زهرة واحدة في بستان الحي

سامح قاسم

في التسعينيات كنت أراها من بعيد في أتيليه القاهرة، هادئة ووديعة ككل الذين أتوا إلى هذا العالم ولم يتقنوا لغته. بعد سنوات طويلة التقينا في مكان ما قريب من منزل نجيب محفوظ، تحدثنا كثيراً عن الحياة وأفعالها، والغربة ومتاهاتها، والشعر الذي لا يزال غريباً يبحث له عن وطن في قلوب الذين يحاولون أن يروا العالم بخير.

كانت الشاعرة زهرة يسري تشبه قصائدها إلى حد بعيد؛ حضور خافت يترك أثراً عميقاً، وكلمات تبدو كأنها خرجت لتوها من دفتر شخصي ظل مفتوحاً على الريح سنوات طويلة. من النادر أن تصادف كاتباً لا يحاول أن يسبق صوته خطواته، ولا يسعى إلى إقناع العالم بنفسه. زهرة تنتمي إلى ذلك النوع النادر من الشعراء والكتاب الذين يتركون لأعمالهم مهمة الكلام عنهم.

خلال حديثنا شعرت أن السنوات لا تفعل شيئاً أمام الأرواح التي تعرف كيف تحتفظ بنقائها. كانت تتحدث عن المدن كما يتحدث المرء عن أصدقاء غابوا ولم يغادروا تماماً، وعن القاهرة تلك الجميلة المُتعبة التي تحاول رغم القبح أن تقف على قدميها، وعن فرنسا التي أقامت فيها زمناً طويلاً دون أن تنجح المسافات في اقتلاع جذورها الأولى. كانت تعرف أن الوطن قد يتحول إلى كتاب، وأن الشوارع يمكن أن تعيش في جملة شعرية كما تعيش على الخرائط.

تذكرت وأنا أستمع إليها جيلاً كاملاً من الشعراء والكتاب الذين مروا في أتيليه القاهرة حاملين أحلامهم الصغيرة، قبل أن تبتلعهم الأيام في اتجاهات متباعدة. بعضهم غاب، وبعضهم اختار العزلة، وبعضهم ما زال يواصل الكتابة كمن يشعل مصباحاً في آخر الليل لأشخاص لا يعرف أسماءهم. وكانت زهرة واحدة من أولئك الذين ظلوا أوفياء لذلك المصباح.

ما يلفتني في تجربتها أن الشعر عندها يأتي من التفاصيل التي يعبرها الآخرون دون انتباه. من الأحداث والمواقف العابرة، ومن رقة القلب وبراءته، ومن تلك اللحظات التي تبدو عادية ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تصنع حياتنا كلها. ربما لهذا كله تسكن قصائدها قريباً من القارئ، فهي كما تكتب عن نفسها، تكتب أيضاً عن ذلك الجزء الخفي في كل واحد منا.

حين افترقنا بعد ذلك اللقاء شعرت أنني لم ألتق شاعرة أعرفها وأحب نصوصها، لكني التقيت إنسانة حافظت على قدرتها النادرة في النظر إلى العالم من دون أحكام مسبقة، ومن دون رغبة في الانتصار عليه. وهذا في أيامنا تلك فضيلة كبيرة.

أحياناً أفكر أن أجمل ما يتركه الشعر فينا ليس القصائد وحدها، بل تلك الأرواح التي تعبر حياتنا بهدوء، فتجعل العالم أقل قسوة مما يبدو. وكانت زهرة يسري، بالنسبة لي، واحدة من تلك الأرواح.

سامح قاسم

35 مقال
شاعر وفنان تشكيلي مصري. من أعماله: كتاب الوهم والحقيقة، شعر، دار روافد. ميل إلى السعادة، دار روافد

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع