“لعبة االانتظار”.. حلول رمادية للحياة بعيون أنثى الكوكتيل

ayar abd elkareem

محمد الكفراوي

تنطلق رواية “لعبة الانتظار” للكاتبة آيار عبد الكريم من أجواء تبدو مأساوية وإن كانت تنتمي لعالم الطفولة المشوب بالبراءة ومحاولة اكتشاف العالم وما به من مشاعر الوحدة والحزن بسبب الظروف القهرية التي وجدت فيها البطلة “لين” نفسها بعد انفصال أبيها وأمها.

في مدرسة “نوتردام” للراهبات بالمحلة الكبرى، تبدأ حكاية الفتاة “لين” التي تنتظر والدها الطبيب ليأخذها من المدرسة، وفي تلك الأثناء تتردد أصداء جرس انتهاء وردية العمال في مصنع الغزل والنسيج القريب من المدرسة في شارع السبع بنات، وللشارع قصة كما للبطلة قصة أيضا.

في هذه الأثناء تبدأ الراوية، وهي البطلة “لين” نفسها في ابتكار واختراع العديد من الألعاب الذهنية واستعادة الذكريات ورصد تفاصيل مدارس الراهبات وطريقة التربية الصارمة بها والاعتناء بأدق التفاصيل.

الرواية الصادرة عن دار “ببلومانيا” تحمل في مقدمتها أو تصديرها ما يشير إلى تداخل الأصوات وتعدد الراوي ضمن الأحداث، حيث تقول الكاتبة إن هذه الرواية كتبتها أنثى الكوكتيل مرة وكتبتها لين مرة وكتبتها أنا مرة ثالثة. لكن يظل صوت الراوي واحدا طوال الحكايات المتتالية، لتضعنا في مسرح مكشوف أمام الذات الروائية، الكاتبة نفسها، وبطلتها في العمل “لين” وبين الشخصية الفرعية الرمزية الموازية للبطلة والممثلة في الطائر المعروف بـ”أنثى الكوكتيل” والذي يحمل سمات نفسية ودفاعية تعطي انطباعا بأنه يعكس جانبا من الحالة النفسية للبطلة، خصوصا بلون بطنه الرمادي الذي يعبر عن الحيل الدفاعية.

في البداية تطرح الكاتبة فلسفة الانتظار، وما وراء هذه الفلسفة  من معاناة أحيانا خصوصا مع طول مدة الانتظار، فيما تحوي المدة القصيرة للانتظار قوة سحرية تجعلنا نشعر بنشوة ولذة مدهشتين. وفي بداية العمل تطرح الكاتبة أو الراوية هذا السؤال: “هل انتظرت مرغما مجبرا على فعل الانتظار ولو لمرة واحدة طوال حياتك، دورك الرئيسي هو الحفاظ على ثباتك الجسماني والانفعالي؟”، لتجول بالقارئ بعد ذلك بين مفردات وهواجس وعوالم مختلفة لفعل الانتظار نفسه قبل أن تعرج على القصص الدرامية الشيقة التي تضمها الرواية، وتتنوع فضاءاتها بين المدينة “المحلة” وبين قرية يعمل بها والد البطلة لين طبيبا لوحدتها الصحية، وبين مجتمع الجامعة وبين فضاء ثالث هو العاصمة القاهرة بكل ما فيها من زخم ومشاعر متداخلة تشير إلى تناقضات المدينة ومفارقاتها التي لا تنتهي.

تحت عنوان “لعبة المفتاح” تأخذنا البطلة إلى عالم أمها، وذكرياتها معها وهي تطبخ في البيت وتبحث عن شيء ضائع مثل مفتاح المنزل، وتجده لها الطفلة وتعطيه لها كأنها تعطيها مفتاح الحياة، وهنا يتداخل السرد الروائي مع فكرة التداعي الحر عبر الانتقال للحديث عن مفتاح الحياة وما يمثله من رمزية دينية وروحية وحتى من تفسيرات تشير إلى اتحاد الرجل والمرأة والولادة الجديدة، كأن هذا الرمز المصري القديم يحمل شحنة من الدلالات تكفي أزماناً لا نهائية.

 وتتجسد أنثى الكوكتيل في صورة رأتها البطلة مع أمها حين زارتها الأخيرة في المدرسة، وبدأت تبحث في ألوانها وخصوصا اللون الرمادي الذي يزين بطنها، وكذلك سلوكيات هذه الأنثى الميالة إلى فكرة الحلول الرمادية، فأنثى الكوكتيل التي كانت تحتفظ الأم بصورتها في دفتر تحضير دروس الغة الألمانية، وإن كانت تشبه عصفورا صغيرا أو ببغاء، فهي أكثر شبها  إلى حد كبير بأنثى البشر، تعاني وتكابد كي تمر الحياة ولكنها حياة غير مكتملة الأركان، وتشبه البطلة الأمر بحياتها وبالأفلام التسجيلية أو شبه الوثائقية التي تحاول الوصول للحقيقة المطلقة ولكنها تظل ناقصة ولا تعكس إلا جزءا صغيرا وزاوية محدودة من الواقع.

تتوالى الفصول التي تحمل أسماء ألعاب رمزية أو فكرية إن جاز التعبير، ولكن وسط هذه الفصول يظهر فصل بعنوان “صرخة كينونة” تطرح فيه الراوية – البطلة لين جزءا من شعورها بالحزن والتعاسة والوحدة، فعلى الرغم من كراهيته لزوجة أبيها التي رفضت هي وإخوتها أن تحل محل أمهم، وكان وجودها في المنزل منفرا بالنسبة لهم، إلا أن انفصال الأب عن زوجته كرس للفراغ داخل البطلة، خصوصا مع سفر أخيها مازن للدراسة في كلية العلوم بالقاهرة، وانشغال أختها الأكبر فريدة في الثانوية العامة.

ومن الفصول اللافتة أيضا “لعبة الأيدلوجيات المتضاربة” التي تشير إلى أحداث 11 سبتمبر وضرب برجي التجارة العالميين في أمريكا والفرحة الغامرة بهذا الحدث أو بالأحرى الشماتة في أمريكا التي تحالف إسرائيل وتفعل كل الموبقات في الوطن العربي من أجل عيون إسرائيل. وبالتالي كانت فرحة الجموع العربية بهذا الحدث تساوي الفرحة بانكسار شوكة شرطي العالم الذي يفرض سطوته ويوجه قوته لخدمة إسرائيل وأمنها على حساب الحقوق والقضايا العادلة في المنطقة.

لكن في الرواية يأتي هذا الحدث ليكشف عن عالم آخر وبعد جديد في العلاقات بين الشباب، ففريدة سعيدة بالحدث لأن ابنة عمها خديجة لن تتمكن هذا العام من قضاء أجازة الصيف مع صديقتها الإسرائيلية في إسرائيل، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول سر الصداقة بين فتاة عربية مسلمة وفتاة يهودية إسرائيلية وتتعامل الأسرة مع الأمر بطريقة عادية، ما يدعو للدهشة والتساؤل.

وحين تنتقل الراوية لين إلى حياة الجامعة تبحث أيضا عن الحلول الرمادية التي تشبه أنثى الكوكتيل، فرغم دخولها كلية الإعلام لتحقيق حلمها بان تصبح مذيعة مشهورة أو معدة برامج متمكنة إلا أنها تجد نفسها في مجتمع مغلق بالمدينة الجامعية، وفي الجامعة يتم التعامل مع سكان الأقاليم بدونية، كما تجد في الشارع ألفاظا غريبة عليها ونابية وتبدأ في البحث عن معناها مثل “لبؤة” و”مزة” و”شرموطة”، وتذكر بتفصيل واف كيف بحثت عن السر الذي يجعل الناس يطلقون على المرأة اسم أنثى الأسد، لتعرف فيما بعد أن هذه الأنثى تمنح نفسها فورا للأقوى بعد صراع على لقب ملك الغابة، وربما تعاشر أسدين في وقت واحد، وهذه هي طريقتها في التعايش.

وإن كانت الراوية حاولت تجاوز هذه الألفاظ والتعامل مع الأمر في النهاية ولكن تظل في حلقها غصة، وحين تعود إلى بلدها المحلة تفاجأ بعماد صاحب الصوت لجهوري الذي يقود مظاهرة للمطالبة بحقوق عمال شركة الغزل والنسيج، وتتذكر كيف كان عماد يحميها حين يتعرض لها أولاد مرهقين ويحاولون التحرش بها في الشارع ويقوم بحمايتها وتوصيلها إلى المنزل.

تخرج الرواية من الخاص إلى العام بانسيابية وسيولة في الحكي، من أجواء الأسرة والعائلة والعلاقات المعقدة داخلها إلى عالم المدينة بتفاصيله الحميمة ثم عالم القرى بأجوائها الغرائبية العجيبة خصوصا على طفلة صغيرة، ثم العالم الأكثر اتساعا الممتد أفقيا عبر استدعاء ثيمات مصرية قديمة “فرعونية” في الكثير من المواضع، أو عالم الصراع العربي الإسرائيلي والحضور الأمريكي الطاغي في هذا الصراع، ثم عالم العاصمة الذي يموج بعوالم داخلية دقيقة معقدة، لتقدم لنا رواية “لعبة الانتظار” حالة سردية تتماهى مع الأجواء الرمادية والحلول الوسط للتعايش مع الحياة في أقسى صورها.

 

 

 

شاعر مصري صدر له: ـ حلم وردي يرفع الرأس ـ بعد الموتى بقليل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع