“ثلاث نساء في غرفة ضيقة”.. يبدأن ثورة المرأة

شوقي عبد الحميد يحيى

بعد أن يبذل الإنسان الكثير من الجهد، لا بد أنه يحتاج إلى النوم. وفي شهر أغسطس، كان قد مرّ الكثير على ثورة الشعب التي ملأت ميدان التحرير في 25 يناير، والتي اشتهرت بتواجد المرأة كثيرًا فيها. فقد افتتحت الكاتبة هناء متولي مجموعتها “ثلاث نساء في غرفة ضيقة”، فكتبت قصتها “سبب مفاجئ للنوم”، حيث ذهبت الساردة إلى ميدان التحرير لتجده فارغًا من البشر، والمطاعم خالية. ثم تذهب إلى المنصورة، حيث عائلتها: {{وصلَت إلى المنصورة في ساعتين.. هرعَت إلى بيتها؛ فوجدته خاليًا من عائلتها كسائر المدينة، هناك خطب ما، لكنَّه ليس خطرًا..}}. لم تجد أحدًا؛ الدنيا فارغة وخالية من البشر، وقد أوشك الليل أن ينتهي. فتقرر الساردة أن تصعد إلى منزلها، وتأكل وتشرب… وتنام طويلًا.

وتترك الكاتبة قارئها ليتساءل: ماذا تريد أن تقول هذه القصة؟ وهو السؤال الأبدي الذي يسأله القارئ لنفسه كلما فرغ من قراءة قصة ما. فالعمل الإبداعي رسالة بين طرفين، والرسالة لا بد أن يكون لها مضمون، فإن لم يجده القارئ، راح يتساءل ويؤوّل ما يمكن أن تحتويه هذه الرسالة. إذن، فأول شيء يسأل عنه القارئ هو محتوى الرسالة، لا شكلها، وإن كان الشكل يساعد في الوصول إلى مضمون الرسالة. لذا لم يكن المضمون هامشيًا، مثلما أراد له الشكليون الروس أو البنيوية، التي رأت أن تنظر إلى العمل الإبداعي من داخله، أي من ألفاظه، والتي تعتمد على الشكل لجعل الرسالة أدبية من عدمه.

كما أنه، أمام مثل تلك الرؤية الغامضة، يبحث القارئ عن حياة الكاتب، أو حياة المجتمع الذي يعيش فيه ويعبّر عنه. فيجد أن ميدان التحرير، منذ شهور قصيرة، كان يعج بالملايين المنادية بالتغيير، ولم يكن النوم فيه واردًا: {“ماذا حدث؟ أين الناس؟.. ماذا كنت أفعل قبل أن أجيء إلى ميدان التحرير؟ ولماذا الميدان بالذات؟ هل قامت القيامة؟ لا.. لا.. هناك أمر غامض، لكن ليس بذلك السوء..”}. فيتصور أنه بعد أن انفضت الثورة، وعاد كل إلى عمله، سكنت الأشياء وغاب البشر. ولكن ماذا يعني ذلك؟ ليجد القارئ نفسه أمام عديد التأويلات التي تترجم الرسالة. فمن يراها قد أدت دورها وتركت للآخرين أن يقوم كل بدوره، ومن يراها -خاصة في أغسطس الذي لم تحدده الكاتبة تاريخيًا، فيمكن أن يكون بعد شهور أو أعوام- ولكن شهر أغسطس يلقي بأجوائه على المشهد؛ حيث القيظ والرطوبة الخانقة، ليجد نفسه يترجم المشهد إلى أن هناك من أخفى الناس، أو جعلهم يختفون؛ فقد كان ما حدث خطأ لا بد من عدم عودته. فبدا الميدان خاليًا، بل والمطاعم، بل أصبحت البلد كلها خالية من البشر، فما كان من الساردة إلا النوم الطويل… فضلًا عن أن النوم يمكن أن يُدخلنا في تأويلات متعددة.

وقد اتبعت الكاتبة في هذه القصة ما يمكن أن نسميه بالإيحاء الكامل، بمعنى أنها لم تستخدم في هذه القصة سوى الإيحاء بحدث معين، واختفى كل ما يمكن أن يحدد بالدقة ماذا تريد أن تقول. فقط أشارت إلى واقعة محددة، وتركت للقارئ أن يستكمل هو ماذا كانت تريد الكاتبة أن تكتبه، فتركت له أن يراها وفق ظروف معيشته الحاضرة، على أن تدور في المركز، وهو ميدان التحرير، الذي شهد العديد من التجمعات، والذي يُعد رمزًا لتحرير الشعوب وحريتها وصمودها، حين شهد عدة مواجهات بين المحتجين والقوات الأمنية، بدأت بأحداث ثورة 1919، ومظاهرات 1935 ضد الاحتلال الإنجليزي، وانتفاضة الخبز في 18 و19 من يناير عام 1977، ومنها أيضًا ثورة 25 يناير عام 2011. وهو ما يمكن معه أن نقول إن الكاتبة هناء متولي قد أتت بالجديد، بعدما تنوعت وتعددت الكتابات حول الميدان وما جرى فيه في العامين 2011 و2013.

