ليلة تأبين الشعر فى بورسعيد

osama kamal

أسامة كمال أبو زيد

لم تكن بورسعيد، فى زمنها الأجمل، تتعامل مع الشعر بوصفه فقرة للترفيه، أو استراحة عابرة بين تصفيقين. كان الشعر فيها أشبه بنداء خفى يخرج من أعماق البحر، فيصعد إلى الأرواح قبل الآذان. وكان الشاعر، مهما اختلف الناس حوله، يحمل شيئا من هيبة حراس الكلمة، أولئك الذين كانوا يحرسون نار المعنى فى مواجهة العتمة.

كنت من الجيل الذى ذهب إلى كلية آداب جامعة القاهرة وهو يظن أن الأدب قدر، لا مهنة، وأن الشعر طريقة لفهم العالم لا وسيلة للصعود داخله. تعلمنا على أيدى أساتذة كبار، لم يكونوا مجرد أكاديميين، بل حراس ذائقة وحملة مشاعل: شوقى ضيف، جابر عصفور، سيد البحراوى، أحمد شمس الدين حجاجى، ومحمد عبد المحسن طه بدر .. وغيرهم ..  كانوا يعلموننا أن الشعر ليس كلاما جميلا، بل محاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من ابتذال العالم.

وحين عدت إلى بورسعيد فى منتصف التسعينيات تقريبا، كان الشعر ما يزال يحتفظ بشىء من مجده القديم. كانت المدينة تنبض بأسماء تعرف كيف تصغى للكلمات قبل أن تنطقها. فى الفصحى كان هناك حامد البلاسى، ومحمد صالح الخولانى، ومحمد يونس، والسيد الخميسى، ومحمد المغربى، وسامح درويش، وصلاح زكريا، ومصطفى اللبان، وأحمد عبد الحميد، وإبراهيم أبو حجه، ومحمد النادى، ثم جاء بعدهم سعد الزكى، ومحمد حافظ، وأحمد السيد. وفى العامية كان كامل عيد، وإبراهيم البانى، ومحمد عبد القادر، وأحمد سليمان، وهشام عبد الجواد، ثم محمد على حجازى، وإبراهيم سكرانة. لم يكن الشعر وقتها يبحث عن جمهور عابر، بل عن قلوب تعرف قيمته.

كانت الأمسيات تقام فى صالون الأربعاء، وعلى خشبات المسرح، وفى قصر ثقافة بورسعيد، وسط جمهور يأتى لينصت لا ليلتقط الصور. وكانت للشعر قدسية لا تسمح بابتذاله أو الزج به فى كل مناسبة. أتذكر كيف كان البعض يتحدث، فى موقف لم أحضره بنفسى، عن رفض شعراء بورسعيد الذهاب إلى مهرجان المربد الشعرى، رغم أنه كان وقتها أهم ملتقى ثقافى وشعرى عربى، ومن أكثر المهرجانات الأدبية هيبة وتأثيرا فى العالم العربى، وذلك احتجاجا على مقتل عدد من المصريين فى ظروف غامضة. كان الشعر وقتها موقفا أخلاقيا، لا مجرد نشاط ثقافى فى جدول مزدحم.

وكان تاريخ الشعراء يؤرخ بأمسياتهم فى أتيليه القاهرة، وبمشاركاتهم فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وبالندوات التى تقام فى المراكز الثقافية الأجنبية؛ المركز الروسى، ومعهد جوته، وجمعية تنمية الثقافة الفرنسية ببورسعيد. كانت الثقافة يومها تبحث عن العمق، لا عن الضجيج.

ثم تغير كل شىء ببطء. تراجع الشعر، وانفض كثير من الناس من حوله، وصار محاصرا داخل دوائر ضيقة من محبيه الحقيقيين. لكن الأخطر لم يكن انصراف الجمهور، بل ظهور من قرروا استثمار الثقافة فى السياسة، وتحويل الفن إلى وسيلة للظهور السريع. وهنا بدأ الشعر يفقد هيبته القديمة، وينزل من عليائه شيئا فشيئا، حتى وصلنا إلى ليلة بدت لى كأنها ليلة تأبين الشعر نفسه فى بورسعيد.

مدينة كانت يوما ملتقى الجنسيات والحالمين، تتحول فيها القصيدة إلى مجرد فقرة داخل حفل تأبين لمطرب كبير، بعد أيام قليلة من رحيله، فى استعجال مرتبك للحاق بالمشهد قبل أن تجرفه الرياح. ورغم قدسية أى تأبين، فإن أكثر ما يؤلم أن منظميه لم يدركوا أن للحزن أيضا نضجه البطىء، وأن الفن الحقيقى يحتاج إلى مسافة كى يتأمل خسارته. حتى المعاهد الموسيقية الكبرى لا تسارع بإقامة حفلات التأبين قبل أن تهدأ الصدمة، ويصير الحزن قابلا للتأمل لا للاستهلاك.

لكن حين تتصدر الثقافة عقلية الباحثين عن الأضواء، يتحول كل شىء إلى ضجيج بلا معنى، وأصوات تتكلم أكثر مما تصغى. ويصبح الشعر، الذى وصفه فريدريش هولدرلين بأنه “لغة الروح حين تعجز الحياة عن الكلام”، مجرد فقرة عابرة فى برنامج مزدحم.

كان أرسطو يرى أن الشعر أكثر فلسفة وعمقا من التاريخ، لأنه لا يروى ما حدث فقط، بل ما يمكن أن يحدث داخل النفس البشرية. أما أدونيس فكان يقول إن الشعر ليس زينة للحياة، بل طريقة أخرى لعيشها. وقال محمود درويش يوما: “الشعر لا يغير العالم، لكنه يغير الذين سيغيرون العالم”. لذلك كان الشعر، فى جوهره، فعلا من أفعال المقاومة ضد القبح والسطحية والنسيان.

أما الآن، فإذا كان الشعر قد نزل بالفعل من عليائه، وتحول الشعراء إلى مجرد فقرات داخل الاحتفالات، فنحن لا نبتعد كثيرا عن اليوم الذى يتحولون فيه إلى جزء من عرض فى السيرك القومى، يتقدمون إلى الخشبة وسط التصفيق، ثم يختفون سريعا، كأنهم لم يكونوا يوما حرسا للروح ولا حماة للمعنى.

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع