حاوره: صبري الموجي
برغم عزوفه عن الظهور في شتّى وسائل الإعلام؛ بحجة أنَّ بالفم ماء بخصوص الشأن الثقافي، إلا أنه رحّب بحواري معه؛ جبرا لخاطري بعد إلحاح من جهة، وثانيا وهو الأهم؛ تقديرا لقيمة الأهرام الثقافية والفكرية.
يَدين لجدّته لأمه (الأميّة) بفضل التربية والتوجيه، فطالما نفثت في روعه ضرورة أن يكون رجلا بمعنى الكلمة.
يُطالِب بمنح المثقف مناخا واسعا من الحرية ليصدح بآرائه دون قمع أو مُصادَرة. يرى أنَّ الالتزام في الأدب هو مكوناتُ مبدع، وليس رأي ناقد. ينتصر للفصحى دون أن يغمط العامية حقَّها، ويؤكد أنَّ الشعر كان ومازال وسيظل أمير الإبداع.
يؤكد فضل القرآن ثم أساتذة معهد المحلة الديني، وعمالقة دار العلوم في استقامة لسانه.. مع الشاعر الأكاديمي د. شعبان صلاح – أستاذ النحو والصرف والعروض بجامعة القاهرة، وكيل كلية دار العلوم الأسبق، صاحب المصنفات العديدة، والتحقيقات البديعة، يجري هذا الحوار.
تُطالعنا الكتب بأنِّه كانت هناك علاقة بين المثقف والسياسة لكنها تلاشت مؤخرا .. ما هي الأسباب من وجهة نظرك وكيف يمكن تجسير هذه العلاقة من جديد؟
سؤال شديد الوقع، كثيرُ الكلمات والجمل، وإجابتُه في مفردة واحدة لو تحققت، وهي(الحرية) امنح المثقف مناخا صحيا يطلق فيه آراءه دون رقيب، ويأمن بعد إطلاقها على نفسه وأهله وماله، ولا تترك مجهوده تذروه رياح الإهمال كأنه ليس موجودا ولم يقل شيئا، تَنْمُ هذه العلاقة وتزدهر، وبنمائها وازدهارها ينمو المجتمع الثقافي ويسمو.
الالتزام في الأدب قضية مثار اشتباك بين المبدع والناقد .. فيراها المبدع عوائق في طريق الإبداع ويعتبرها الناقدُ منارات طريق؟
الالتزام – في رأيي المتواضع – مكونات مبدع، لا رأي ناقد؛ فالقارُّ في الذهن الجمعي أن الأديب لا يقبل وصاية أحد على إبداعه، وبعض النقاد يرون أنفسهم أوصياء على القيم الأدبية وغيرها، وما هكذا تكون العلاقة.
فللمبدع حرية أن يقول محكوما بمكوناته التربوية في أسرته ومدرسته وجامعته ومجمل ثقافته وتقاليد مجتمعه الأدبي، على ألا يقول ما يخجل أن يُعرف عنه بين أهله وأبنائه وأحفاده وجيرانه، فيفقد القيمة، ويغدو أدبه نوعا من إفساد الذوق والحط من القيم النبيلة.
وللناقد أن يقرأ النص في ضوء المناخ الثقافي وقيم المجتمع الأخلاقية والأدبية، فلا يُلام على وجهة نظره ما دامت محايدة، فهذا حقه وتلك مهمته. ويبقى الودُّ بين المبدع والناقد هو المحصلة النهائية ليصحّ المناخ الأدبي ويطهر من التحزبات والانقسامات.
والأهم من كلّ ما سبق أن يوجد المبدع الحق، ويظهر الناقد الأصيل، فكما يقول المثل العامي: ” مش كل من ركب الفرس ينقال عليه: خَيّال، ولا كل من له شنَب ينقال عليه: راجل”.
التحقتَ بدار العلوم في زمن العمالقة ونهلت من معين ثر في طريقه الآن للجفاف .. برأيك كيف تستعيد الدار مجدها ؟
سؤال يُثير الأشجان، ويبعث على الانقباض؛ فدار العلوم مؤسسة علمية كبرى في مجتمع علمي أكبر، فإذا أريد لها أن تستعيد سابق عهدها فلا بد أن يكون المجتمع العلمي حولها صحيحا معافى يمدها بما يحافظ على ازدهارها، ويكون لدى أبنائها والقائمين عليها حَمِيّة الانتماء لمعهدهم، وحرصهم على شخصيته العلمية التي تكونت على مدار أكثر من قرن ونصف القرن من الزمان.
إذا تحقق هذان العنصران صحّت الدار وعادت لسابق عهدها، وإلا فلها ولنا الله.
مسألة التحقيق يظنُّها البعض قنصا سهلا للحصول على شهادات أكاديمية .. فبرأيك أيهما أشقّ على الباحث التأليف أم التحقيق؟
دعنا أولا نمهد لإجابتنا بإيضاح مفهومنا للتحقيق الذي ظُلم ممن لم يقدره حقّ قدره، ثم نعرج على التأليف، فيستنتج القارئ الإجابة من كلامنا دون عناء. التحقيق في لبابه: إظهار النص في الصورة التي أراده عليها مؤلفه، أو في صورة أقرب ما تكون إلى مراده.
أمّا ما يُضاف إلى نصّ المؤلف من حواش شارحة، أو آراء موضحة، فيدخل كلّ ذلك في باب خدمة النص، فليس من صلب التحقيق، وإن لم يكن عنه غناء.
ولكي يصل الباحث إلى هذه الدرجة التي يسيطر فيها على موضوع النص يجب أن يكون واعيا بمجاله؛ فلا يحقق في الطب – مثلا – إلا من درسه، ولا يطرق باب التحقيق في اللغة إلا واعٍ بجوانبها المتعددة من أصوات ومعجم وصرف ونحو وعروض وبلاغة، وكل ما يلزم للسيطرة على النص حتى يقيمه حق الإقامة.
إذا تسلح المحقق بأسلحته المناسبة، وذاك يتطلب منه عمرا وجهدا وتجارب، كان كمن مهّد طريق سيره إلى هدفه قبل أن يبدأ المشي فيه، فيكون طريقه سَلْكا، وغايته معروفة، ومجهوده مقدَّرا، ونجاحه مضمونا في عمله الذي يباشره، وفي غيره مما يكون في خطته المقبلة.
أما التأليف فكلّ موضوع من موضوعات البحث فيه تجربة خاصة يخوضها الباحث؛ يعرف فيها بداية الطريق لا شك، أما متاعب الرحلة ومداها الزمني فيرجعان إلى عزيمة الباحث، ورصيده العلمي، وحسن تأَتّيه، وقدرته على تخطي عقبات الطريق، والتخلص مما يحيط به من مثبطات، حتى يصل إلى منتهى غايته، فيحمد الله على ما انتهى إليه من نتاج، ثم يتكرر مجهوده هذا في كل موضوع جديد يطرقه.
من أجل كلّ ما سبق اتُّهم التحقيق بأنه أسهل من التأليف وأيسر، وساعد على هذا الاتهام بعض التجارب غير الناضجة ممن امتطوا جواد التحقيق دون إعداد جيد، فكبا بهم جوادُهم، فأنتجوا غثاء، وأفرزوا هواء.
ولا يعني هذا أن كل البحوث المنجَزة تحمل شعار الجودة، ولا يرقى إليها الطعن، ففي بعضها ما هو معطوب سيطر على إنجازه التسرع، وفشا فيه النقل، وتغلبت عليه التبعية، فالأهم في المجالين هو مدى جودة المنتَج، وهذا هو الفيصل الحق.
قصائد د. شعبان صلاح تأتي استجابة لربة الشعر أم أنها تخضع لطقوس ومنهج؟
قصائدي – إن صح أن يُطلق عليها هذا الوصف – إنما هي تسجيلٌ منظوم لبعض محطات عمري الفائت بما فيه من تقلبات، وما اعتراه من صعود وهبوط، وما عشت فيه من أفراح وأتراح، ولذا لا أعدُّ نفسي بين الشعراء، ولكني أثق أني من متذوقي الشعر والمهتمين به.
الفصحى والعامية قضية نشب بينها اشتباك قديم – جديد .. فإلى أيهما ينتصر د. شعبان صلاح .. وردك على القائلين بامتطاء الوسيلة التي تؤدي للإفهام سواء فصحى أو عامية دون التحيز لأيهما؟
أنتصر للفصحى طبعا، لكني لا أغمط العامية حقها في أن يعبر بها من يشاء عما يشاء ما دام قادرا على الوفاء بمتطلبات الإفهام والإيصال إلى متلقيه، ولا شك أني أعجب ببعض نماذجها.
وانتصاري للفصحى ليس تحزبا للتخصص بقدر ما هو انتماء إلى الوسيلة الأكثر فهما بين كل ناطق بالعربية سواء أكان منتميا للعالم العربي أم منتميا لعالم آخر، لكنه يتقن اللغة الفصيحة.
فاتساع رقعة الفصحى خدمة للغة، وخدمة للثقافة العربية، وخدمة للدين الإسلامي قبل ذلك كله، فكيف لا تكون الفصحى اختياري الأول في ضوء ذلك كله؟!
“بكائية للنغم النافر” .. ماذا تقصد بالنفور .. ولماذا تغلب على قصائدك صيحات الألم؟
لأن الشعر لم يك لديَّ اختيارا أول، ولأنه – في ظل اهتماماتي الاجتماعية والمعيشية والأكاديمية – لم ينل حظه الكافي من عنايتي، صحوت – بعد فوات الأوان – على هجرانه إياي شيئا فشيئا، وتأَبّيه عليَّ حين ألجأ إليه، ونفوره من الاستجابة لي، فسلمت بأني الجاني في حقه، وبكيته مودعا، وقبلت فراقه مرغما.
أمّا لماذا غلبت على ما سطرتُ صيحاتُ الألم فقد سبق أن قلت في إجابة سؤال سابق: إن شعري ترجمة لحياتي، وقد شاء الله أن تكون الآلام عنوان كثير من محطاتها، فنضحت فيما جاد به قلمي.
خارت قوى الشعر على عتبات الإبداع السردي الذي آلت إليه إمارة الإبداع مؤخرا .. برأيك هل يمكن للشعر أن يستعيد بريقه ومجده؟
مقولة أرفضها رفضا قاطعا، ولا أتبنى حرفا من أحرفها، فلا تعني الفتنة بالسير المنتظم الخطوات المحكم الوقع في طابور الكشافة أو استعراض قوات الصاعقة أن يعلو ذلك على نغمات السمفونيات الخالدة، وإن علا صوت الأولَيْن وخفت صوت الأخير.
الشعر أمير الإبداع منذ كان، وسيظل أميره ما نطق به شعراء مجيدون، وحافظ على تقاليده حراس أوفياء وسدنة مخلصون، وما أكثرهم في فضائنا العربي.
وصولك لهذا المستوى المتميز في المجال الإبداعي والأكاديمي وراءه معلم وبدايات .. نود أن تلقي عليهما الضوء؟
أشكرك على حسن ظنك بي، ولكني – دون تواضع كاذب، أو ادعاء زائف – لا أرى نفسي متميزا في هذا ولا في ذاك، وإنما أنا إنسان فرضت عليه ظروفه ألا يفرط في فرصة إثبات ذاته والحفاظ على مقومات وجوده، إذ لو كان قد فرط في هذه الفرصة لبقي مثار شفقة ممن حوله ومحط عطفهم، فهكذا كان أصحاب الهمم يعاملون وقتها في ريفنا المصري الطيب.
والمؤكد أن وسائل الوصول – إلى جانب المكونات الفردية – مهمة جدا في تحقيق ذلك؛ فلقد ظفرت -بعد ما ابتُليتُ به-بالعيش مع جدتي لأمي التي كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، لكنها كانت مثقفة اجتماعيا، فتعلمت منها ما ليس في الكتب؛ من قوة الشخصية، والرضا بما قسم الله، والسعي أيا كانت محصلته، والجهر بالحق أيا كانت نتيجته، وعدم الإذعان للواقع إذا لم يك في الصالح.كما أدين لمن حفظني كتاب الله في كُتاب القرية، ولمن وليه في مراجعة الحفظ، وتعليمي قواعد التجويد برواية حفص عن عاصم، وتطبيق ذلك على القرآن كله ربعا ربعا على مدار عام ونصف العام.
وفي معهد المحلة الكبرى الديني بفرعيه: الإعدادي والثانوي، ظفرت بنخبة من الأساتذة الأجلاء والشيوخ العظماء الذين أحاطوني بمزيد رعايتهم حين رأوني جادا في الطلب، وحريصا على التحصيل، وراغبا في التفوق. ثم اكتمل فضل الله علي بما لقيت في دار العلوم من صفوة العلماء في كل فن من فنون العربية، فنهلت ما يسره الله لي من علم وخلق، حتى اكتمل بنائي أو كاد، فعُددتُ واحدا منهم، وارتُضيتُ مكونا من مكونات الدار.
تلك رحلتي مجملة؛ تحيط بها عناية الله، ويكسوها كرمه، لا فضل لي فيها سوى إحسان السعي، وأما التوفيق فمنحة منه سبحانه وتعالى.
وفي النهاية أقول ما نُسب إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه – حين مُدِح -: “اللهم أنت أعلم بنفسي مني، وأنا أعلم بنفسي منهم. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون”.