وقد مرت القصة القصيرة بمراحل عديدة؛ إذ كانت في بداياتها -في مصر- أشبه بتلخيص رواية طويلة، والأمثلة على ذلك كثيرة ليس مجالها الآن. ويكفي أن نشير إلى أول قصة مصرية قصيرة كتبها محمد تيمور، “في القطار”. وظلت القصة القصيرة هكذا حتى أتى يحيى حقي، ومن خلفه يوسف إدريس، فجعلت من القصة القصيرة لا تتجاوز اللحظة أو الموقف الواحد. ثم بدأت -في الآونة الأخيرة- القصة القصيرة تعود إلى سابق عهدها، ولكنها ليست تلخيصًا لرواية، وإنما استفادت من الإضافة التي أحدثها كل من يحيى حقي ويوسف إدريس، اللذين سار على نهجهما عدد لا بأس به، خاصة جيل الستينيات. لكن القصة القصيرة أخذت في تجاوز اللحظة أو الموقف، حيث امتدت إلى ما يجاوزهما، محافظة على التركيز المشهور بها القصة القصيرة، والإيحاء الذي يوسع من حدود الكلمة المنطوقة، مستعينة بعملية الترقيم، أو المواقف المشابهة، والتي تُكوِّن في مجموعها إحساسًا كليًا بموقف معين أو رؤية معينة، يمكن إدراجها في كلمة أو كلمات قصيرة، مثلما فعلت المبدعة هناء متولي في مجموعتها الأحدث “ثلاث نساء في غرفة ضيقة”، والتي امتد بها الزمن إلى ما يجاوز اللحظة بكثير، إلى جانب عملية التقطيع إلى أجزاء، وهو ما نستطيع أن نجده في الكثير من قصص المجموعة.

ولنأخذ واحدة من تلك القصص، وهي قصة “فتاة الباي بولار”، التي تثير لدى القارئ الكثير من الاندهاش والتساؤل، ويتصور أنها اسم لفتاة أجنبية، لكن سرعان ما يتبين للقارئ حقيقة التسمية، والتي تشير إلى وجود مرض بهذا الاسم “الباي بولار”. وهو ما سهّل الرجوع إلى ذلك المرض ومعرفة أسبابه وأعراضه، لنجد أنه: {حالة نفسية مزمنة تسبب تقلبات حادة ومفاجئة في المزاج والطاقة ومستوى النشاط. يتأرجح المصابون به بين نقيضين: نوبة من الابتهاج والطاقة المفرطة (الهوس)، ونوبة من الحزن واليأس وفقدان الشغف}. فنجد أن القصة تتوزع بين البهجة والحزن، أو الاكتئاب، بحيث تتطابق مع أعراض ذلك المرض، الذي يتأتى بعضه نتيجة الوراثة، والتي أشارت الكاتبة إلى ذلك في قصتها: {ثنائي القطب مرض عقلي لا فرار منه.. نتوارثه في عائلتنا منذ أن كان يُدعى هوسًا واكتئابًا}.

ولنلاحظ أن الكاتبة أنثى، والمبدع يعبر عن نفسه أولًا في إبداعاته. وقد حملت المجموعة هموم المرأة في أخص خصوصياتها، والمرأة -بصفة عامة- تعاني في لحظات معينة تغيرات بيولوجية تؤثر بشكل كبير على تصرفاتها وتقلباتها، خاصة في مراحل الحيض، والتي تعبر عنها الكاتبة بصورة أدبية ضمنية حين تقول الساردة في القصة: {انفصلت عن أحمد وعدت إليه مرارًا.. اعتدت أماكن السهر والجنس.. تناولت الحشيش الذي كان صاحب الأثر الأكبر في ازدياد شدة أعراض نوباتي المرضية}. فقد كان استخدام اسم المرض تمويهًا لتحويل الجملة الخبرية إلى جملة أدبية، تتطلب البحث عما وراء السطور.

ونظرًا لأن استعراض تلك الحالة الطبيعية والمرضية، في وجهة نظر الرجل الذي لا يدري ما يحدث، كان لزامًا على الكاتبة أن تتجاوز تلك المراحل، إلا أنها لم تُشعر القارئ لحظة بمرور الزمن؛ فقد استغرقته الحكاية، وشغله البحث عما يمكن أن تُسفر عنه، فتناسى الزمن، فبدت القصة كما لو أنها حدثت في الماضي، وهذه قصتها، وإن كانت قد عبرت عن ذلك -أي الحدوث في الماضي والحاضر أيضًا- في قصتها “دموع الكراميل”، والتي كتبت في بدايتها: {قبل أن تقرأوا تخيَّلوا أنَّكم أمام خشبة المسرح، الأحداث تدور هنا والآن، وليس هناك وآنذاك}.

أي إن الكاتبة تكتب ليس عن الماضي، ولكنه عن الحاضر الذي ورث الماضي بكل عيوبه. فجاءت القصة -رغم طولها النسبي- مركزة، ولم تخرج عن السياق، بحيث لا نستطيع أن نمسك بكلمة ليس لها دور في بناء القصة. ففي الوقت الذي تتحدث فيه عن المرض، يبدو أن تلك الفقرة جاءت خارجة عن النص: {عندما تستنفد كلَّ مقاومتك وتعتاد الخسارة؛ لا تجد إلَّا الانتحار كطريق أخير، الفتيات اعتدن أن يخترن الطريقة الأيسر والأقلَّ ألمًا في الانتحار.. لا تشويه للجسد والوجه خاصة.. هكذا ظننَّ.. وهكذا سرتُ على دربهنَّ}.

والواقع يقول إن الكاتبة تعبر عن الأنثى، والتي من خصائصها الابتعاد عن تشويه الوجه أو الجسد، وهكذا هن النساء، وهكذا سارت الساردة بوصفها أنثى. وإمعانًا في معايشة تجربة المرض، صرحت الساردة بالصدق الفني عندما انغمست في أعراض المرض، فقالت: {للعلم.. قبل انتحاري بيومين عرفت أني حامل بعد إجراء الاختبار المنزلي.. حامل دون أن أعرف مَن الذي لقَّح بويضاتي؟}. هذا في الوقت الذي بدأت فيه القصة، أو اعتراف الساردة “ريم العزب”، بقولها: {المعطيات كلها تؤهلني لأن أكون الفتاة السعيدة والأوفر حظًّا بين عائلتي وأصدقائي وعالمي، جميلة، شابة، ابنة عائلة، ذكية، أملك مساحات واسعة من الحرية ورجاحة العقل والتصرف. كنت كذلك لفترة طويلة، ليس من العدل إنكار ذلك كله، لستة عشر عامًا كنت الفتاة المثالية المتفوقة بدراستها والمحاطة بالمزيد من الاهتمام والرفاهية}.

ووصل بها الأمر إلى أن ترسب في الامتحان، أي إنها تحولت من النقيض إلى النقيض، بفعل المرض، أم بفعل ما يحدث للنساء دون أن يعرف سببه الرجل؟ كما تخرج من الحالة الخاصة بالساردة إلى عموم النساء، وكأنها تتحدث عن المرأة أينما كانت.

وليس ببعيد معرفة أن المجموعة تدور كلها حول المرأة ومشكلاتها. بدأتها بالرؤية الجمعية -ميدان التحرير- وأنها لم تكن بعيدة عما يدور، ثم الأعراض العامة ووضع المرأة في المجتمع، ثم الأوضاع الخاصة بالمرأة، والتي غالبًا لا يعرف الرجل بها، أو يتناسى ما يحدث لها دون رغبتها.

فتواصل الكاتبة كشف النقاب عن المواجهة بين الرجل والمرأة، أي عرض المشكلات الخارجية التي تحدد موقع المرأة بالنسبة للرجل. ونظرًا لأن المواجهة تتطلب أقوالًا وفكر كل من الطرفين، وفي مواقع جغرافية مختلفة، استخدمت عملية التقطيع، بحيث يبدو كل من الطرفين في موقعين مختلفين، واعتمدت على الفكرة الواحدة، أو الرؤية الواحدة، وهي العلاقة بين طرفي الحياة: الرجل والمرأة.

فتحدد وجهة نظر المرأة في ندوة أدبية: {طلبَت الكلمة، وقالت: “ليس صحيحًا يا عزيزي، من الطبيعي أن يكتب الإنسان عن آلامه ومشكلاته الخاصة، والكاتبات يُعبِّرن عن ذلك بحرفهنَّ القرمزي، لو كتبنا مثل الرجال؛ لصرنا مسوخًا وأشباهًا. الحقيقة، إنَّكم تخافون منافستنا وتحاولون القضاء على تميُّزنا بهرائكم هذا”}.

إذن فهي تعني التحدي، وأن المرأة تستطيع. بينما، على الوجه الآخر، يحدد الكاتب المعروف وجهة نظر الرجل في مثل هذا التحدي بقوله: {الكاتب الكبير يُرددُ في سِّرِّه: “الطير يضع منقاره بين فتحات شبكة الصيد، أهلًا بالمنافسة والليالي الحمراء”}، أي إنه لا يرى في المرأة سوى الجسد.

وانصرف الرجل بعد الندوة، {بمجرد وصوله إلى منزله طبع على خد زوجته قُبلة صامتة، ثُمَّ صعد إلى الأعلى، بدَّل ملابسه.. أخذ حمامًا بماء دافئ.. أعاد تصفيف شعره القصير.. تعطَّر.. جلس أمام التلفاز ينتظر ظهوره في حلقة مُسجَّلة بإحدى البرامج الثقافية، والتي تحدَّث فيها عن الحركة الأدبية وسبل إنعاشها}. وبعدها كان في بيروت: {الكاتب الكبير: يُمضي ليلته الثالثة في بيروت لحضور فاعلية ثقافية هامة، الرجل سعيد وممتن}. حيث انصرف إلى حياته العادية والمألوفة.

بينما هي عاشت حياتها بالبحث عن شيء جديد تكتب عنه لمواجهة التحدي، ورأت أن الجميع يتحدث عن الموت، فقررت هي أن تكتب عن الاحتضار. فقررت أن تأخذ خمس حبات من المنوم، وليست عشرًا التي تُميت، لتجربة عملية الاحتضار. وفكرت أنها ستكتب القصة عن حكاية امرأة تنتحر ردًّا على قسوة العالم وعنصريته، {امرأة رأت نفسها في عيون الرجال جسدًا.. مجرد جسد.. امرأة ترفض الواقع برفض الحياة}. تناولت الحبوب الخمس، ولم تدخل الاحتضار… فقد ماتت.

وكتب الطبيب التقرير عن الموت: {“هبوط حاد بالدورة الدموية نتيجة تناول خمسة أقراص منومة لفتاة مريضة بالقلب”}. وقال الكاتب الكبير في نفسه: “البطة السمينة ماتت قبل أن أتمتع بها، فتاة حمقاء، أرادت أن تتحداني، لا بأس، هناك الكثيرات ينتظرن”.

فبينما هو قضى حياته العادية، دفعت هي حياتها في سبيل التحدي وإثبات الوجود.

وكأن الكاتبة تسوق رسالة إلى قارئها تقول له فيها: الصراع مستحيل، والتعايش لا يقبل التحدي، فكل ميسر لما خلق له. فنحن هنا أمام وحدة الرؤية، التي كانت هي العنصر الرئيس في القصة.

وتبدأ الكاتبة رحلة الغوص داخل أعماق المرأة بقصة “ارحلي بعيدًا يا سمينة”، حيث يشير العنوان إلى تغير جذري يحدث للمرأة بعد الزواج، إذ يتحول عود القصب إلى شجرة جميز، فيزداد حجم المرأة، وتبتعد عن تصورات الرجل عن المرأة. وإن كانت المرأة -قبل الزواج- تضع الكثير من الشروط التي تتمناها في الرجل الذي سترتبط به، وإن كانت قد سمعت كثيرًا من أمها عن سوء سلوك الرجل، فتقرر “هند” أن تتزوج برجل آلي، طبقًا للشروط التي وضعتها.

لكنها تعود يومًا إلى البيت -بعد مرور عامين على الزواج- فلا تجد الزوج الآلي، فتُخبط على باب الجارة لتفاجأ بأن الزوج الآلي هو الذي يفتح لها، ويرمي عليها يمين الطلاق، وهو يقول إن الجارة “نرجس” جميلة وفاتنة: “ارحلي بعيدًا يا سمينة”.

وإن كان الزمن قد طال كثيرًا في تلك القصة، إلا أن الحياة مليئة بالتفاصيل، فاقتصرت الكاتبة على اتخاذ خط واحد من حياة شخصيتها يحمل رؤية معينة، ولم تنحرف إلى تلك التفاصيل فتشتت ذهن القارئ، وتذهب به إلى ما يجاوز الرؤية المحددة. فظل للقصة القصيرة قوامها، وحافظت على محدودية الشخصيات، ومحدودية الأمكنة، ووحدة الرؤية.

وإن كان لنا أن نخرج من القصة برؤية محددة، فهي أن الأحلام في واد، والواقع في واد آخر.

وفي قصة “سقوط حر” تواصل الكاتبة رحلتها الباحثة عن متاعب المرأة، حيث تضع قارئها في عديد التأويلات: أكان ذلك حقيقيًا، أم أنها أحلام المرأة التي تعاني؟ فتبدأ الإشارة إلى تلك المتاعب التي تؤرق المرأة: {المرَّة الأولى التي رأت فيها دمًا يسيل كان خارجًا من مهبلها، منبئًا بأنوثة مبكرة وشقاء لا ينتهي}، حيث تصبح هذه إحدى المعضلات التي تعاني منها المرأة الشطر الأكبر من حياتها.

بينما تتركز بؤرة القصة في: {في البدء لم تفسِّر ارتعاشه ونفوره منها.. حتَّى اكتشفت أنَّه مِّثليّ.. أخبرها بذلك بعد أن تهرَّب من مضاجعتها ليلة الزفاف}، حيث تكمن المشكلة التي تحيل حياتها إلى ألم لم تستطع الخلاص منه.

بعد أن أتى إليها والدها بالحجاب، وطلب منها أن تلبسه، وبعد أن فر الحبيب وتراجع عن الزواج، وهي لا تعلم لماذا، أتى غريب بمسدس يريد أن يسرق شيئًا ما، ولما فشل: {صاحب القدمين الثقيلتين يرفعها إلى جدار شرفتها النيلية.. تشعر بالهواء يداعب رقبتها وشعرها.. تتنفس حرية لأول مرة منذ بعيد.. وتسقط إلى أسفل دون صرخة واحدة}.

الأمر الذي تدعو كلماتها الأخيرة إلى أنها هي التي انتحرت، بحثًا عن الحرية، وتخلصًا من القيود المفروضة عليها، من الخارج ومن الداخل.

وإن كانت الكاتبة لم تحدد موقفًا معينًا، وتركت للقارئ البحث والتأويل، فقد وضعت القارئ أمام مسؤولياته؛ ليكمل القصة ويستخلص ما يمكن أن تكون قد سعت إليه. حيث حملت القصة اللحظة الآنية، فضلًا عن دمج الماضي في الحاضر، وكأنها تعلن -مرة أخرى- أن هذه المعاناة ما زالت قائمة. فقد حافظت على الصورة الحديثة من القصة القصيرة، التي تدور في اللحظة.

وفي قصة “رسائل الموتى” تأتي ضربة البداية: (طق.. طق.. طق)، وكأنها دقات الساعة الرتيبة، توحي بالزمن وتثاقله، ومرارة الفقد المخبوء داخل أعماق الإنسانة التي فقدت ابنها الوحيد، والذي -رغم مرضه وتخلفه- ترك آثار الألم المخزون في الأعماق. فهجرت الزوج، وهي لا تعلم أنه يعاني مثلما تعاني، ليستمر الجو في نشر آثاره الكئيبة على النفس، فتقول الكاتبة: {الريح التي تعبث بالشجر، المطر الذي لا يتوقف، وانقطاع الكهرباء}. وهي تفاصيل موحية بالخريف الذي يطيح بكل شيء، والظلام الذي يفرد جناحيه على النفوس، ويدعو إلى الخيالات الكئيبة والصور التي يرسمها، وينعكس داخل النفس، فيفرض عليها الكآبة.

فإذا كانت القصة القصيرة تهتم بالزمن بوصفه عاملًا أساسيًا في تقنيتها، فقد تغلبت الكاتبة على طوله وامتداده وتنوعه بتقطيع القصة إلى مقاطع صغيرة تنوعت وتنقلت خارج نفسها، ولكنها، في ذات الوقت، حافظت على الوحدة في الرؤية التي يشعر القارئ بوجودها. وتركزت على العلاقة بين الزوج والابن، والتي تمثلت في العلاقة بين الاثنين، ويكشف عنها ذلك المقتطف: {اعتادت أن تُغلق الغرفة بالمفتاح، وأن تبكي دموعًا صخرية، تعاودها ذكريات مريرة، حاول زوجها كثيرًا أن يقنعها بأن إعاقة طفلهما الجسدية والعقلية قدرٌ لن تُغيره أموال الدنيا، وأنَّ موته كان حتميًّا، لكنها كانت تزداد تكورًا وانتحابًا، وفي أيام مرضه الأخيرة قذف في وجهها جملة ما زال صداها في أذنيها: “الولد مات”. تدفعها الكراهية خارج الغرفة، تارة تراه جالسًا على مقعد بجوار الباب.. “أكرهك.. طلِّقني”. وفي الصباح… يترك لها البيت. تشعر بالراحة، للمرة الأولى التي يخلو لها البيت مع روح صغيرها.. “هل تزورني الليلة؟”}.

فهي قد هجرت الحياة، وهجرت العلاقة بينها وبين الزوج، خاصة عندما تقول: {تعود سناء إلى بيتها.. تتكور في فراشها.. تُحاذر أن تلمس جسد زوجها السابح في النوم؛ لئلَّا توقظه برودتها فينكشف سرها}. حيث إن البرودة هنا ليست برودة الجو، وإنما برودة العاطفة والرغبة.

وعندما تتساءل عن سر العلاقة بين الأب والابن المفارق، تأتي الإجابة: {في المنام، ترى ابنها في ساعته الأخيرة ممددًا على سرير أبيض، والأجهزة المزروعة في جسده النحيل تكاد تعمل بخفوت، ورأت زوجها يزرع أصابعه في خصلات شعره، وقد تحدرت من عينه دمعة قبل أن يغادر الغرفة مع صوت توقف الأجهزة}. فلم يكن هجرها الزوج لأنها هجرت الحياة، وإنما لارتباط الزوج بلحظة النهاية للأمل في الغد.

كما تكشف القصة عن دواخل المرأة والرجل، والعلاقة بينهما؛ فقد ترسخ الحزن في قلب المرأة لفقدان الأمل، بينما الرجل يسعى إلى تجاوز الأزمة والعمل لاستخراج أمل جديد، على الرغم من أنه يعاني فقد الابن، لكن استقبال كل منهما للمحنة مختلف.

ثم نأتي إلى القصة التي منحت المجموعة اسمها: “ثلاث نساء في غرفة ضيقة”، والتي فرشت رؤيتها على المجموعة ككل. بدأتها الكاتبة بما يشبه تلخيص الرؤية في القصة: {أرخت طرحتها الريفية، سقطت على كتفيها، شعرها الأسود يتخلله ضوء الشمس المُشع من النافذة الوحيدة بالغرفة، بدا شعرها لامعًا بغرابة، جلست فوق السرير النحاسي الذي يتوسَّط الغرفة، وقد كشفت عن ركبتيها، لم يتحمل البساطي نظراتها المشتعلة، قطع السنتيمترات القليلة وهو يلهث حتى جاورها، ثم ترك رأسه يهبط فوق صدرها، وأغمض عينيه}.

حيث تتناول القصة ثلاث نساء يتناوبن بين إبداعات كاتب الروايات. ومن خلال هذه المقدمة نستطيع كشف أن الروائي لا يستخدم النساء إلا ليصنع رواياته، بينما تعتبر المرأة أن استخدامه لها حياة. لذا فهو ينسى، بينما هي تعيش.

فنجد أنفسنا أمام تقنية “كسر الجدار الرابع”، أو كسر الإيهام، مثلما فعل جابرييل جارسيا ماركيز في روايته الأشهر “مائة عام من العزلة”. حيث تتجسد الشخصيات النسائية، وخاصة “فردوس”. وتُستخدم هذه التقنية في البحث عما وراء الظاهر من الكلمات، فتوظفها الكاتبة لتعميق الرؤية بين الرجل والمرأة.

فلننظر إلى “فردوس”، التي نسيها المؤلف الضمني: {بينما يظل على مقعده يراقب حركة الأجساد من حوله}. {ـ أنا همشي، وإياك تمشي ورايا، ومش هتشوفني تاني إلا لما تفتكرني يا محمد.. محمد!}.

نادرًا ما يناديه أحد باسمه الأول، حاول أن يجرها إلى نقاش أطول، لكنها تحركت سريعًا، ووجد نفسه يتأمل مؤخرتها، وظل ينزلق بعينيه حتى وصل إلى كعبيها الحمراوين وشبشبها المميز. وهنا تذكر حوارًا قديمًا على لسان نساء القرية في إحدى رواياته، عن بطلته التي لا بد وأنها تحك قدميها في اليوم عشر مرات، فناداها قبل أن تختفي تمامًا: “فردوس! أنت فردوس؟”.

فنجده هنا يبحث عن الأجساد، ويجري وراء العناصر المادية في “فردوس”. بينما “ليلى”، إحدى شخصيات رواياته، تقول: {ـ لكنك حولت الخيال إلى حقيقة، روح وجسد ومصير وسيرة متداولة إلى الأبد}.

لكنه يدافع عن نفسه ويقول: {أنكر البساطي افتراءاتهن، وأكد أنهن بلا وجود مادي، مجرد وجود في خياله، عندما يموت الكاتب تُدفن معه شخصياته}. لكنهن ابتسمن، وتركنه يعود إلى منزله ليغرق في حساباته، لكنه كان يفيق من تلك النوبات، واثقًا أن الكتابة خلق وهمي لا يؤذي الكيانات المادية.

إلا أن بطلاته يشتبكن معًا في عراك، وهو يخشى أن يتسرب ذلك إلى زوجته وأبنائه. وبعد أن ظللن يحاصرنه، هجره الإبداع، فقرر أن يتخلص منهن في عمل جديد: {استغل البساطي الموقف، إنه يبدو فرصته الوحيدة، عرف أن خلاصه في هذه اللحظات، وإلا سيظل هكذا، جهز الأوراق والحبر، وقرر حبسهن في رواية جديدة والتخلص منهن إلى الأبد، فكتب في صدر الورقة البيضاء: “ثلاثُ نساء في غرفة ضيقة”. نظر إليهنَّ وابتسم ابتسامة واسعة، واستأنف كتابته}.

وكأني بالكاتبة تريد أن تؤكد أهمية المرأة ودورها في العملية الإبداعية، بل في الحياة عمومًا، حيث تصبح هي الملهمة.

وتنتقل الكاتبة إلى صورة أخرى من صور المرأة، والتي لا يراها الرجل إلا معينًا للإنجاب، وليست إنسانة لها مشاعرها، في قصة “دموع الكراميل”، التي تستعين فيها بلغة المسرح -دون أن تتخلى عن السرد الذي هو أساس القص- ومشاهده المتعددة؛ للتغلب على طول الفترة الزمنية التي تكشف عن الأبعاد النفسية للمرأة.

وقد تكررت فيها كثيرًا جملة “اللحن الفرنسي الجنائزي”، والذي لم يأتِ عفوًا، وإنما قصدته الكاتبة للدلالة على الحزن الهادئ الصامت، وهي -بالتأكيد- تشير إلى مقطوعة “قداس الموتى” للمؤلف الموسيقي غابرييل فوريه، والتي تتميز بطابعها الهادئ والمسالم والساكن، بدلًا من الطابع الكئيب الذي يغلب عادة على الألحان الجنائزية.

وهي إضافة مهمة في وصف السيدة الوقور والجادة: {امرأة، سيدة وقور حزينة، عدد من السيدات في ثوب الحداد بغير حزن، مذياع تنبعث منه آيات من القرآن الكريم، رجل يُقدم القهوة السادة، الكثير من الفناجين الخزفية الأنيقة، سحابة من دخان السجائر، صورة معلقة لرجل حسن الطلة عليها شارة حداد بجوار صورة زفاف قديمة بعض الشيء لنفس الرجل، رجل بدين، رجل نحيف، مقلاة تحرق السكر، بيض يذوب في اللبن}.

حيث نستطيع أن نحدد ملامح تلك السيدة الحزينة في صمت، والتي تكمن مأساتها وبؤرة القصة في: {ـ الزوج: يقهقه بشكل هستيري: من العدل أن تجيد شيئًا ما يُشتِّتُ الانتباه عن فشلها في إنجاب طفل كبقية الثدييات}.

حيث تخترق هذه الكلمات أعماق الزوجة التي تجيد كل شيء، إلا أنها فشلت في الإنجاب. وتظل الغصة في الأعماق منذ الزواج وحتى الممات.

كما جاء استخدام تقنية المسرح مبينًا لقدرة الكاتبة على التنويع في استخدام كل ما هو متاح؛ لتوصيل الرؤية التي تريدها. كما جاء استخدام مقطع “قداس الموتى” الفرنسي تعبيرًا عن توظيف الكاتبة لثقافة واسعة تضيف إلى النص دون مباشرة. كما جاءت افتتاحية القصة إشارة -غير صريحة- إلى حدوث الرؤية في المضارع، وليس في الماضي فقط، وكأنها الموروث المترسب في فكر الرجل تجاه المرأة: {قبل أن تقرأوا تخيَّلوا أنَّكم أمام خشبة المسرح، الأحداث تدور هنا والآن، وليس هناك وآنذاك}.

وبنفس تقنية المسرح، تكتب قصة “الخامسة مساء”، والتي تعبر عن تعاسة المرأة التي حلمت بالإشباع والبحث عن الأمل في المستقبل، فضاع كل شيء، وأصبحت أتعس مخلوقة. ولم تُكتب القصة على تقنية المسرح لأن الدنيا كالمسرح، كما قال يوسف وهبي وأشارت الكاتبة، وإنما لما للمسرح من حركة وحضور، الأمر الذي تؤكد به استمرارية المعاناة التي تعانيها المرأة، ماضيًا وحاضرًا.

ففي المشهد الأول نجد الزوجة تعيش الذكرى وتتحدث مع نفسها، وهي تتصور أنها تحادث زوجها الذي رحل. وفي المشهد الثاني نرى الرجل في مدينة لا تتحدث سوى الإسبانية، وهو لا يجيد الإسبانية، فالتواصل مقطوع أيضًا. وفي المشهد الثالث نرى المرأة وهي في حوض الاستحمام، ونعلم أنها حامل في الشهر الرابع: {تضع ساقًا خارج الحوض بينما تدقُّ الساعة الخامسة.. تفلت إحدى قدميها وتسقط ليصطدم ظهرها بحاجز الحوض.. تنظر أسفلها وكأنَّها تنزف بغزارة. تُطلق صرخة مُدويَّة.. تبكي..}.

وفي المشهد الرابع نرى المرأة وقد تهيأت للعلاقة مع شقيق زوجها، لكنها تموت قبل الخامسة. وفي المشهد الخامس نرى المرأة في مستشفى حكومي، وهنا تشير الكاتبة إشارة خاطفة، لكنها تعني الكثير والكثير: {الصوت: أنتِ بمستشفى حكومي.
− المرأة: الجحيم إذن}.

لكن المرأة تكتشف أنها بلا ساقين، لكنها تحلم بالابن. ليقف المشهد الرابع وكأنه حلم يجري في رأس المرأة. ويبدو أن الكاتبة كتبته لتبيان أن الحياة تسير، ولكنها مؤلمة، كما يبدو أنها كتبته لبيان المفارقة بين الواقع والحلم. ورغم ذلك، فكم كنت أود أن تحذفه الكاتبة من قصتها.

وتواصل الكاتبة عرض متاعب المرأة الوحيدة، لتؤكد أن المرأة التي تصبح وحيدة بكلمة من الرجل، لا تستطيع أن تعيش بمعزل عنه. فقد بلغت الأربعين وتحولت حياتها إلى الرتابة، إذ فقدت {إرثها الذي لم تحصل عليه كاملًا}، وبعد أن نالت الطلاق من زوج خائن: {حبيبة والديها تنتقل للعيش مع زوج خائن}.

فاستقدمت قطة عجوزًا وحيدة، لكنها لم تؤنس وحدتها، بل ازدادت جوعًا إلى الرجل، فنزلت لتدخل أحد المحلات، فيعرض عليها صاحب المحل أن تعمل معه في المحل، فشعرت أنها انتهت أخيرًا: {لعرض رخيص ومتأخر يضمن لها العمل والجنس في آن!}. ليتضح أنها لم تكن تبحث عن قط لقِطتها، وإنما هي محاولة تستعيض بها إنسانيتها بأن تتوحد في الحياة بعد طول الوحدة.

وتبدأ قصة “بنات ريم التسع” -كعادة المجموعة- برؤية محددة تكشف ما ستدور عنه القصة: {الشمس عموديَّة على مدار السرطان، النهار يتمدَّد، حتَّى يصير في القطب الشمالي ستة أشهر كاملة، أيُّ جهاز عصبي يتحمَّل هذا؟ النَّهار آيته الشمس، والشمس واضحة كالحقيقة، والحقيقة لا أحد يقترب منها}.

فالحقيقة التي تتحدث عنها هي الحقيقة ذاتها. وعندما تكون الشمس ساطعة يتخيل الناس أن الحقيقة واضحة، لكنها ليست كذلك؛ فالحقيقة مخفية، في الليل تتم، وفي النهار تفوح روائحها. والمرأة تحمل حقيقة لا يمكن للرجل أن يعرفها؛ فهي تحمل في بطنها جنينًا، ويتصور الرجل أنه ابنه، لكنه لا يستطيع تأكيد ذلك، والمرأة هي الوحيدة التي تعرف الحقيقة.

فتذهب “ريم” الصغيرة إلى دكان الحلوى وتطلب الحلوى، لكن ليس معها أموال، فيرفض البائع أن يمنحها الحلوى، فتهدده بأن له ابنة، لكنها ليست ابنته، فيناديها: {− تأدبي يا لقيطة.
− اللقيطة هي ابنتك التي تُربِّيها، ولست أبًا لها.
− سأذهب، لكن تذكَّر أنَّك وصفتني بابنة العاهرة، وسأقول لكل أهل القرية إنَّ ابنتكَ لقيطة.}

فيرتبك بائع الحلوى، وتختلج قسمات وجهه، ويناديها، ويضع في يدها الحلوى الصفراء التي تُفضلها، وقبل أن تغادره يسألها: كيف عرفتِ؟
{− لا يهم، طالما منحك الله طفلةً وأنت عقيم}.

وهنا يدخل الشك إلى قلبه، لكنها لم تؤكد له من أين استقت هذه المعلومة، لكنها العادة والخوف من أن ينتشر مثل ذلك بين أهل القرية.

وتخفي الكاتبة كم مر من الوقت، حتى وجد أهل القرية “ريم” متكومة أمام الجدار تعاني النفاس. فالمهم أن تظل رؤية القصة تجثم على صدر القارئ؛ فالحقيقة، في ضوء الشمس، تبدو حقيقة حتى لو لم تكن كذلك. حيث: {ريم تتأوه أمام جدار منزلها، مثقلة متكورة تنازع نفاسًا شديدًا، وأهل القرية في ذهول.. يقسم بعضهم أنه رآها بالأمس فارغة البطن، والبقية يقسمون أنها عاهرة كوالدتها}.

فالشمس ساطعة، ومن المفترض أن تكون الحقيقة أيضًا ساطعة، ولكنها ليست كذلك؛ فالعادة والإشاعات هي التي تسير الأمور. فالقائل بأنه رآها بالأمس فارغة البطن يخفي في أعماقه أنها كاذبة، والقائل إنها عاهرة مثل أمها يردد ما يقال عنها وعن أمها، لكن الحقيقة غائبة، بينما الإشاعة تملأ البلد: {رجال القرية تعرَّضوا جميعًا للاتِّهام من قِبَل نسائهم بمضاجعة ريم ابنة العاهرة، وحاولنَ طردها من القرية؛ حتَّى لا تُدنِّس طهرهنَّ كما يزعمن، لكنَّ واحدةً لم تجرؤ على طردها؛ لأنَّهنَّ يعلمن جيدًا أنَّها تعرف عنهنَّ كلَّ أسرارهنَّ الدفينة، وقادرة على توجيه الأنوف لروائحهنَّ القذرة}.

فالإشاعة تثير القلق والخوف في القرية كلها، وكل يتهم الآخر بما حدث.

وتتكرر عملية الولادة كل ستة شهور، وفي كل مرة تلد ثلاث إناث، لا تسميهن بأسماء، وإنما بحروف، ولا أحد يعلم كيف. فيسألنها: {− مَن الأب يا ريم؟ وكيف يختلي بكِ وأنتِ لا تغيبين عن الأنظار؟
− الفتياتُ أسرار، والسرُّ لا يبقى سرًّا للأبد، ثم يكون شمسًا، والشمس واضحة كالحقيقة، والحقيقة لا أحد يقترب منها}.

ولتظل الحقيقة غائبة، وتملأ الشائعات العقول والقلوب.

بينما تنتقل بعدها إلى قصة “أرواحٌ قلقة لفتاة شفافة”، والتي تعتمد على ذات العناصر؛ التقسيم، لتعدد في كل وحدة عنصرًا من النساء واستعراض شكواها. إلا أن السرد هنا توقف عند الإخبار، فلم نجد جملًا إيحائية، أو استعارات، أو كنايات، فتوقفت القصة عند الإخبار، وفقدت أهم عنصر فيها.

وهو ما يمكن قوله أيضًا عن قصة “نساء ملونة”، وكذلك في قصة “يوميَّات امرأة تشرب خلَّ التفاح”، التي تقترب من الصيغة الإخبارية، وتهدف إلى شيء مباشر، هو أن ميراث المرأة يتغلغل إلى الأحفاد. وأيضًا في قصة “نزع رحم”، حيث تبدو الرؤية مباشرة، ولا تتطلب مزيدًا من التأويل.

وإذا كانت هذه أول مجموعة أقرأها للكاتبة هناء متولي، إلا أنها تدخل في مجال التجريب، الذي يرفض الماضي بكل دخائله، سواء في الفن القصصي القصير، أم في حياة المرأة التي كرست لها مجموعتها كلها منذ البداية. حتى إنها كتبت في الإهداء: {إلى السيدة جلوستان حبيب.. أمّي وحبيبتي وصديقتي الأبدية}.

وكأنها في البداية تعتذر لها عما ورد في قصصها من موروث تسرب وتغلغل في أعماق النساء، فصرن هكذا، مدفوعات إلى كثير من المشكلات بسبب ذلك التغلغل والترسب في أعماقهن. فأعلنت هنا الثورة على كل ذلك.

 

كاتب وناقد مصري. من إصداراته: شعرية السرد في الرواية دراسات تطبيقية. القراءة السياسية للقصة المصرية القصيرة، الرواية في أكتوبر 73،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع