حاورته: وفاء حسن
في زمنٍ تتزايد فيه الضغوط، ويتحول الإنسان تدريجيًا إلى آلة تؤدي أدوارها اليومية بلا روح، يخرج الكاتب والجراح كيرلس بهجت من منطقة التنظير المباشر، ليطرح أسئلة أكثر قسوة وصدقًا عن الإنسان، ومشاعره، وعلاقته بالخوف والألم والنجاة. في هذا الحوار مع موقع «الكتابة»، يتحدث كيرلس بهجت عن الجراح الذي يرى التحدي لا الجسد، وعن الكتابة باعتبارها محاولة لفهم النفس لا وعظ الآخرين، كما يكشف رؤيته لفكرة “الرجل المكنة”، ولماذا أصبحت المشاعر في مجتمعاتنا عبئًا يخشاه الناس بدلًا من فهمه.
1- بين غرفة العمليات وملاحظاتك للإنسان في الشارع… متى يتوقف الجراح عن النظر للجسد كحالة طبية، ليبدأ الكاتب في البحث عن المعنى الإنساني وراء الألم؟
أعتقد أن الجراح الحقيقي لا ينظر إلى الجسد باعتباره “حالة طبية” فقط، بل باعتباره تحديًا. الجراح الناجح هو من يتعامل مع كل حالة كاختبار جديد، وكذلك الكاتب الناجح الذي يرى القلم تحديًا آخر: كيف يكتب بوعي أكبر، وفكر أعمق، وشعور إنساني أكثر امتلاءً؟ في النهاية، الأمر لا يتعلق بجسد أو قصة أو مقال، بل بمحاولة مستمرة لمواجهة الألم والصعوبات والمرض والانتصار عليها.
2-هل كان هدفك في البداية تبسيط علم النفس للناس، أم كنت تحاول ترميم فجوات نفسية شخصية وجدت إجاباتها في الكتب وقررت مشاركة الطريق؟
في الحقيقة، لم يكن هدفي تبسيط علم النفس أو لعب دور المصلح النفسي. كنت أحاول فقط الهروب من ضغوط الحياة عبر الكتابة، وأن أفهم نفسي أكثر، ثم أشارك الناس هذه الرحلة. لم أكتب بدافع “فعل الخير” أو تقديم العلم، بل لأن الكتابة كانت وسيلتي الشخصية للفهم والنجاة.
3-بصفتك باحثاً في العُقد.. ما هي العُقدة التي يخشى كيرلس مواجهتها في مرآته الشخصية، ولم تتحول بعد إلى مادة في أحد كتبك؟
أنا لا أرى نفسي “باحثًا في العُقد”، بل جراحًا مهتمًا بالفلسفة وعلم النفس، وأميل أكثر إلى الكتابة الفلسفية. لكن إذا تحدثنا عن عقدة شخصية، فربما تكون “عقدة السيطرة”. نحن كأطباء وجراحين تربينا على ضرورة التحكم في كل شيء، بينما تعلمنا الحياة أن السيطرة الكاملة وهم. لذلك أؤمن بفكرة المرونة؛ أن يتعامل الإنسان مع الحياة مثل البحر، فلا أحد يستطيع السيطرة على الأمواج، لكن الشخص القادر هو من يعرف كيف يتعامل معها مهما كانت قاسية.
4-في ‘الرجل المكنة’، انتقدت تحول الإنسان لترس إنتاجي.. هل ترى أننا في مصر نعاني من ‘آلية المشاعر’؟
للأسف نعم. المجتمعات التي ينتشر فيها القهر والظلم والتخلف، يغيب فيها الوعي النفسي والعاطفي والروحي، بل ويُهان فيها الشعور نفسه. لهذا يتحول كثير من الناس إلى أشخاص يؤدون أدوارهم بشكل آلي، دون وعي حقيقي بمشاعرهم أو احتياجاتهم الإنسانية.
5-قلت إن عُقدنا سجننا الأبدي.. في مجتمع ‘كلام الناس’، هل السجن هو الآخر الذي يراقبنا؟
لا يوجد إنسان بلا عُقد أو نقاط ضعف، فالجميع يحمل داخله شيئًا من الهشاشة. المشكلة ليست في وجود الضعف، بل في تعاملنا معه وكأنه عيب يجب إخفاؤه. أما “كلام الناس”، فأنا لا أقول إن علينا تجاهله تمامًا، لكن الفرق الحقيقي يكمن بين أن تسمع الكلام، وبين أن تسمح له بالدخول إلى داخلك.
6-لماذا تصر على استخدام السخرية في تشريح النفس؟
السخرية بالنسبة لي ليست مجرد أسلوب أدبي، بل هي أيضًا واحدة من آليات الدفاع النفسي المهمة. الإنسان أحيانًا يستخدم التهكم لتخفيف الألم.
7-إلى أي مدى ترى أن ‘الرجل المكنة’ هو طفل تجمد هرباً من جروح الطفولة؟
هو إنسان ضعيف وخائف من مشاعره. القوة الحقيقية أن يفهم الإنسان مشاعره لا أن يهرب منها.
8-هل ستقدم كتالوج للتعافي؟
أنا بعيد عن الوعظ أو الوصفات الجاهزة. الناس تتعلم من التجربة أكثر من الكلام.
9-هل تريد أن تتحول كتبك لمادة درامية؟
نعم، لأن الدراما أكثر تأثيرًا وانتشارًا.
10-ما الصفة التي تعيد برمجة ‘الرجل المكنة’؟
عقلنة المشاعر: فهمها دون قمعها أو الانجراف الكامل وراءها.










