السيد الخميسي.. شاعرٌ كان يشبه المدينة وقلبٌ اتسع للجميع

السيد الخميسي

حسن غريب

في صباحات بورسعيد القديمة، حيث تختلط رائحة البحر بصوت الحكايات، كان الشاعر الكبير السيد الخميسي واحدًا من أولئك الذين لا يمرون في الحياة مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا إنسانيًا وأدبيًا يصعب محوه.

لم يكن مجرد شاعر أو روائي أو قامة ثقافية كبيرة، بل كان إنسانًا نادرًا يعرف كيف يمنح الآخرين دفئه دون ضجيج، وكيف يفتح قلبه قبل بيته لكل أديب أو مبدع يزور بورسعيد.

عرفته عن قرب، لا عبر الكتب وحدها، بل عبر المواقف الإنسانية التي تكشف المعدن الحقيقي للإنسان. كان محبًا للأدباء الشباب، منحازًا للكلمة الصادقة، يستقبل الجميع ببشاشته المعهودة، وكأن كل لقاء معه يحمل طابع الأبوة الثقافية والإنسانية معًا.

لم يكن متعالياً، بل كان شديد التواضع، يقترب من الجميع بمحبة خالصة، ويمنح كل كاتب شعورًا بأنه مهم، وأن الكتابة تستحق أن تُصان وتُشجَّع.

كان عاشقًا للرواية كما كان عاشقًا للشعر، يتحدث عنهما بشغف طفل اكتشف العالم لتوه.

وحين يدخل في نقاش أدبي، تشعر أنك أمام مثقف حقيقي يرى الأدب رسالة حياة، لا مجرد نصوص تُكتب ثم تُنسى. كان يؤمن أن الرواية ذاكرة الشعوب، وأن الشعر هو الروح التي تمنح الإنسان قدرته على الاحتمال.

ولأن البحر كان جزءًا من روحه، فقد أحب مدينة العريش حبًا خاصًا.

كان يكثر من زياراته إليها في الصيف، وكأن المدينة تمنحه صفاءً داخليًا لا يجده في مكان آخر. هناك، كانت تجمعنا جلسات طويلة من الحوار حول الأدب والحياة والناس، وكان يتصل بي أحيانًا بشكل استثنائي فقط لأجلس معه، نتناقش حول أعماله أو نستعيد ذكريات الكتابة والرفاق.

كانت تلك المكالمات تحمل دفئًا لا يُنسى، وكأنها امتداد لصوت إنساني يخاف على من يحبهم أكثر مما يخاف على نفسه.

وقف بجواري في ظروف كثيرة، وساندني في أوقات لم يكن فيها أحد حاضرًا.

كان دائم الحرص على تهدئتي، وعلى ألا أنساق وراء الغضب أو ردود الأفعال، ويشدد دائمًا على ألا أفعل ما لا يليق بقيمة الكاتب والإنسان.

كان يرى أن الأديب الحقيقي يجب أن يظل أكبر من الإساءة، وأكثر اتساعًا من الخصومة.

وحين جاء خبر رحيله، شعرت أن شيئًا عميقًا انكسر في داخلي.

بكيت بحرقة حقيقية، لا لأننا فقدنا شاعرًا كبيرًا فقط، بل لأننا فقدنا إنسانًا نادرًا، وصديقًا صادقًا، ووجهًا من الوجوه التي كانت تمنح الحياة شيئًا من الطمأنينة.

ولولا رحيله، ما كتبت شيئًا من هذا أبدًا.

فهو من الرجال الذين كانوا يفضلون الصمت النبيل على المديح، والعمل الحقيقي على الأضواء.

رحم الله الشاعر الكبير السيد الخميسي،

ورحم قلبه الذي ظل مفتوحًا للجميع،

وجعل كل ما قدمه من أدب ومحبة ومواقف إنسانية في ميزان حسناته.

وأبقى اسمه حيًا في ذاكرة بورسعيد، وفي قلوب كل من عرفوه عن قرب.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع