النجاة

حسن عبد الموجود

حسن عبد الموجود

عن قصة “مدينة النحاس” – ألف ليلة وليلة

نام الخليفة عبد الملك بن مروان جالساً على عرشه، فانفتح فمُه وبانتْ أسنانُه المُشبَّكة بالذهب. ولما كان قد نسي أن يعتمر تاجه، مرح الذباب على صلعته، ثم انحرف إلى فمه الشبيه بمغارة. حلم بأن حارسه يوقظه. يخبره بأنَّ موسى بن نصير يستأذن في المثول بحضرته. سُرَّ سروراً عظيماً، لكنه انتبه إلى يدٍ تهزه برفق. انتفض. وجد الحاجب يقف فوق رأسه بوجهٍ ضاحكٍ مُستبشرٍ. فهم أنه كان يمر بنصف حلم ونصف حقيقة، ورغم أن الحاجب تجاوز حدود اللياقة ولمسه، إلا أنه صفح عنه، فقد بشَّره، وما نسي التقاليد إلا لأنه فرح لفرحِ مولاه، وتحقُّق ما يتمناه.

التقط التاج. وارى به صلعته. مسح اللعاب السائل على لحيته. سعلَ ليطرد ذبابة من حلقه، ونفض عن رأسه لقبه القديم “أبو الذبَّان” الذي التصق به كأنه الجلد من جسمه. لم يجعل لنفسه خادماً يهش الذباب عن وجهه، فقد اقتنع بأن الذباب لعنته، ولو خصص دزينة من الخدم لما انفضَّ عنه. أخرجه وقع أقدام موسى بن نصير عن تفكيره. أبدى موسى آي الرهبة والخضوع، لكنَّه أشار إليه بسرعة ليعتدل من ركوعه، وكان نظرُه معلقاً بلفافة من الكتَّان في يده.

قال الخليفة وهو ينظر إلى موسى:

-أكاد لا أخفي طربي منذ تلقيت كتابك بأنك في الطريق إلينا مكللاً بنجاح المهمة. إن الأميرات والأمراء والحجَّاب كانوا كلما رأوني مسروراً لا يكفون عن سؤالي: هل أتاك نبأ مقتل أحد المارقين، أم تخطط لإخماد ثورة من ثورات الطامعين؟ لكني لم أبح لأحد بالسرِّ ولا حتى لأبنائي، وأتشوق لسماع ما عانيته من أهوال لا تليق إلا بالقواد الشجعان.

فقال موسى بلهجة فيها الفخر وفيها الأسى:

-منذ أن أبلغني رسول مولاي طالب بن سهيل بالتكليف لم أتردد في السير بصحبة كتيبة من خاصة رجالي إلى مدينة النحاس، وقد رأينا ما تنوء القلوب بحمله، وشاهدنا جماجم وعظام مئات ممن سبقونا في النبش عن القماقم. حاولت تحذير طالب بن سهيل لكنه لم يستمع إلى نصحي فكانت الرحلة وبالاً على روحه، وما طارت رقبته إلا لأن نفسه امتلأت بالجشع، ونسي المهمة وفكر في العودة بتذكار للملكة ترمزين.

ولما طال تحديق عبد الملك بن مروان في لفافة الكتَّان مد موسى يده بها وقال:

-فلتأذن لي يا خليفة المسلمين، عليك بتوخي الحذر، إنك إن فتحت القمقم ما تدري أي ملعونٍ يمثلُ بين يديك، وأي مكروه قد يحيق بك وبنا، فما حبس النبي سليمان عليه السلام إلا أعتى الجن المارقين، وأكثرهم لؤماً وشراً.

فسأل عبد الملك بن مروان:

-وهل تحدثت إليه؟

فقال موسى بن نصير:

-حاول إغرائي بالسلطان، والانقلاب على مولاي خليفة المسلمين. حكى لي قصة مدينة النحاس، وما كان من أمر الملكة ترمزين وبنتيها، وانقلابه عليهن وإماتتهن وقومهن كأنما حلت قيامتهم جميعاً. سرتُ بينهم ورأيتهم صرعى كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية. أمرتُه بأن يصمت ويصدع لمشيئتي حتى يمثل بين يديك لتنظر في أمره وتقرر مصيره، وإني لا أشك يا مولاي في أنك ستعيده إلى مكانه في قاع بحيرة مدينة النحاس. 

أخرج عبد الملك بن مروان القمقم من لفافة الكتَّان وقربه من فمه. قال:

-أنا خليفة المسلمين عبد الملك بن مروان، آذن لك بالحديث أيها الجني..

فخرج صوت الجني من القمقم كأنه صادر من أعماق كهف سحيق:

-اسمي آذر، ومعناه النار، من جبال فارس، أنا طوع بنانك يا مولاي خليفة المسلمين، إن أمرت جعلت الممالك تركع لك، والقوة المطلقة بين يديك، لكن عدني وعد الملوك أن تحررني من القمقم.

قال موسى بن نصير غاضباً قبل أن ينطق عبد الملك بن مروان:

-خسئت أيها الجني إن هو إلا كلام تعيده وتزيده كلما حدثك أحد من وراء القمقم، إن أطلقناك أشعلت فينا نار الفتنة وحوَّلتَنا إلى قوم تأكلهم البغضاء، ويحرقهم الحسد، وتدنِّسهم المؤامرات، وتحولهم إلى ملعونين، حتى تجد الفرصة سانحة لمحقهم عن آخرهم.

فقال عبد الملك بن مروان موجِّهاً حديثه إلى الجني وهو يشير لموسى بالصمت إشارة لينة:

-إن جعلتني ملكاً على الأرض رفعت المظالم وأرسيت العدل، وجعلت الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأبيض على أسود، ولا عالم على جاهل، ولا والٍ على مولى ولا إنسان على حيوان، أوفِّر الترياق للمرضى، فلا يموت إنسان بداء عضال، ولا يتعذب شيخٌ أو امرأة عجوز بعمره وعمرها.

قال الجني بصوت فيه رنة سخرية:

-كل الملوك فلاسفة بنصف سلطان. السلطان الكامل سحرٌ لا يُؤتي مفعوله إلا حين تشربه. يسدُّ مسامك ويغلق حواسك، فلا تسمع إلا ما تريد سماعه، ولا ترى إلا ما تتوق له نفسك، ولا تتلهف إلا لمزيد من القوة وإن كانت بالشدة والبطش لا بالحكمة أو الكلام. السلطان يحولك إلى مستبدٍ باسم العدل. تقتل باسم الرحمة، وترحم لتصبح في نظر نفسك إلهاً، تجلس على العرش فلا ترى الناس إلا أشباهاً، لا كأسنان المشط ولكن كالنمل يأتمرون بأمرك، ويسبِّحون بحمدك، إن خرجوا عن مشيئتك تخرجهم من رحمتك.

قال عبد الملك بن مروان بسخرية أكبر:

-هل أستمعُ إلى نصيحة جني مارق؟!

قال الجني بصوت فيه نبرة الشجاعة:

-لا أنصحك إلا لأني أعرف ما يحيق بي على يد الملك المستبد، إنك إن حصلت على السلطان الكامل فلن تخرجني من القمقم، لتجعلني اليد التي تبطش بها إلى نهاية الزمان.

سأله عبد الملك بن مروان:

-وهل تطَّلعُ على الغيب وتقبسُ منه الأسرار؟

قال الجني:

-لا أعرف شيئاً عن الغيب، حتى أني لا أدري ما سينطق به لسانك رداً على كلماتي. ولا أدري متى تحين لحظة أجلك ومن يخلفك؟

قال موسى بن نصير:

-لا يعرف الغيب لكنه قادر على أن ينقلنا للماضي ويُطلعنا على ما كان يدور في مدينة النحاس.

قال عبد الملك بن مروان:

-كل شيء بدأ بهزرٍ في سهرة سمر، سمعت فيها بما كان من أمر مدينة النحاس، فأمرت الوزير طالب بن سهيل أن يذهب إلى الأمير موسى بن نصير ليحضر القمقم، وإني ماضٍ في مغامرتي حتى النهاية، فأنا أعاني من الضجر، فلتأخذنا في رحلة إلى ماضي مدينة النحاس أرى بأمِّ عيني وأستخلص الحكمة عن قناعة الرؤية لا الاستنباط.

قال الجني:

-سأصحبك إليها، وأعرف أنك ملك لن تعود في كلامك.

فقال الخليفة ضاحكاً:

– إذن أنت لا تعرف الملوك!

وهنا اقتحم المجلس ولي العهد الوليد بن عبد الملك ونقَّل نظره بين الجميع وسأل بدهشة وهو يطالع القمقم في يد أبيه:

-ما هذا يا خليفة المسلمين؟!

فشعر الخليفة بالغضب، لأنه كان قد أمر الحراس، بمنع أيٍّ كان عن الدخول، حين يحضر موسى بن نصير، حتى حاجبه الأكبر، وقال بعدم ارتياح:

– هدية من أمير المغرب.

ثم أشار إليه أن يخرج، فأحنى الوليد رأسه بارتياب وانسحب إلى الخارج.

***

في لمح البصر كان الخليفة يحمل الجني في القمقم ويسير مع موسى بن نصير في مدينة النحاس. لم يستطع الخليفة أن يداري دهشته، بينما تطلَّع موسى بن نصير إلى شوارع المدينة التي تزدحم بالبائعين والمشترين والمارة، وقال:

-كانوا أمواتاً حين حضرت، أفلا يروننا غرباء ويمسكون بنا؟!

قال الجني:

-إنك والخليفة مخفيَّان فلن يراكما أحد أياً كان.

أشار موسى إلى قصر هائل في منتصف المدينة، سطحه مزيَّن بالقباب الذهبية، وجدرانه تمتلئ بالنوافذ الضخمة، المعشَّقة بالزجاج الملون، قال إنه قصر الملكة ترمزين، فأسرعا نحوه، اجتازا مدخله الواسع، دون أن يراهما العسكر المدججون بكل صنوف السلاح. وصلا إلى بهو القصر. وجدا الملكة ترمزين تجلس على الكرسي، عن يمينها ابنتها ميرا، وعن يسارها ابنتها الجوزاء، وكانت ترمزين وابنتاها آياتٍ في الجمال، بدا ثلاثتهن كحبَّات اللؤلؤ المنثور. شاهدا ترمزين تضع قمقماً في حجرها وتقبض عليه بيديها كأنها تخشى عليه من ابنتيها.

قالت ميرا:

-ألا تُطلعينا على سرِّ القمقم؟!

قالت ترمزين بهدوء:

-أضمن به خضوع مملكتي، وقريباً أُخضع به الممالك المجاورة.

قالت الجوزاء ضاحكة:

-ومتى يأتي العشيق المصون؟!

قالت ترمزين مبتسمة:

-يظهر في الحال.

في تلك اللحظة دخل كبير الحجَّاب، استأذن في دخول شاب اختارته الملكة ترمزين ليقضي معها المساء، وكان من عادتها كلما طلبتْ عاشقاً أن تقدمه إلى ابنتيها. دخل الشاب فأضاءت وسامته المكان. شعرت الملكة ترمزين بالسعادة وهي ترى انبهار الفتاتين بملامحه، لكنها انتبهت إلى نظرته لميرا، وانتبهت إلى أن ميرا تشبَّثت بنظرته وبدت كأنما تترجَّاه ألا يرفع عينيه أو تتوعده إن فعل. خاطبته الملكة ترمزين بخيلاء وغضب:

-نسيت أن تسجد لي.

انتفض الشاب على صوتها فسجد في الحال، وقاوم النظر إلى وجه ميرا.

اختفى الجميع فجأة من أمام عبد الملك بن مروان وموسى بن نصير، ثم ظهرت الملكة ترمزين بملابس جديدة تخاطب ميرا بعنف:

-إن لم تبتعدي عنه خلعت عينيه وألقيتهما في صندوق العيون.

نظر عبد الملك وموسى حيث تشير فرأيا صندوقاً كبيراً مليئاً عن آخره بالعيون ذات الذيول الهلامية القبيحة تسبح في مادة صفراء فشعرا بالتقزز.

ثم ظهرت ترمزين وميرا تتعاتبان، وكل منهما تصرخ أنها حبيبة الشاب، ثم ظهرت ترمزين في غرفتها بصحبة الشاب، أقبل عليها متلهفاً يشم رائحتها القادرة على سحر رجال الأرض جميعاً، تركته ترمزين يتمدد فوقها ويتشممها ثم قرَّبت فمها من أذنه وسألته:

-تقابل الأميرة من ورائي وأنت تعرف أنني أبصر من خلال الأبواب المغلقة. تخون سيدتك وملكتك وإلهتك، ثم تأتي لتطفئ بقايا رغبةٍ فيها.

انتفض. حاول أن يبتعد لكنها مدت أظافرها الطويلة، رددت كلمات لم يفهمها، اقتلعت عينيه، أطلق صرخات الهلع، حاول أن يوقف شلال الدم من عينيه فرفع يديه وسد مغارتيهما. سارت ترمزين إلى الصندوق خارج المخدع وألقت عينيه مع بقية العيون. حملت القمقم إلى فمها وقالت بينما عيناها تتوهجان بالشر والغل والغضب:

-أريدك أن تحول ميرا إلى فتاة دميمة.

قال الجني بدهشة:

-لكنها ابنتك؟!

قالت ترمزين بغضب:

-إنها خائنة، وكما سرقت رجلي قد تسرق عرشي. لا تجادلني أيها الخادم.

قال الجني بشيء من الضيق:

-أنا سندك يا مولاتي ولا أحد يقدر على تجريدك من سلطانك طالما أنني معك.

قالت ترمزين وكأنها لم تسمعه:

-أريد أن تصبح الجوزاء أيضاً نسخة دميمة مثلها، فإن رآهما أحد فلا يفرِّق بينهما. أريد أن أبدو كاللؤلوة بين فضلتي كلبٍ أجرب.

اتسعت عينا عبد الملك في دهشة. التفت إلى موسى بن نصير يستقرأ رد فعله فوجده على حالٍ من الجمود وتذكر أنه قد يكون ألمَّ بطرفٍ من تلك الحكاية العجيبة.

وفي اللحظة التالية دوت الصرخات من غرفتي ميرا والجوزاء.

ثم ظهرت ميرا والجوزاء تتحدثان. قالت ميرا:

-يجب أن ننزع منها السلطان.

وردت عليها الجوزاء:

– إن استطعنا أن نسرق قمقمها نقلب عليها الجني ونُعِد وجوهنا إلى أول حال.

ثم ظهرت ميرا والجوزاء تتسللان إلى مخدع أمهما، وتتلفتان حولهما. كانتا متأكدتين أنها تغطُّ في نومها الثقيل. دخلتا ولدهشتهما كان الفراش شاغراً، وبينما تتسحَّبان إلى الخلف فوجئتا بترمزين تخرج لهما من ركن خفي فشهقتا وانتفضتا بخوف واضح. قالت ترمزين بشراسة:

-تخططان للانقلاب عليَّ وسرقة الجني مني.

تغلبت ميرا على خوفها. قالت بغضب:

-تُسلِّين نفسك بتجريد الناس من عيونهم إن لم يُبدوا الانبهار بجمالك الفتَّان، تقتلين كل يوم عاشقاً جديداً، كأنك أنثى عنكبوت. ظننا أن بشاعتك لن تطالنا فنحن فلذتا كبدك. أشعلتِ فينا روح البغضاء، جعلتِنا نخطط للانتقام منك، فهل هناك هاوية أكبر من هاويتنا؟ أن تشوِّهي ملامحنا وأن نخطط للخلاص من أمِّنا؟!

وقالت الجوزاء بغضب:

-لا يجتمع الجمال والسلطان لامرأة إلا وتتحول إلى شيطان.

عادت ميرا لتقول بغلظة:

-إنك عادلة في الشر فقط، بحيث أنك شوهتنا في نفس اللحظة.

وقالت الجوزاء وهي تنقض عليها:

-غداً يفيق العامة حينما تنقشع عن أجسادهم غمامة الخوف ورهبة البطش.

دفعتها ترمزين بقوة تستمدها من حرارة القمقم فطارت في الهواء، واخترقتها سكاكين مشهرة، مقابضها مغروسة في الحائط، فجحظت عيناها وماتت في الحال.

صرخت ميرا. انقضت عليها بدورها، لكن ترمزين أطبقت بيديها على رقبتها وحجبت عنها الهواء حتى جحظت عيناها بدورها وغادرتها الحياة بلا رجعة.

نطق الجني من القمقم بدون استئذان:

-أنهيت على ذريتك ولن تتوقفي إلا بإبادة كل مملكتك.

قالت ترمزين بغضب:

-ما لك تحاسبني؟! إن أنت إلا خادمي، لن أخرجك من القمقم يا ملعون.

وكان الخليفة يفكر في الاضطراب الذي اجتاحه حين اقتحم ابنه الوليد مجلسه، تساءل إن كان الغضب مردَّه أن ابنه صار قريباً من اكتشاف سر الجني وسلطانه الكبير المنتظر، كان يظن أن الأب يفضِّل ابنه على نفسه، فهل اختلفت الآية وصار الأب يخشى من ابنه؟ لقد خاض حرباً ليمكِّن الوليد من الحكم، حتى أنه أغضب أخاه عبد العزيز قبل موته فلماذا شعر بالقلق؟

أخرجه من تفكيره هزة يد موسى بن نصير فانتبه. كان موسى يشير إلى ترمزين وهي تخطو في الشارع، اندهش الخليفة لأنه لم ينتبه إلا في هذه اللحظة أنهم أصبحوا خارج القصر. كانت ترمزين تشير إلى أي شاب فيسقط ميتاً في الحال، وأي فتاة فتصبح أكثر دمامة مما كانت عليه ميرا والجوزاء، وحين تقابل رجلاً طاعناً في السن أو امرأة عجوزاً تستل سيفها وتبتر عنقه وعنقها، وتقول:

-بماذا ينفعنا العجائز؟

فيرد الجني وقد أدرك من صوت المياه أنهما يسيران على شاطئ البحيرة:

-قوم بلا عجائز هم جسد مقطوع الرأس، وبلد بدون شيوخ مقضي عليه بالعزلة. من لا ماضي لهم كالنباتات الضعيفة بلا جذور تسقط في أول مواجهة مع الريح أو الفيضان.

ثم سألها بدهشة:

– إن واصلتِ قتل شعبك فمن تحكمين؟!

فتضحك ترمزين وتقول:

-أستبدل بهم قوماً آخرين!

سألها الجني بنفس دهشته:

-وإن قتلت الآخرين، ثم التالين، فالتالين فمن تحكمين؟

فقالت وهي تضحك بلا سبب:

-أختار رجلاً وأسميه آدم وأطرده من الجنة إن أخطأ.

فقال الجني بدهشة:

-ستظلين حواء مهما كان طغيانك.

فقالت ترمزين:

-دع الكلام وآمرك بأن تميت جميع قومي إلا رجلاً أحدده لك.

فقال الجني:

أنا آمر بأن تصيبك اللعنة وقومك أجمعين، فقد عاشوا خانعين. لم يجربوا الثورة، مع أنهم محكوم عليهم بالموت في كل يوم، ينتظرون كأنهم الفئران في الجحور، كل بيت فيه رجل مفقود، أو مهان، كل بيت فيه أم ثكلى، وأب مفجوع، أو عجائز مقتولون، كل بيت فيه فتاة دميمة كالأرض الجدباء، كل بيت فيه محتاج ومحروم رغم أنك تمتلكين مال قارون.

قالت وقد انتبهت إلى لهجة الوعيد:

-إن أمتني تظل في القمقم حتى تقع في يد جبَّار جديد.

فقال الجني بلا اكتراث:

-أول ما يفكر فيه الإنسان حتى لو كان شخصاً عادياً حينما يمسك بالقمقم هو السلطان، سأجردك من القوة بالموت، لتدركي أنك مخلوق فان.  

هنا طوحت ترمزين بالقمقم باتجاه البحيرة. أدركت أن اللعنة قادمة وأن الخلاص لا يكون إلا بإعادته إلى الماء، وكانت لعنته قد اكتملت قبل أن يلامس القمقم سطح البحيرة، فتحولت ترمزين وسائر قومها إلى تماثيل، تبدو لمن يتأملها كأنها تنطق بالحياة، باعة ونساء يفاصلون في السعر، ومارة في طريقهم إلى البيوت، وأطفال يمرحون غير منتبهين لما يدور حولهم.

هنا قال موسى بن نصير:

-ألقينا شبكتنا ها هنا وسحبها الرجال بالقمقم.

لمح دمعة في عين عبد الملك بن مروان، فلم يتحدث حتى قال الخليفة موجهاً كلامه للجني:

-أعدنا إلى المدينة وأجلسني فوق العرش في الحال.

فقال الجني:

-أمرك مجاب يا مولاي.

أمر الخليفة بإحضار أبنائه جميعاً، قرَّب منه الوليد، أمسك بالقمقم، نزع سدادته، فخرج منه خيط دخان، وندَّت عن الجميع همهمة قلق، لكنهم تشجَّعوا بشجاعة الخليفة. تكثف الدخان على هيئة جني أحنى جسده للخليفة قائلاً:

-أنا رهن إشارة مولاي.

فقال الخليفة وهو يهز رأسه:

– اذهب إلى بلادك فارس في الحال.

أحنى الجني جسده مرة أخرى ثم طار في الهواء كخيط دخان. سرعان ما خرج من إحدى النوافذ الضخمة.

قال الخليفة بأسىً وهو ينظر إلى الوليد:

– أوصيك بأن تكون حازماً وشجاعاً، لا تجلد نفسك بالقسوة ولا تأخذها باللين، إن وسَّعت حدود مملكتك فاعلم أن السلطان لله الواحد القهار، وأننا ماضون بحكمِه وفي أرضه وغداً أو بعد غد يرثها ويرثنا. إن أنت إلا خادم الناس، وما اخترتك ولياً لعهدي إلا لأنك تحب إخوانك ويحبونك، ولن تطفئ شهوة السلطان شعلة روحك وتنسيك أنهم من صلب أبيك. فكر بعقلك واحكم بقلبك، واجعل الناس يهابونك لكن لا تجعلهم يخافونك، واعلم أن الثورة لا يقوم بها إلا الشجعان، فإن أخمدتها فلا تنتقم من أهلها، واقبل توبتهم وخضوعهم لتاجك، واعلم أن الموت يأتي مهما طال الزمان، فلا تأس ولا تنس، ولا تأتمر بأمر إنسان أو جان.  

من أعماله: ـ عين القط ـ رواية ـ ميريت ـ ناصية باتا ـ رواية ـ ميريت السهو والخطأ ـ مجموعة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع