د. شهيرة لاشين
في أحد الأيام، أثناء عودتي من السوق وأكياس الخضار تتدلى من يدي، داهمني شعور غريب بأنني أعيش في جسد امرأة أخرى. ولأن الشعور كان حقيقيًّا على نحوٍ مربك، توقفت في منتصف الطريق ورفعت رأسي إلى السماء. كانت الشمس ساطعة، ولها عينان ماكرتان تحدقان مباشرةً في عينيَّ، كأنها تعرف أنني أدرك هذا منذ سنوات، وعاملة نفسي عبيطة.
بدت كأنها تدعوني إلى لعبة من يرمش أولًا يخسر. كدت أعتذر لها، فالوقت غير مناسب، وأطفالي ينتظرونني في البيت. لكنها لم تترك لي فرصة، وقالت: “عيني في عينك”. عندها أطلت من داخلي نساء كثيرات، قبِلنَ التحدي نيابةً عني، وانتصرن عليها. يا إلهي، هل يُعقل أن أكون أنا، ومعي نساء أخريات، نتقاسم الجسد نفسه؟
لا بد أن منظري كان يثير الضحك؛ امرأة منتفخة كالبالون، تقف في منتصف الطريق وتلعب مع الشمس. يبدو أن الكتابة قد أفسدت عقلي، قلتُ، وتمنيت ألا يعرف أحد غيري بما جرى. ومضيت.
كان ذلك في منتصف أكتوبر من عام 2024. قبلها بأشهر قليلة كنت قد فزت بجائزة الشارقة للإبداع العربي، وناقشت رسالة الدكتوراه. يقولون إن ضربتين على الرأس توجع، لكن ليس إلى الدرجة التي تزحزحني عن جسدي، أو تجعل نساءً أخريات يزاحمنني فيه.
حين تأملت وجهي في مرآة السيارة، في طريق العودة إلى البيت، بدا لي مألوفًا أعرفه جيدًا، ومع ذلك لم أشعر أنه وجهي. نظرت من النافذة وأنا أفكر في هذا الجسد، وفي تلك التي تتصدر المشهد دائمًا؛ ربة المنزل الشاطرة التي أكونها، السيدة التي تدير الداخل، توزع الأوامر، تمنح وتمنع. كيف تستطيع أن تحاصرني أحيانًا، وأن تتحالف معي أحيانًا أخرى، تعرف ما أريد، وتختار اللحظة التي تسمح لي فيها بالأخذ. اجتاحتني رغبة عارمة في أن أضربها، أن أقول لها يكفي ما مضى من سنوات كنتِ فيها صاحبة القرار. دعي المساحة لي الآن، فما تبقى أقل مما انقضى، أو أكثر بقليل.
أربعون عامًا مباركة مرت من عمري. أستطيع أن أرى أن كل عقد منها حمل نسخة مختلفة مني؛ نسخة لا تشبه الأخرى في التفكير ولا في نظرتها إلى العالم. غير أن خيطًا واحدًا ظل يجمع تلك النسخ جميعًا، شيئًا لم يتبدل قط، وهو الكتابة. كانت الكتابة في كل وقت فعل حياة، وفعل نجاة، ومحاولة متجددة لإعادة ترتيب العالم، ليغدو أخف وقعًا وأقل وطأة.
ارتبطت الكتابة عندي منذ البداية بالفقد. الفقد، تلك المفردة السحرية العجيبة التي تمنح أكثر مما تأخذ، وتضعك في مسار جديد كليًّا، طريق أخضر لم تكن لتعرفه لولاه.
منذ أن توفيت جدتي-كنت في الثانية عشرة من عمري- وكانت روحي فيها، والداعم الأول والأساسي في تكويني وفي رؤيتي للحياة، ولأنني وُلدت بعيبٍ لا أعرف كنهه، يجعل دمعتي جافة عند الموت، لم أبكِ، واتخذتُ من الكتابة طريقًا أذهب منه إليها. كتبت لها رسائل، كنت أتركها بجوار المقبرة في كل زيارة، كي تحملها الملائكة إليها، وأفرح حين لا أجدها مكانها في الزيارة التالية.
في تلك النسخة مني، والنسخة التي تلتها، كانت لدي أفكار كثيرة تصلح للكتابة، ولم أكن أستطيع التعبير عنها. كانت ثمة صعوبة حقيقية في إخراجها كما هي في رأسي إلى الورق. تخيل أن تمتلئ رأسك بفكرة تكفي كتابًا كاملًا، ثم لا تعرف أن تكتب منها سوى سطر أو سطرين. كان ذلك محبطًا جدًا بالنسبة لي، ولا سيما أن الأفكار لا تكف عن التكاثر، حتى صار لدي فائض من الأفكار غير المستعملة.
ربما كان هذا ما دفعني إلى اختيار الشعر شكلًا كتابيًّا في البداية؛ كلمات قليلة تكفي لصنع قصيدة جيدة، وهو ما كنت أعرفه وأجيده حقًّا. أول ما نُشر لي، وأنا في المرحلة الثانوية، كان في جريدة «الأهرام المسائي». أتذكر اسمي وصورتي وعنوان بيتنا مكتوبًا بوضوح إلى جوار القصيدة، بدا الأمر احتفالًا مبكرًا كأنه دعوة مفتوحة للحياة كي تطرق بابي. ثم صار أبي يتسلم جوابات المراسلة نيابةً عني، ويخفيها في سابع أرض، حتى لا ينفتح قلبي على ذلك العالم الغريب عنا.
لم أفهم وقتها أكان يفعل ذلك خوفًا عليَّ أم خوفًا مني. ربما خشي أن تكبر قصيدتي أكثر مما ينبغي، وأن يتسع حلمي بما لا يحتمله سقف بيتنا. وربما خاف من عالم لا يعرفه، فتخيله كالحدأة سيخطف ابنته بعيدًا.
هكذا تعلمتُ مبكرًا أن للكتابة بابين؛ بابًا يُفتح على السماء الواسعة من تلقاء نفسه، وبابًا يُغلق بحرص شديد خوفًا من لصوص مجهولين، دائمًا هناك لصوص مجهولون، ودائمًا هناك خوف. وأن الشعر رغم رقته، يمكن أن يكون حدثًا يقلق العائلة بقدر ما يفرحني.
لم ينظم الشعر الفوضى كاملةً، لكنه منحها شكلًا يمكن احتماله. تولد القصيدة فتقضي على ما عداها وتحل محله، أو تموت الأفكار بفعل الإهمال، فتتراكم جثثها في الداخل، ويزورني أرقٌ طويل، فأصير كأنني حارسة قبور أرعى الموتى وأُكفّر عن سيئاتي بالعمل المتواصل في الدفن. كل شيءٍ يصير بخير حين أكتب نصًّا جديدًا، أي نص؛ المهم أن يسحب شيء من الداخل إلى الخارج، حتى لو خرج مثقلًا بالركاكة.
وهكذا مضت الحياة كما قدر لها أن تكون. توقفت تمامًا عن الكتابة في مرحلةٍ ما، في نسخة كانت الأقوى بين نسخي جميعًا؛ قويةً إلى درجة أنها تعلمت التعايش مع الضجيج، وتجاهل زنّ الكتابة، ذلك الهمس المُلحّ الذي كان يطاردني طوال اليوم، حتى يُطبقَ النوم جفوني.
رغم مكابرتي، كان الأمر يوشك أن يدفعني إلى الجنون، خصوصًا بعدما تحولت تلك الأفكار إلى وحشٍ عملاق يكبر كل يوم، بينما تتضاءل بنيتي إلى جواره. كاد أن يبتلعني فعلًا، لولا أنني، بالصدفة، فتحتُ دفترًا كنت أسجل فيه طلبات البيت ومواعيد الزيارات العائلية، ووجدتُ في نهايته قصيدةً كتبتها منذ زمن. شعرتُ كم هي وحيدة وبائسة، وكان لا بد من كتابة أخرى تسلّي وحدتها، وأخرى لتلعب معهما، وأخرى لتعلمهن الرقص والغناء، وأخرى وأخرى حتى امتلأ الدفتر.
بدأت أكتب من جديد؛ أكتب بغزارة، بنهم من يحاول أن يشبع بعد جوع طويل، أو من يهرب من غرق وشيك. عدتُ إلى الكتابة بدافع النجاة، وعندها صرنا صديقتين؛ أحاورها وتحاورني.
في الشعر أكتب ما أشعر به. الشعر، في الأساس، أسهل أنواع الكتابة بالنسبة لي، لأنه فعلٌ لحظي أختاره بإرادتي، وأُقبل عليه بدافع المتعة، وبرغبة صادقة في تهذيب الوحش الذي يرافقني. الشعر فعل شعوري بالدرجة الأولى، غالبًا ما تُكتب القصيدة في جلسة واحدة، يحتاج فقط إلى إصغاء عميق لما يدور في الداخل، ووعيٍ لما يدور بالخارج، واستعداد لمواجهة ما تخشاه دون وسطاء أو أقنعة.
في الشعر، تبقى أنت وحدك أمام صوتك. قد يأتي وأنت مطمئن، وقد يفاجئك وأنت منكسر؛ ليفتح عينًا تبكي بدلًا منك، أو يعثر على يدٍ تربت على كتفك، وظهرٍ يسند ارتباكك. الشعر لحظة مواجهة صادقة، مساحة أختصر فيها الحياة، أضع قلقي ومخاوفي على الورق وأمضي خفيفة.
رغم ذلك، ظل دائمًا ثمَّة عطشٌ قديم للحكي، رغبة لا تهدأ في تتبع الخيوط، في الإصغاء إلى التفاصيل الصغيرة وهي تنمو وتتشابك حتى تصير حكاية. كان الشعر يلامس هذا الشغف، يضيئه لحظةً، لكنه لا يفتح الطريق طويلًا أمام السرد الممتد، ولا يمنحني اتساع النفس الذي تحتاجه الحكايات.
كان داخلي أشبه بنهر يبحث عن مجراه الكامل؛ يتجمع، يتكاثف، يضغط على ضفافه، وحين لا يجد الاتساع الكافي يعود مرتدًا إلى نفسه. إلى أن جاءت الرواية، ففتحت المجرى دفعةً واحدة، وانطلقت المياه مطمئنة إلى امتدادها. هناك حملت مراكبي كل ما أحب؛ الشعر بنبرته، والموسيقى بإيقاعها، والحكايات الشعبية بذاكرتها، والسينما بصورها، والمسرح بحركته، وكل ما استطعت أن أضمه من فنون أخرى.
منحتني الرواية ما لم يمنحنيه الشعر من مساحة واسعة، وقدرة على خلق عوالم كاملة بشخوصها وأحداثها وتعقيداتها. هي أرض خضراء تحتاج إلى حرثٍ مستمر، وتنظيف دائم من الحشائش، وريٍّ منتظم، ومراقبة دقيقة حتى يكتمل المحصول وينضج.
في الشعر، أعمل بالشوكة والسكينة، مرتديةً ملابس رسمية وأنيقة، كل شيء يبدو مصقولًا ومهذبًا. أما في السرد، ذلك العمل الشاق الذي يتطلب اتساخ اليدين، فأنا فلاحة تزرع الرواية وتنتظر حصادها. الرواية فن الانتظار، ومتعتها الحقيقية تكمن في المسافة بين البذرة والثمرة، بين الفكرة الأولى والعالم الذي ينهض منها.
هناك متعة مختلفة، متعة لذة الخلق الكاملة، التي لا تمنحها القصيدة وحدها. أن تُوجِد عالمًا كاملًا، تمنحه النفس الأول، وترعاه وهو يكبر بين يديك، ثم تراه يشق طريقه بعيدًا عنك، يصنع قواعده الخاصة، ويختبر خياراته، ويعيش على نحو غير متوقع، حتى يغدو خارج سيطرتك. تقف عندها مراقبًا ومندهشًا من القوة الغامرة لما صنعت يداك، وتلك هي قمة المتعة.
الرواية تشغلك على نحو لا يترك لك مساحة للانصراف عنها. تسكنك كما تسكنها. تشعر بحاجتك إلى يقظة دائمة، وحساسية عالية لكل خيار تتخذه شخصياتك، وتدرك أن عليك التعايش مع مفاجآتها، حتى تلك اللحظات التي تتجاوز إرادتك.
كل ما دفنتُه في الشعر عاد مع الرواية. صرت حفَّارة قبور، أنبش مقابري بيدي، أستخرج الأفكار من توابيتها، أرشها بالماء وأضعها تحت الشمس، فتعود إليها الحياة.
أدركت مع الوقت أن الكتابة تلد كتابة، وأن الفكرة تسلم أخرى، كأنني في عملٍ متواصل. حين كتبتُ الشعر، قادني بعد سنوات إلى القصة، وحين كتبتُ القصة، قادتني مباشرة إلى الرواية. وبين هذا كله، علمتني دراستي الأكاديمية النظام وترتيب الأفكار حتى صار ذلك جزءًا من طبيعتي، وهو ما يلزم أعتقد لكتابة مقال نقدي أو ثقافي جيد. فحين أقرأ نصًا، أنصت إليه، أفككه وأُعيد تركيبه، وبالتالي تتشكل أسئلته ومحاوره تلقائيًّا. ومن دون جهدٍ ظاهر، أجد نفسي أكتب المقال استنادًا إلى هذه النقاط التي استقرت في ذهني أثناء القراءة.
هكذا صار كل شكلٍ كتبته، وكل مجال درسته، مفتاحًا لبابٍ آخر. وكلما أخلصت للكتابة، وجدتها تفتح لي أبوابها، وتسلمني مفاتيحها، وتدلني على الطريق الذي أجد فيه ذاتي وأطمئن إليه.










