محمد فيض خالد
القَادمون نحو التَّيه
أرسلت الشمس قُبلتها القاسية فوق جبين الأرض، نشبت مُبكِرا أظفارها الحارقة في كل شيء، اشعر وكأننَّي نقُلت فجأة لقاع الجحيم، الأرض مكتظة بعشرات الآلات تصرخ بلا هوادة، جميعا تعمل في وشيش مُربك يصم الآذان، تلف من حولنا أبخرة حارة، عوادم ثقيلة منفرة، خليط حريق مزعج من الزيوت والسولار، ضجيج الأوناش التي اعتلت الموقع تتناوب على جلبِ المؤن من بعيد، ودفعها للصوامع، أزيز عربات نقل الرمل والحصى والأسمنت والوقود، تتناوب على إلقاء حمولتها بإشارةٍ من الريس صلاح الصعيدي، يعلن عن نفسهِ بصراخهِ المتواصل فيمن حوله من طوابيرِ العمال في ثيابهم الزُّرق، جميعهم يخشونه، يعرفون قدره لدى الإدارة وعند صاحب المصنع، الذي يثق فيه لأبعد مدى، يلقون إليه بتحياتهم، وابتسامة جامدة تفترش الشفاه المتحجرة.
مع تقَدمِ ساعات النهار يحاول الجميع التقاط أنفاسهم المبهورة، تزحف الرياح ساخنة كحممِ اللّهب، تصفع الوجوه بشرهٍ، فتضيف شدة إلى شدة، وزهقا إلى زهق، ينشط الريس صلاح بزيه الكحلي باهت الأكتاف بين المكاتب، قد علقَ ابتسامة ساذجة على جانبيَّ فمه، وكأنَّه يريد إرضاء غروره، يحملُ بين يديهِ أوراقا، قد أسرف في صمتهِ وإطراقه، و صلاح لمن لا يعرفه خمسيني من صعيد مصر، طويل القامة، شابت هامته، وغزت التجاعيد وجهه الأسمر فزادته ضمورا، لكنه ورغم يبوسته لا يزال قويا صَلبا، يتباهى في كلّ مكانٍ بتاريخِه المهني الحافل، كتفاخره بفحولته مع زوجاته الثلاث، وعدله بينهن، شربَ الصَنعة شابا، تعلَّمها على يدِ رجلٍ فلسطيني، أحبه واطمئن إليه، فاستخلصه لنفسه، حتى اطلعه على أسرارها، يقول وقد غامَ وجهه بالنشوة: يا رب لك الحمد،ثلاثون عاما بين الرمال والأسمنت والأوناش بهذا الأفرول، مضبوط كالساعة، يدي أطهر من ماء السماء.
يستقبلك مبنى الإدارة أول شيء، مربع أصفر اللون من طَابقٍ واحد، حزينا،كساه التراب في بُؤسٍ مخيف، ينخفض عن الطريقِ في مُنحدرٍ صعب، تحتويه الوحشة، يُلاصق مختبر الخرسانة، ويجاور سكن العمال، الإدارة هو المكان الوحيد الذي يتردد عليه العمال بلا تَحفظٍ، حتى وإن أبدى محمد مياه عامل البوفيه البنغالي تَذمره؛للأمانة؛ فكم الأوساخ العالقة بأحذيتهم الغليظة التي تدبون بها دون اكتراث مخيفة، يكتفي بنظرة من عَينٍ حَمئةٍ، ويغيب في دندنة طويلة داخل البوفيه، ما إن تدفع الباب حتى يستقبلك مجرور هواء بارد، تُشد الرِّحال للإدارة لأتفه الأسباب، بين جدران المبنى المثُلجة يضع البؤساء عن أنفسهم ما يثقلها من أوزار الحياة وإثمها، لا يحتاج منك الأمر سوى أن تدقق النظر في الوجوه الوافدة لتعرف حجم المعاناة، على الفور يطلق أحدهم صوت ارتياح، لحظة يمرر يده ينتح خيوط العرق من فوق جبهته في إعياء.
مبنى الإدارة عالمٌ فسيح، مشارب مختلفة، لأطياف من البشر برعوا في مصانعة الظروف، وملاينتها، أغلبهم يسير على هوى الركب بعد أن أذعنوا كارهين، تجمعهم المصلحة وأشياء أخرى من هذا القبيل، في يومي الأول اكتشفت حجم الصراع، نظراتهم المُوزّة في تحفّظ لا يخل من دهاء، تلك الأصباغ التي طليت بها الوجوه، كي تبتسم هذه الابتسامة الباردة التي تورطوا فيها، لا يجدون في ذلك بأسا، يعبق الممر دخان السجائر، وهذا أسخف ما في الموضوع، حولت برودة التكييف الهواء المحبوس لرائحة عطنة تثير الغثيان، إلى الآن لم تتقرر مهام عملي، اعتقد بأن تجربة ظريفة في طريقها إليَّ، ألمح المدير ونائبه إلى أنهم راهنا على لباقتي: شخص موهوب، كاتب معروف غزير الإنتاج، لديه خبرات عريضة، ضحكت في صمت استهزء برهانهم المزعوم، هذا هو البلاء بعينه، ماذا جنيت من وراء الموهبة والإبداع يا صديقي، جمحت بي أفكاري بعيدا، تذكرت على الفور كلمات الإطراء التي امتدحني بها مسؤولي السابق على ملأٍ من الزملاء: شخص مبدع مثلك، موهوب بالفطرة، مكسب كبير للمؤسسة، نحن بحاجة ماسة إليه، لتدور من بعدها رحى حرب ضروس، مؤامرة دنيئة اقتلعتني من جذوري، وألقت بي -بلا جريرة -خارج الجدران.
***
محاولة يائسة للفهم
من بعيد، يبرز المصنع كشبحٍ مخيف؛ مستعمرة بشرية بشعة تشبه مقبرة مهجورة، منعزلة عن أي مظهر من مظاهر الحياة والعمران. كل ما فيه لا يمتُّ للحياة بصلة، ولا تستطيع -مهما حرصتَ- أن تفرق بسهولة بين الإنسان والآلة؛ فكلاهما عبد المأمور، وكلاهما يتحرك بدقة متناهية، لا يُسمح له فيها بالخطأ أو السهو. كلاهما لا يجيد من فنون دنياه غير العمل والتوجع في صمت..
يوشك أسبوعي الأول على الانقضاء في مجاهل هذا التيه المروع، لكنني أشعر بوطأة ساعاته الثقال. ما أقبح الرحلة! ما أقسى اليقظة! وما أشنع جعير المنبه حين يعلن في وقاحة أنها السادسة؛ إيذاناً بنوبةٍ جديدة من نوبات الألم المنغص. يضيف زحام الطريق وتكدس العربات هماً إلى هم؛ فالوجوه الشاحبة تبحلق من خلف زجاج النوافذ المغبرّ في استجداء، بنظرات باهتة تشبه تلك التي يلقيها الموتى قبيل الرحيل، ناهيك عن انفعال السائقين، وخوفهم المبالغ فيه من رجال المرور وعرباتهم المنتشرة بكثافة. هنا يُحظر استعمال الهاتف أو التغافل عن شد حزام الأمان، وإلا فالعقوبة باهظة تقصم الظهر..
يتوجب علينا أن نجتاز منطقة شعبية، نقطعها طولاً وعرضاً عبر دروب متعرجة -بمعنى الكلمة- تمثل نموذجاً صارخاً يجسد العشوائية في أبشع أشكالها. أبناء الجاليات الفقيرة، المستجلبون من بعيد؛ من أدغال وأحراش وقرى ونجوع ومستنقعات؛ مجتمعات حول العالم لا تعرف من دنياها غير الفوضى وعدّ النقود، وكأنك في متحف بشري مفتوح.
بحذر، لا يكفُّ أبو النور عن اتصاله؛ يهمس بنبرة مرتجفة، وقناعٌ من الغضب يكسو وجهه الأسمر المغضّن، يردد في عصبية: إبراهيم.. أنت فين؟ اطلع برا على الطريق يا زول. يخرج ذراعه من النافذة، يلوح منفعلاً. مع كل صباح، نزور هذا المكان الكئيب، نصطلي سعيره، ويتكرر أمامي المشهد بتفاصيله المملة. يصعد إبراهيم في تكاسل، يحمل بيده طعامه؛ شاب نحيف ضامر الوجه، يحكي بعربية مكسّرة، يلقي السلام فتفيض السكينة من جوانحه، ثم يجلس في وهن متهالكاً على المقعد، ويبدأ في تشغيل هاتفه؛ تسليته الصباحية. أما صاحبنا، فلا يفتر لسانه عن الاستغفار والصلاة على النبي.
في الخارج، تتأجج الحرارة ويستعر لهيبها كلما توغلنا في الصحراء. من حولنا تتلوى سحب الغبار تخنق الأنفاس، وتأخذنا الرجفة وكأننا في النزع الأخير. يسود الصمت المميت، يشرع أبو النور في نوبة من العطاس، وفي كل مرة يتفجر بالشكاية، لكنه يواصل استغفاره. أما البقية، فقد دسوا أنوفهم وقد طفرت دموعهم، يغبّون من التراب غبّاً، وقد وشت وجوههم لمعةٌ مخيفة..
يلوح المصنع وقد شمخت صوامع الموت، تلعق هامتها شمس الصباح الحامية. ضجيج المحركات يصمُّ الآذان، وهنا يتفاهم البشر بالإشارة بعد أن تعطلت الألسن. رائحة الديزل، خيوط الدخان، الأرض الرمادية الممتلئة بسوائل الخرسانة اللزجة، المباني القصيرة المغمورة المحشورة في اصفرار مرهق، أكوام الخردة، وهياكل المعدات الصدئة المتناثرة في المكان.. تلك هي تفاصيل يومي الجديد؛ حياتي الراكدة التي وقعت في قبضتها..
***
وثالثنا الخرسانة
في الرابعة عصراً، طُلِب مني التواصل مع السائق، كل ما أعرفه عنه بروفايل مُعتم؛ صورةٌ تكشف عن أسنان بيضاء لشبحٍ أسمر في زي الإحرام. أخبروني أن الرجل سوداني واسمه نور. لم أتعجل في مهاتفته ففي الوقت متسع، وقبيل صلاة ظهر الجمعة أمسكت هاتفي وشرعت في محادثته. جاء صوته مشوشاً بلكنة سودانية حادة، أدغمت كلماتها في بعضها لتترك فراغاً في أذني: ألو.. نور معي؟. أجاب: شنو؟ منو معاي؟!. كان الضجيج في ازدياد؛ أبواق السيارات، كلماتٌ آسيوية ملتحمة في عراكٍ قريب منه، وتتسع دائرة الصخب. تركني لثوانٍ قبل أن يرجع أكثر عصبية من ذي قبل، انفلت في توتر وأطلق للسانه العنان، وفي حَمِيّةٍ قال دفعة واحدة: تعرف جوار المخفر؟ تعالى هناك!. أدركت فوراً أن الرجل سقط في ورطة الطريق وتلك الزحمة المربكة. تمالكت زمام نفسي ورجعت لمسؤول المصنع الذي أثنى على نور، وأمهلني بعض الوقت حتى ينهي الموضوع. بعد دقائق كان نور على الخط وقد سكنت ثائرته، وتتراقص كلماته فرحاً في ابتسامٍ شهي؛ انتهى المشكل بسلام.
في السادسة والنصف، جاءني صوته بلكنة سودانية لطيفة: صباح الخير يا حبيب، أنت فين؟. توقف على أمتار مني، ولأول مرة انقبض صدري، إحساسٌ خانق؛ فالتفاصيل مربكة: صوت المحرك الخشن، المقاعد المتهالكة وقد كساها التراب، والحرارة المنبعثة من الداخل مخلوطة بعَطَنٍ قديم يأخذ بالأنفاس. شيء لا يُصدق! تسمرتُ في مكاني أستجمع ما تبقى من قواي. غام وجهه في ضحكة مكتومة أنبأت عنها أسنانه المشعة بالبياض، وطلب مني الجلوس بالقرب منه، يلاطفني بعبارات رقيقة تطييباً لخاطري. انخرطنا في حديث عفوي عن زيارته لمصر ومدى انبهاره بها، لكن كلماته لم تخرجني من ذهولي؛ لازالت عيني تتجول مفزوعة، الستائر المهترئة المتطايرة في فوضى، المقاعد الكالحة، رائحة التراب التي تلطم أنفي، وصوت المحرك وهديره المزعج..
مضطراً وافقت على هذا العمل بعد أشهر من البطالة، ذهبت لإجراء المقابلة، موظفاً صغيراً في مصنع للخرسانة الجاهزة، وبعد وساطات معقدة قُضي الأمر. في استسلامٍ تركت نور وحواره الضاحك مع بقية العمال، وأعطيت بصري حرية الحركة ليستكشف الخارج. بدت الأجواء كئيبة، تحتضن الطريق متاهاتٌ مُصفَرّة موحشة، صحراء استطالت دونما نهاية، يتراقص المجهول من حولها في تبجح، وبرزت أبراج الضغط العالي كأشباح. بعد قليل، تراءت أطلال المصنع شاخصة من ذبول. انحرف صاحبنا قليلاً فوق مَدَقٍّ ترابي، عندها طالبت الجميع في توتر بإغلاق النوافذ، جعل الباص يحجل في إعياء فوق دروب متعرجة، هبطنا وارتفعنا في ارتجاج مقلق. تشبث نور بعجلة القيادة في صراع مجهد، لا يكف لسانه أثناءها عن الاستغفار. أغمضت عيني للحظات، أحسب أنها مرت كعمر طويل، طاف برأسي شريط الذكريات، لكنني هربت منه سريعاً، لم أشعر إلا وصاحبنا يلمس يدي: وصلنا يا الحبيب.
***
ورقة من موال الوجع
اقتحمت القوات العراقية الحدود، واحتلت الكويت، استباح الأخ حمى أخيه، استيقظت الدنيا على غبار آلة القتل، تهرس، وتريق الدم رخيصا، استيقظت قريتنا على الفاجعة، بدى الصباح على غير عادته ملتهبا، برزت شمس أغسطس ناشبة أظفارها؛ تنهش كل ما تحط عليه،الغيطان الخضراء بدت هزيلة، سكنت أعواد الذرة وشجيرات القطن في سكرة المغشيّ عليه، تراص اليمام فوق أشجار الصفصاف حزينا، يردد لحنه في وجوم، حتى الغربان تكاثفت تنعق مهتاجة،فاحت رائحة الزفارة، هبت ريح حارة تحمل في جوفها الموت، تلاحقت الأنباء مربكة،اضطربت البيوت محملة بأوجاع البعاد،جلس العجائز أمام الأعتاب في بؤس، تظلل وجوههم قتامة، تشق الحلوق آهات حادة كأنصال الخناجر، ففي كل بيت مهاجر، سافر يتعقب لقمة عيشه، زعق الراديو الوحيد في شارعنا،جاء صوت المذيع رخيما، يقطع الجمل في تأس،يعدد مشاهدة المأساة، يصف طوابير المشردين، ويؤكد دور مصر أم العرب،ودعوتها للاصطفاف لجانب أصحاب الحق، في كل دقيقة يهتف عجوز بصوت يشرخه الألم: متى يتحد العرب ؟،وصل رجل البريد، تراءى من بعيد يهتز جسده الممتلئ فوق دراجته الأطلس السوداء، يمرر يده بمنديل محلاوي أحمر فوق وجهه المكتنز في احمرار، تقاطر الجميع خلفه في طابور طويل لبيت شيخ البلد، تصاعدت همهمة، يتقلب الأهالي على جمر الفزع، لا يزال الرجل ينتح خيوط العرق المتراكمة حول ثنايا رقبته، عاجلهم، مُغضَّن الجبين: خير يا جماعة فيه إيه، شوية هوا الدنيا صهد،عندها لم يجد شيخ البلد من بُدٍّ، غير أن يتخلى عن وقاره، زعق بصوت مجلجل، ابتعد الناس في تذمر، تناول البوسطجي الجريدة من مخلاته، فردها بيد معروقة في تأنٍ، بلل أصابعه من لعابه، شرع بيد مرتجفة في قراءته لتفاصيل الغزو بصوت متكسر، تعلوه نبرة الألم، اقترب منه شيخ البلد بوجهه الغليظ، أخذ من الهواء نفسا طويلا،اكتظت الجريدة بمشاهد الفارين من جحيم الحرب، نساء وأطفال شيوخ تتجمد الدموع في مآقيهم، يطوف الخوف بملامحهم، افترشوا الحدود، جهر البوسطجي بقراءة متأنية للعناوين: كارثة عربية مفزعة، مبارك يتصل بأمير الكويت وفهد لبحث الأزمة، فجأة انفجر نحيب مكتوم لامرأة أربعينية، قالت بصوت يقطر مرارة: وماذا عن زوجي، إنه في الكرادة،لم يحفل بها أحد، تلهى صغيرا كانت تحمله بحجرها، بصدر أعجف يمتصه في إعياء، اقتربت مسنة متهدمة، نظرت إليهم بعين تائهة، قالت والخيبة تملأ نفسها: عبدالله ابني في البصرة، ألقى الرجل بالصحيفة، عاد يمرر منديله فوق جبهته مشمئزا، خيَّم على المكان صمت قاتل، تسللت نسمات هادئة من أنفاس الصيف، كسرت حرارة الشمس ولهيبها المستعر، لم يتوقف الراديو عن إذاعة البيانات الرسمية تسرد معاناة النازحين، لكنها لم تذكر شيئا عن عبدالله، في المساء يفترش الناس الدروب، يلهثون خلف بصيص الأمل، كثرت الأقاويل،تفجرت الشكوى، وذاع الخبر، لقد قتل صدام المصريين لتعاطفهم مع الكويت، عندها ألهب الرجال ظهور الركائب، يجوبون القرى، يسألوا العائدين، امتلأت البيوت بالصحف، تعود الناس السهر حتى الفجر، تشابهت الليالي، شاخت المصابيح وتهدلت أنوارها، تكاثفت طبقات الظلام، اختلطت أصوات البكاء، وتزاحم صراخ الصغار، وفاضت الأفواه بمرارة الخوف.
تغافل الناس عن سخافات موظف الري،وإتاوته التي فرضها،ونوبات الري البعيدة، عن ارتفاع أسعار السماد، عن الذئب الغريب الذي عاد ثانية يهاجم المواشي وقت الظهيرة، بمرور الوقت أصبح حديث العائدين شيئا يبعث على التسلية، الوحيد القادر على أن يخفف من أنفاس الركود المميت في الحقول، حتى نهنهة العجائز ملتها الآذان، أصبحت ضجيجا أجوفا كالطبل،أما الراديو فلا تزيد كلماته عن الخذلان، عن الآمال المعلقة بالعودة للديار، بعد مدة عاد محروس كان أول العائدين، ظهر متعب الأعصاب، منهوك القوى،أقرب للأموات منه للأحياء، تائها لا تستقر نفسه على قرار، تفيض أحاديثه حرقة، عن الدمار، الشتات، عن المدن التي التهمها الخراب، بعدها بأسابيع رجع البقية؛ يحملون في صدورهم الانكسار، وفي أيديهم حقائب مهترئة، هي كل ما تبقى لهم من غربتهم.
***
الأرنب الجائع
في هذه المدينة الأشياء مثيرة للخيال، تحمل واجهات المحال عناوين جذابة، بعضها طريف، يثير الدهشة، ويلهب الدعابة، والآخر يحتاج الصبر لفك طلاسمه، هنا تنتشر المطاعم، تتنوع لتفي بأذواق روادها من الجنسيات العربية والأسيوية، فلكل طبقه المفضل، كانت إجابة سيد سيلسيون الموجزة عند سؤاله: وفيما ينفق الخلق رواتبهم وانفجر في ضحكة مشروخة، يخيل إليّ أن رائحة الطبخ معلقة بمعالم المدينة، الهواء، المباني، الطرقات، حتى وجوه المارة، تشعر به مصطبغا بالشفاه، ملطخة به الشوارب، يخالط العرق، تنز به الملابس، في الحدائق العامة لا يخلو شبر، تتناثر بقايا الطعام فوق العشب الأخضر، عظام الدجاج، فتات الخبز اليابس، رغوة الطبيخ بألوانها الفاقعة، الأرز، علب الفلين تعبث بها الريح تتخطفها القطط من حول صناديق القمامة.
في صباح صيف حار، تلوت خيوط الرطوبة في لزوجة بالفضاء كالثعابين، أيقطني رنين هاتفي، رنة مريضة لهاتف قديم، تشبه عواء كلب عجوز، حاولت اسكاته لكني فشلت، على الطرف المقابل رد صوت ذابل، شخص يغالب النعاس، بدون مقدمات: انتظرك عند الأرنب الجائع، أبديت موافقة على كلامه بهزة من رأسي، لكن ابتسامة غلبت على شفتيَّ الأرنب الجائع، تساءلت مستنكرا، سريعا لملم النعاس نفسه من الرأس المثقل، تلاشت خيوطه، انتزعت نفسي من الفراش، كانت تباشير النهار قد ظهرت تتراقص فوق الحيطان في إغواء، رائحة الرطوبة العطنة تتضاعف، تلاحقت أنفاسي ثقيلة في اختناق مأزوم، أخذتني الرجفة، ولكن شقاء العيش اطفأ تلك الثورة في صدري، وفوق الدرج عاودني صوت صاحبنا في نعاسه الأرنب الجائع، في الشارع كانت الشمس قد اطلقت سهامها الحارة، نصبت عذابها على الأرض وفوق الرؤوس، هاتفت الرجل: وما الأرنب الجائع إن شاء الله؟!، انفجر يتكلم بأنفاس متقطعة: الأرنب الجائع مطعم بجوار الجسر المعلق، لحظة وهبت في أنفي رائحة الطبخ، خليط من التوابل، البصل المحمر، التقلية المصرية وأشياء أخرى، فركت أنفي متوترا، التهب حلقي بفقاقيع حامية نبتت فيه، على بعد أمتار، استوقفت أسويا شاحب الوجه اسأله،: الأرنب الجائع، أشار بيده بعد أن طبق حاجبيه وشَخص ببصره بعيدا في تجاهل، ظهرت اليافطة، وظهر الأرنب مرسوما بشكل مضحك ومعه صاحبي يواري وجهه خلف قطعة الكرتون، لونه أغبر، ومنظره كئيب، ينهال عليّ بالتقريع، وفي المساء ارتميت في أحضان الفراش، أُلقيّ إلى النعاس قيادي، لكن عددا من الخواطر يتملَّكني، لماذا الأرنب، ولماذا هو جائع؟، ظللت مُعذّب بهذا الخاطر حتى داهمتني رسل النوم، لأجدني وسط غلالة باهتة من ضوء هزيل، انفجر جدار هزيل عن سيل من أبيض الأرانب، صوبت نظرها إليَّن نفذت تلك النظرات الجائعة لقلبي، لحظتها ارتج عليَّ فلم انطق، زحفت نحوي وقد برزت أنيابها ناشبة، تمضغ الهواء، عندها سقط قلبي في قدميَّ، جاهدت طويلا عليَّ أجد مخرجا لهذه الورطة، تضرعت إليها في استجداء، تسيل دموعي في صمت، لم ينقذني غير صوت قادم من بعيد لأرنب ضخم، تقدم في كبرياء وبلهجة آمرة، ورنة الغيظ في صوته، قال: ابتعدوا عنه، لينشق الجدار ويعودوا من حيث أتوا، انتبهت على صوت المؤذن يؤذن للصلاة، ارتخت دهشتي، وشفتايّ تختلجان أردد من ورائه.





