صالح مهدي محمد
كأنني أصلُ متأخراً دائماً،
أحمل في حقيبتي شوارع منسية،
أرصفة قضم الغبار أطرافها،
وقصائد طواها النسيان على مسامع الموتى..
الذين غادروا قبل أن يدركوا أن النوافذ شُرعت لأجلهم،
وأن الأغاني التي تركتها على عتباتهم.. كانت حبال نجاة.
الوقت ليس قطاراً يفوتنا يا صديقي،
القطارات تعود دائماً وإن أبطأت،
لكن الوقت هو المحطة التي تقف وحيدة في العراء،
تتآكل تحت مطر الهجران،
بينما نحن نركض في جهات مستحيلة،
نطرد سراباً سميناه “غداً”،
وننسى أن خطوط أيدينا لم تعد صالحة للقراءة،
وأن الحكايات التي نركض خلفها.. مات رواتها.
ألوّح بيدي لظلّي الممتد على الحائط البارد،
الظل الخاوي الذي ملّ من مرافقة جثتي المؤجلة،
وضاق ذرعاً بخطواتي المتعثرة في الفراغ.
صار الآن يطمح أن يكون جسداً مستقلاً،
أنْ يفضّ اشتباكه العقيم مع قدمي،
يجلس في المقاهي العتيقة،
يتأمل المارّة دون أن يشعر بوخز الضمير،
يشرب القهوة المرّة من فنجان لا يترك فيه بصمة،
ويكتب بالحبر الأسود المستعار من عتمته..
عن إنسان مغترب،
كان يشبهني ذات يوم،
قبل أن تسرقه الشوارع المنسية،
وقبل أن يصبح هو نفسه..








