوص في المشكلات مباشرة.
مشروعي باللغة الكردية يختلف تماماً عن مشروعي باللغة العربية. وإن قُيض لي أن أكتب ديوان شعر أو رواية أخرى باللغة الكردية في المستقبل، فسيكون عملاً مختلفاً تماماً عما أكتبه باللغة العربية؛ إذ سيكون متجذراً بعمق في الثقافة والتقاليد الكردية.
أود الحديث عن الثقافة الكردية بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة. لقد عملتَ في مجال الثقافة الكردية قبل أن تترك كردستان. ما هي علاقتك بالثقافة باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة؟
ما برحت الثقافة الكردية محظورة. ففي فترات معينة، كان مجرد امتلاك كتاب باللغة الكردية كافياً لأن يُزج بصاحبه في السجن. صديق لي قرأ قصيدة باللغة الكردية خلال عيد النوروز، فسُجن لسنوات عديدة. سُجن لأنه أراد قراءة قصيدة بلغته الأم.
هل بوسعك أن تتخيل، في أوروبا، أن يُعتقل شخص من قبل دولته لمجرد كتابة أو قراءة قصيدة بلغته؟ كان هذا هو الحال بالنسبة إلى الأكراد.
سعيتُ، مع العديد من الأصدقاء، إلى تنظيم أنشطة ثقافية سرية: قراءات شعرية، وندوات حول الكتب، ومشاهدة أفلام سينمائية كردية، والاستماع إلى أغانٍ كردية. كان كل شيء يجري في الخفاء. كنا نذهب إلى أحدهم ونقول: غداً، أو بعد أيام، اللقاء في المنزل الفلاني في الوقت الفلاني. وكنا نختلق ذريعة أننا نقوم بزيارات خاصة بسيطة. ندخل الغرف ونجلس جميعاً على الأرض، والمتحدث نفسه يجلس ويبدأ في إلقاء محاضرته أو قراءته، فيما يبقى آخرون في الخارج لمراقبة الشارع تحسباً لوصول الشرطة.
كان هذا شكل مقاومتنا؛ مقاومة ثقافية ضد العنف والقمع والسجن والطغيان.
ليس ثمة ما هو أكثر سلماً وهدوءاً من الثقافة. كانت الثقافة الشكل الحقيقي الوحيد للمقاومة السلمية التي مارسناها في سوريا، بعيداً عن أي شكل من أشكال العنف والسلاح. كنا نؤمن بأن الاستماع إلى قصيدة باللغة الكردية أو محاضرة عن فيلم كردي هو شكل من أشكال المقاومة.
يرحل الطغاة، لكن الشعب الكردي باقٍ، وسيواصل نيل حقوقه. وها نحن نكتب الروايات وتُترجم، بما في ذلك إلى الإيطالية. هذا ثمرة تلك المقاومة، مقاومة تشبه الزهرة التي تتفتح.
انتصار صغير.
نعم، انتصار صغير.
في الرواية، وفي الواقع أيضاً، يبدو دور المرأة في الحفاظ على الذاكرة الجماعية بالغ الأهمية.
في رواية «نساء السل»، تلعب النساء دوراً محورياً في الحفاظ على ذاكرة الشعب الكردي الإيزيدي. كنّ حارسات الأغاني التراثية، ينقلنها إلى أبنائهن. ولولا النساء، لضاع الكثير من هذه الأغاني.
كان الرجال منشغلين بالعمل وأمور أخرى، كما هو الحال غالباً في مجتمعات الشرق الأوسط، بينما كانت النساء القوة الدافعة الحقيقية لنقل الثقافة إلى أبنائهن، ولا سيما من خلال الأغاني.
لقد حُظرت اللغة الكردية لسنوات طويلة في معظم أنحاء كردستان، كما قلت. وفرضت الدول التي سيطرت على كردستان، من الأمويين إلى العباسيين إلى العثمانيين، لغات أخرى على الأكراد باستمرار.
وخلال الحكم العربي فُرضت اللغة العربية، ولاحقاً، في ظل الحكم العثماني، فُرضت اللغة التركية. وأُجبر الأكراد على تعلم لغات مختلفة غير لغتهم الأم، الأمر الذي جعلهم ينفصلون عنها تدريجياً. ومع ذلك، بقي جزء كبير من التراث الثقافي الكردي محفوظاً في الأغاني الشعبية.
بالنسبة إلى الأكراد، كانت الأغاني بمثابة كتب. فالطغاة لم يسمحوا لهم بالطباعة أو الكتابة، فصارت الأغاني بمثابة كتبهم. وعندما كنت أحتاج إلى مصادر ثقافية كردية، كنت أستمع إلى كميات هائلة من الأغاني التقليدية لأجد ما أبحث عنه.
يستطيع الكاتب الأوروبي الذهاب إلى المكتبة واختيار كتاب والجلوس بهدوء للكتابة، أما بالنسبة إلينا، فكانت الأغاني هي كتبنا.
لقد لعبت النساء، أكثر من الرجال، دوراً أساسياً في الحفاظ على هذا التراث حياً من خلال الأغاني.
أنا لا أعادي الأديان، وأحترم جميع المعتقدات، ولكن في التراث الإسلامي يُقال غالباً إن أصوات النساء يجب ألا تُسمع. أما النساء الكرديات فقد كنّ يؤلفن الأغاني ويغنينها علناً، وهذا يُظهر مدى اختلافهن عن النموذج السائد.
أنت تعيش الآن في أوروبا. هل تعتقد أن الكتابة والثقافة يمكن أن تكونا جسراً يربط بين التجربة الحقيقية للشعب الكردي وبين أولئك الذين لا يعرفون القضية الكردية إلا من بعيد؟
تكمن مشكلة الشعوب الأوروبية، والكثير من شعوب العالم، في أنها تتلقى المعلومات بشكل أساسي عبر وسائل الإعلام الرسمية، غير أن هذه الوسائل لا تكشف حقيقة الناس وآلامهم ومآسيهم الإنسانية. وهنا ينهض دور الرواية والسينما والشعر؛ فهي تُسهم في سرد واقع هذه الشعوب.
أنا شخصياً لا ألوذ بشيء سوى الكتابة. فالكتابة هي الجسر الذي أستطيع من خلاله لفت انتباه الأوروبيين إلى معاناة شعوب الشرق الأوسط: الإيزيديين والسريان والأرمن، وجميع الأقليات المضطهدة الأخرى في المنطقة.
الكتابة هي السلاح الوحيد الذي أجيد استخدامه. سلاح سلمي؛ الوردة لا البندقية.
هل يمكنك تحية الجمهور باللغة الكردية؟
روج باش.
يوم سعيد، تحياتي للجميع.









