حسام المقدم يوضح.. لماذا تخلّفنا

حسام المقدم

شوقي عبد الحميد يحيى

جُبل الإنسان المصري على حب الماضي، والتمسك به، والاستكانة له؛ فعليه يعيش، وبه يتفاخر. فإذا كانت حضارة الماضي تتسم بالموت والحزن (الأهرام نموذجًا)، حتى إن المصري إذا ضحك لشيء ما، تذكر على الفور: «اللهم اجعله خيرًا»، توقعًا لأمر سيئ سيأتي – بالتأكيد – بعدها. ومع طول ذلك الشعور، ترسخت تلك الصفة في نفس الإنسان المصري، ونسي الحياة وعاش من أجل الموت، الأمر الذي أثار حفيظة المبدع حسام المقدم لأن يقدم روايته الأولى – والتي نتمنى ألا تكون الأخيرة – والتي اختار لها عنوانًا يحمل خلفه الكثير من الرؤى، مثلما يفعل في كل الرواية، فجاءت تحمل القليل من الكلمات والكثير من الكنوز المدفونة فيما وراءها. فقدم «سباعية العابر» (حسام المقدم – الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2017).

فإذا كان المبدع قدّم روايته في العام 2017، وبالضرورة أنها كُتبت قبل ذلك بوقت ليس بالقليل، لذا فهو أحد من ثاروا على الرواية الكلاسيكية التي تعتمد على الخط المتصاعد، حيث جاءت «السباعية» بشكل عرضي، بمعنى أنها قدمت حياة «فهمي السيد عبد البر» عرضيًا، بتقديم شرائح مقتطعة من حياته، مع لخبطة التواريخ، حتى إنها في النهاية تقول ما حرص الكاتب على قوله بينه وبين نفسه، بينما ترك قارئه يبحث عن المستتر وراء الكلمات، بصيغة لغوية قلّ أن نجدها في الكثير من الأعمال الإبداعية حاليًا، فحملت المتعة والفكر معًا.

فالسباعية هي سمة الحياة التي نعرفها؛ فالسماوات سبع، والأراضين سبع، والأيام سبعة. فنحن ندور في فلك السبع. والعابر هو الإنسان، يعبر فوق كل هذه السبع ليصل إلى المجهول؛ الموت وما بعده، كلها أقوال وليس عليها دليل. فنحن نعبر السبع التي ترسخت في ذهن الإنسان، وأنها الحياة.

كما أن الإنسان يعيش في مجتمع له عاداته وتقاليده، وتتم طباعتها على سلوكه، فالكاتب لا يكتب إلا ما يعرفه. وحسام المقدم وُلد في محافظة الدقهلية – مركز ميت غمر – أي في إحدى الأقاليم الريفية، ودخل كلية المعلمين، واشتغل بالتدريس. فكان عمله «سباعية العابر» لصيق الصلة بحياته، لكنها ليست سيرة ذاتية، وإنما استخدمها الكاتب لأنه يكتب عما يعرف. فكتب نحو خمس مجموعات قصصية، وكانت «سباعية العابر» هي الرواية الأولى بالنسبة له، ولذا غلب عليها الكثير من خصائص القصة القصيرة؛ ففيها التكثيف، وفيها المسكوت عنه، وفيها الرؤية للمجتمع من حوله، وإن تجاوزتها إلى الوطن العربي كله، متسائلًا السؤال المؤرق الذي يؤرق كل من يفكر ويتأمل: لماذا تخلّفنا؟

فيبدأ الفصل الأول، حيث يعرج الكاتب إلى أولى المقدسات التي لا تقبل النقاش، إلى الدين، والذي بدأ منذ ما يقرب من ألف وخمسمائة سنة، حيث يرى فهمي صورة في «كتاب الدين»، ويُعجب بها ويشعر أن من بالصورة ليس ككل أهل القرية:

{إنه نظيف، وبالتأكيد لا يعرف ألعابنا. ما اللعبة المناسبة له؟ كيف أجعله يحبني؟ سأعرّفه على العوم في الترعة. عندهم لا توجد ترع. لا.. جسمه الأبيض الجميل لا توسخه مياه الترعة أبدًا. أمشي معه في الغيطان؟ قدماه لا تتحملان تراب الغيطان. فهمي غارق تمامًا، حتى جاءت الهمسة من زميله: هذا هو سيدنا محمد!} ص4.

فحاول التمسك به، وكانت سعادته:

{يبتسم فهمي ويتذكر الصورة. يغيب في حجرته مع مصحف أبيه فوق المقرأة، بذات الهيئة، وذات التمايل، وذات الجمال. يلين طبعه. يتكلم بهدوء شديد. في الحمام يحجز عورته جيدًا. يحلم كثيرًا مع الصورة. لم تعد أمنيات اللعب والعوم إلى الظهور. هناك الطيران بأجنحة في السماء، المشي على راحته دون شد الظهر في استقامة. طبطبت يد الأب على كتفه بالدعاء والبركة. لكن ذلك لم يدم. يتذكر فهمي النهاية بدخول أبيه عليه وجرجرته من ياقته، بعد أن زاد الموضوع عن الحد بإهمال المدرسة والبعد عن الناس}.

ولم يكن الأمر يخص فهمي وحده، وإنما ترسخ الأمر في الأذهان، وأصبح يمثل أجيالًا، وأصبح الجيل السابق يلقنه للأجيال القادمة، حيث يعود «فهمي» مدرسًا في نفس المدرسة التي تعلم فيها، ويمارس نفس المهمة:

{وزع فهمي أوراق الأسئلة من نسختين مختلفتين للتلاميذ المسلمين والمسيحيين} ص41.

ويستمر «فهمي» في المقارنة بين ما كان يفكر فيه صغيرًا، وما أصبح عليه كبيرًا، فيتناول تقسيم الفصل بين البنين والبنات، والدروس الخصوصية، وغيرها من مشاكل التعليم.

وهنا تحضر عملية (البديل)، حيث يتبادل «فهمي» مع محمد الاسم، ويصران على ذلك، وكأن الكاتب أراد بذلك أن التمسك بالدين لا يعني أن يهجر الإنسان الحياة، وإنما أن يسير الدين مع الحياة والدراسة جنبًا إلى جنب.

وهنا لا يظهر الأخ «هاني» المتخلف عقليًا، والذي ذهب إلى «الصحة»، ولا يزوره إلا الأب فقط، ولا يظهر ذلك الولد إلا في الفصل الأخير، عند موت الأب، ليظهر بمظاهر التخلف، حيث في الجنازة يلتقط أعقاب السجائر من الأرض. وكأني بالكاتب يقول إنه في وفاة الأب، وذهابه إلى باطنها، فهذا غرسه الذي ظل فوق الأرض، ولذلك كان جذعه منحنيًا إلى الأسفل، بينما حاول «فهمي» أن يستعدله أثناء السير، وهو لم يدرك أن شد نفسه واستقام مع التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وفصل قصير من قصة حب مع البنت دعاء. يتذكرها دائمًا بأنها التي ارتكبت أعظم حركة جريئة في حياته، رغم أنه «لم يتكلم»، الأمر الذي يقول من بين السطور إنه أصبح إنسانًا سلبيًا، ويترك الآخرين أن يفعلوا له ما كان يود أن يفعله:

{كائن بهذه الكيفية، يشد نفسه طوال حياته، لعب قديمًا لعبة التبديل وعاش مع صورة فارقة، لا بد أن عامًا ما ينتظره بشيء غير عادي. التخرج سيكون في سنة 2000} ص6.

وتستمر عملية التقديس للماضي والوقوف عنده، فيستحضر الكاتب كل من قدسهم الشعب المصري (العربي)، مثلما أشار إلى صورة «جمال» المعلقة على الحائط، وكيف كانت جنازته. تحكي الأم:

{بعد أن حمل الناس النعوش لموت جمال في القرى والنجوع، قالت له إن خيالها أيامها صور لها أن «جمال» في النعش فعلًا، وأن الجموع المتلاطمة ذاهبة به ناحية المقابر. بعد ذلك أحضر أبوها الفلاح صورة للزعيم وعلقها في بيته، لتظل في مكانها أمام عيني البنت حتى زواجها} ص24.

وهكذا يلقن الآباء الأبناء ما اعتقدوه وما تربوا عليه.

ويقرب الكاتب رؤيته حول الظاهرة، ظاهرة التقديس للماضي:

{طابور من رحلوا وأتوا في المظاهرة الصامتة لتوديع جمال} ص25.

ليظل «جمال» أحد الأصنام التي يتعبد لها الكثيرون. وقد أجاد الكاتب عندما وصف هذه المظاهرات بأنها «مظاهرة الخرس»، على الرغم من أن «جمال» نفسه قد أصبح في الزمن الماضي.

ويستعيد الكاتب ثورة يناير، بعد أن يمر على اتفاقية السلام التي وقعها السادات مع كارتر في البيت الأبيض، فيكرر ذكر كارتر في حديثه مع زوجته:

{ليس من أجل خاطري، حبيبك النبي.. من أجل خاطر كارتر..}

تمنت أن تعرف من هو كارتر هذا حتى يقدره هكذا! يضحك فهمي ولا يقول لها إن كارتر صاحب فضل عليه، فقد أوقف التاريخ عند اتفاقية سبتمبر ومعاهدة مارس في بيته الأبيض، وهو بهذا رحمه من لعبة التواريخ إلى الأبد، حيث لا يوجد جديد يمكن أن يضاف بعد ذلك.

وبعد مرور عامين كاملين على ثورة يناير، رأت عفاف أن تضرب غروره في مقتل، فواجهته: «وثورة يناير، بالتأكيد هي تاريخ..» لكنه سيرد بالبرود المتفلسف الذي يغيظها:

{تاريخنا يا عفاف كائن ضخم عملاق يمشي في غابة. في طريقه يدوس العشب والنمل والجرذان الهاربة. لكن عينيه – مثل البشر – لا تستطيعان أن تريا شيئًا أبعد من ضباب الأغصان العالية} ص10.

فالكاتب هنا، على الرغم من إشارته المباشرة إلى وقائع فعلية، إلا أنه أضمر الكثير مما يفتح الأفق واسعًا لتأمل نظر المصري (العربي) إلى العالم من حوله، والذي تفتحه جملة واحدة: {لا تستطيعان أن تريا شيئًا أبعد من ضباب الأغصان العالية}. فكلمة «ضباب» وحدها تفتح الرؤية على الغشاوة التي تعمي أبصار الإنسان المصري عن أن يرى، و«العالية» تبعد نظره عن رؤية ما تحت قدميه. وهنا يضمر الكاتب أن الإنسان المصري لا ينظر للمستقبل، لا ينظر أمامه، ولكنه ينظر لمن هم أعلى منه، يحاول تقليدهم، ولكنه لا يحاول أن يفعل مثلهم. فليس كل ما لمع كان ذهبًا. وإن كانت الأرض تخبئ الكثير من الكنوز، لكن التاريخ (المصري) يدوس ويلتهم كل ما تخبئه الأرض، ويسحقه سحقًا. فنحن لا ندرس ولا نعلم إلا ما هو ظاهر.

ومن الأمور التي تساعد على تقديس الماضي، متغافلين عن قول الإمام علي بن أبي طالب في أحد أشعاره – وأحد قادة الإسلام الأوائل –: «ليس الفتى من يقول كان أبي، ولكن الفتى من يقول ها أنا ذا». فنجد أن الكثير من العادات متأصلة في قرار نفس الإنسان، وخاصة البسيط والعامة، حيث يسوق الكاتب الكثير منها، والمستمد من القرية التي هي الأساس في تكوين مصر، حيث يواصل السارد حكايته عن أمه، وحضور التقاليد بعد موت الأب:

{فتحتُ الباب عليكما، فوجدتها تناولك صحن العدس الذي صنعته في الصباح قبل موت أبيك، وتقول لك: اذهب ورشه على حيطان البيت! مشيت بيدي على كتفها وناديتك لأن النعش خرج لصلاة الجنازة. أمك لم تعمل عدس الخميس منذ غيابك يا هاني. دلها هاتف على رجوعك فقامت في الصباح لعمله. بالتأكيد أنت نسيت خوص الأحد، وأربعاء الغُبيرة، وعدس الخميس، وكحل السبت، وشم النسيم يوم الاثنين. كانت أمك في تلك الأيام، مثلها مثل أي واحدة، تُكحل عينيها وعين سناء أختك بكحل الحجر الحامي يوم سبت النور. قبل ذلك تخرج مع كل نساء البلد صباح الأربعاء إلى النهر لدعك الأجسام بعشب الغُبيرة، ويرجعن متوردات مثل رغيف الفرن. تطبخ العدس كما يفعل الجميع يوم الخميس، وتطلب منك أن تدلق بعضه على حيطان حجرة المنافع وراء البيت} ص39.

فهذه نماذج فقط لتلك العادات التي تأصلت في النفوس، ولا سبيل إلى مغادرتها أو الإقلاع عنها، رغم أن الإقلاع عنها لا يضر، ولكنه التمسك بما كان عليه آباؤنا.

كما أنه من العلامات الدالة على عدم التوافق بين السارد ومن حوله طلبه من الزوجة الحالية (أم الأولاد) أن تفارقه لمدة أسبوع، ولكنه عاش مع الزوجة الأولى (عفاف) في الخيال، حتى إنها ملأت عليه حياته. عاش معها بكل مودة وحب، وذاك لأنها كانت مدرسة تربية فنية، وهو موجه دراسات اجتماعية، أي أن هناك توافقًا بينهما، لذلك احتفظ بالعِشرة (الشفوية) معها. الأمر الذي يقول إنه مفارق لكل ما يشعره بالتوافق أو بالتحقق، فكان الشقاق النفسي الذي يشعره بالتأزم.

ويُفرد الكاتب الحديث عن الشخصية (الوهمية – الواقعية) «الجبالي».

ففي الفصل المخصص للجبالي، والذي يستدعي أشهر روايات نجيب محفوظ «أولاد حارتنا»، الذي استخدمه محفوظ رمزًا للإله أو القوة العليا، غير أن الجبالي، وما أشيع عنه أنه وجد في عصور قديمة وفي الجبال، أي أن ثقافته تنتمي إلى الجبال، وهو ما يحيلنا – من خلال ما قدمه الكاتب في هذا الفصل المعنون «ذكر أخبار الجبالي وما كان من أمر الناس في زمانه من الملوك والموالي» – والذي يعود بنا في الزمن إلى العهود السحيقة، وما كان يجري فيها بين الأمراء والعامة أو الدهماء، وما يعيدنا إلى صورة «جمال» المعلقة على حائط الدار، وظلت معلقة رغم تغير الزمن وموت الأب الذي أتى بها أولًا، وكأن الكاتب يحيل قارئه إلى كل الصور، ويربط الفصل الذي – للوهلة السريعة – يشعر بأنه دخيل على الرواية، بينما هو تحرر شخصيتها الرئيسية من عامل الزمن لتطلق سراحه ويتجول بين أزمانها، ليحدد كيف يعيش الشعب (العربي) وليس المصري وحده، وكيف انعزل الأمراء (في العهد القديم) والأمراء الجدد عن الشعب، موهمين الناس بأنه من سلالة الأنبياء، وعلى العامة تصديقهم وسماع أمرهم، لأنهم أدرى منهم بشئونهم.

فيبدأ الفصل بالإيحاء بهلامية ذلك المسمى، والذي حمّله بكل ما يود أن يقول:

{بعد كتابة حوادث تلك الأيام لشيخي «الجبالي»، رحمه الله وأدام محبته في قلوبنا، ذاع ما كان من أمره، وحصلت أمور عجيبة.. إذ عمل النساخون ليلًا ونهارًا لسد حاجة الأيدي الممدودة والطالبة لما كتبناه عن الشيخ وأيامه. وزاد الأمر بأن ضربت الناس حمى التفتيش عن مخطوطات مشابهة في التكايا والسراديب، حتى إنهم، في حميتهم واستماتتهم في السعي، بقروا البطون الضخمة للفئران المسترخية لإخراج صفحات لم تُطمس بشكل كامل} ص26.

وكأننا لم نستحدث ما كان، وإنما نحن نعيد الزمن بكل ما فات منه، حتى لو كان من آلاف السنين، وإن كان الزمن لم يتغير، وأننا قد جُمّدنا عند تلك التواريخ القديمة. فقد مر الأمير على الكثير من التجارب التي يجب أن نقف أمامها ونتدبر أحوالنا الحاضرة:

{وذات عام اصطحب الأمير الرجل معه في الكبيرة. أجلسه بجواره وهو يتمايل طربًا للإنشاد الشعري الدائر على ألسنة عارفة ومجيدة. وكان أن همس الجبالي في أذن الأمير همسة جعلته ينظر إليه ويقول: هل تقدر؟ عندها قام الجبالي وأزاح راوي السيرة عن مكانه وتأهب للإنشاد، فبادره الراوي: فار دخل جنينة، وردها يتشم، عمل بداية جميلة والبداية غم، لله يلعنك يا زمان إنك بديت بالهم، بتأخر السبع وتقدم قليل الذوق، والكلب لما حكم قالوا الأسد.. يا عم} ص29.

فالأمور هنا لا تحتاج إلى تأويل أو تفسير، ففي صفحات التاريخ ما يجعلها نبراسًا للدراسة والتأمل. على أننا لا يجب أن نقول إن الجبالي كان من ندماء الأمراء:

{الذين أومأ الأمير لليمين صاروا لليمين، وإذا طأطأ رأسه طأطأوا. لقد كان ناضجًا أمينًا للوثائق، معينًا له على شئون البلد، ولما استطاب مشورته ورأيه صار يُشركه في أخص شئون الإمارة} ص29.

وعندما سمع السلطان الدهماء تنادي به أن يكون كوالده، نثر عليهم الدنانير، فظنوا أنه أطعمهم، فراحوا يمضغونها، ولما تبين لهم أنها ليست أطعمة، راحوا يسبونه:

{فأشار الأمير لحراسه أن يُدخلوا الجميع إلى باحة القصر وأن يفتحوا المطابخ. وجيء يومئذ بصنوف المأكولات مما لذّ وطاب. أكل القوم وناموا في مطارحهم، واحتملهم الأمير على حالهم الشنيعة، حتى إذا جاء الصباح أمر بهم فحُملوا إلى الخارج كالبهائم} ص30.

ويختتم الكاتب أحد فصول روايته، وينهي حديث «الجبالي» بما يود قوله من روايته بصفة عامة:

{ما رأيناه أن الأمير جدّ في البحث عن الجسد بلا فائدة، وكذلك فعلنا وفتشنا حتى كاد الجنون يضربنا جميعًا. لك يا ربنا الأمر والحكمة: مولانا لم يطوه قبر من القبور المعروفة لبني آدم، وإنما قبران مزعومان: واحد في قلب قبور الأمير، والثاني في حضن قبر الإمام يأتي إليه الناس يلتمسون الدعاء لهم وله. وهذا آخر ما وصلنا من أخبار «الجبالي». نفعنا الله وإياكم.. آمين} ص31.

الشخصية

لا شك في أن الشخصية الرئيسة في العمل هي «فهمي»، المولود في 6 ديسمبر 2028، وهو باحث دكتوراه وموجه دراسات اجتماعية، مع إيقاف التنفيذ. وهنا نواجه أحد أهم الأساسيات التي لجأ إليها الكاتب، وهي التلاعب بالزمن، حيث نعلم أن كل لحظة من الزمن تكون مشحونة بالأحداث والتغيرات في المجتمع. فهو أولًا مولود في العام 2028، وكأنه لم يولد بعد، أي في زمن المستقبل، وأنه {موجه دراسات اجتماعية، مع إيقاف التنفيذ}، لنعلم أن الحاضر لا يرحب بأن يكون للدراسات الاجتماعية دور في الحياة.

واستمر ذلك ليتحمل مكتب تنسيق الجامعات مسئولية ابتعاد الطلاب عما يطمحون:

{أما نحن طلاب الأدبي، أصحاب الدرجات العالية، فقد تناوشتنا الرغبات في البداية: ألسن، السياحة والفنادق، الاقتصاد والعلوم السياسية. أنا شخصيًا لم أكن لأتنازل عن الألسن كي أتمكن من لغة أخرى وألف العالم. كلنا دخلنا التربية في النهاية، وأنا الآن معلم أدرس أشياء لا يهتم بها أحد} ص22.

لذا فهو يشعر بالضياع أو الوحدة، خاصة وأنه طلب من زوجته أن تغادر البيت ليكون وحيدًا مع ذكرياته ووحدته، فهو في النهاية شخصية مركبة وغير متحققة، وتستدعي الذهاب إلى عيادة الطبيب النفسي.

ويشعر بالثورة على كل شيء، وقد استقر لمدة أسبوع وحيدًا في بيته، بعد أن تركته زوجته «عفاف» وولداه. يشعر بالراحة مع الوحدة، ويطمع في أن يناديه الناس في البلد بالرجل المحترم، وهي معادلة معقدة لا يمكن فك اشتباكها، فهو «رجل محترم وروح عاصية»:

{بلا شك أنه لو في استطاعة الأرواح مغادرة الأجساد قبل الميعاد المرصود منذ الأزل، لطارت روحه البرية البربرية، وحطت في حصان جبلي. الآن يحس بها فهمي سائلة مستوية في جسده المنفرش مثل طائر} ص12.

فهو إذن – رغم وحدته – يشعر بالثورة الداخلية وعدم التوافق، فالرواية هنا أقرب إلى روح القصة القصيرة التي تعتمد على الشخوص القليلة جدًا، وربما الشخصية الوحيدة التي تعاني المرض النفسي. ولذلك فالرواية تقترب من المتوالية القصصية، غير أن هناك ما يربطها جميعًا بتلك الشخصية، لنجد أنفسنا أمام شخصية مركبة تمر بتقلبات الزمن، ولا مستقبل لها، حيث إن كل ما ينتمي إلى تخصصه غير مرغوب فيه.

فهو يسعى إلى الشبيه، ويقول رجل كبير السن – أي آتٍ من الزمن الماضي – إنه سيجده على قهوة الفنانين. فذهب إليها، ولكنه وجدها اسمًا ليس على مسمى، لكن الرجل كبير السن أخبره:

{عليها جلس العوادون وكل أهل المغنى. والشعراء أيضًا كانوا يأتون ويقعدون بالساعات، وهات يا شعر وزجل. من يصدق؟ عبد الله النديم نفسه قعد هنا أيام هروبه الكبير من مائة سنة أو يزيد} ص16.

ويعود إلى البدايات الأولى له حين كان بالقرية، فيعيش تلك الأحلام التي كان يحلم بها صغيرًا:

{اكتشاف الشبيه كان أعظم إنجازات حياته، ويعد بشهية مفتوحة للأيام المقبلة. تسري الرطوبة في القدمين الخاليتين من الجورب… في نصف الضوء يلمع طيف الماء على الأرضية المتموجة. يشير بيده: هنا حد الماء، شاطئ الترعة المنحسر ماؤها، ينحدر بميل. وهنا في طين الشاطئ تظهر لطعات لأظافر مشطورة، وحوافر صماء كتلة واحدة. يميز حافر حمارهم من بين بصمات الحوافر المتشابهة…..} ص16.

والإشارة إلى الحمار ارتبطت بفكرة أنه رآه يمارس العملية مع حمارة أخرى، وأنها كانت في غاية الانبساط، حتى إنه نسي أنه حمارهم، وهي إشارة إلى الذكورة التي كانت.

ويقول «فهمي» عن الحمار:

{إنه عاقل ويفهم، والله العظيم عاقل ويفهم! ليس هذا فقط، بل إنه يراهن على أن هذا الحمار يُحس كبني آدم، نظرة عينيه فيهما شيء عجيب. إن رأسه تعلو وتهبط بالعينين، كأنه يريد أن يرى الولد من فوق لتحت} ص18.

فتصور الصورة التي يرسمها الكاتب لـ«فهمي» صغيرًا، وكأنه عاد بالزمن إلى حيث كان. فهو الوحيد في البيت، لكن روحه تصير إلى السماء، بالثورة وبالأحلام.

وفي جلسته وحيدًا، يستحضر أحمد عرابي، ويشعر أنه تعرض لمثل ما يتعرض له الآن. فيتصور نفسه يدافع عن عرابي أمام محكمة الزمن، وما قيل عنه، ولماذا نسيه التاريخ المعاصر:

{أنت لا تعرف أيها القاضي شيئًا عن خيانة العربان في واقعة القصاصين رغم ثقة سيدي بهم. لا تعرف بريق فلوس الإنجليز التي وزعها محمد سلطان باشا، حبيب سيدي القديم وأول من طعنه في ظهره. لا تعرف أن سيدي كان يحارب في وقت واحد ضد الخديو والإنجليز والعثمانيين والخونة في الداخل وفي القنال. لم تسمع بالتأكيد شيئًا مما قاله أحد الأوباش لسيدي بالأمس عندما دخل عليه زنزنته: يا عرابي يا ابن الكلب، تسب مقام الخديوي وتخرج عن طاعته وأنت لا تساوي كلبًا من كلاب أفندينا} ص21.

وأنه يستحضر الكثير من الملكيين أكثر من الملك نفسه.

ومن محاسبة عرابي تأتي محاسبة الحاضر، بعد أن ألغت الدولة السنة السادسة وأصبحت الدفعة مزدوجة، وجاء وزير آخر وأعاد السنة السادسة من جديد:

{حارب الكل وأنا لا أجد عدوًا لأحاربه وأمد يدي في كرشه. عدوي الذي كافأني بسنة دراسية من عمري، ثم سحب مني بقية هذا العمر} ص22.

وفي محاكمة الشيخ محمد عبده، رمز الفكر:

{هل تريد أن تعرف أيها القاضي حال الإمام بعد أن رجع إلى زنزانته؟ جلس يكتب رسالة لأحد أحبابه: إنني اليوم أعجز من المُقعد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف، وقد صار سقوط الجاه كمرض يصيب الجميل الفاتن، فيُنحف الجسم ويغير اللون، ويقلص الشفاه، ويضعف القوى.. إنها النفس الإنسانية أيها القاضي، هذا الكون الأصغر المغلق صغرًا} ص23.

الزمن

البحث في القديم يعني بالأساس البحث عن الزمن، وقد تنقل الكاتب عبر الفصول بين الأزمنة، منها ما كان ماضيًا، ومنها ما هو مستقبل، وكلاهما يصب في اللحظة الحاضرة.

ففي تأمله وجولاته ينظر إلى الساعة بعقاربها الثلاث، ويتخيل أنها بشر يتحركون، وقد أعياه البشر، بمن فيهم المتكاسل أو الخائن، ولكنهم – جميعًا – مقيدون إلى نقطة ارتكاز واحدة، ويدورون في فلكها، وكأنه يصور المصريين بهذه العقارب المتمركزة في نقطة تقع في الزمن الماضي. وقد أحسن أن يسمي هذا الفصل بـ«ثلاثون دقيقة»، وكأنه يركز حياة الإنسان بصفة عامة، والمصري بصفة خاصة، بأنها حياة قصيرة لا تتجاوز نصف الساعة: «وإن يومًا عند ربك كألف سنة مما تعدون».

{فهمي يفكر أن الثقلاء من البشر يشبهون عقرب الساعات، وأن المائعين الروتينيين، أصحاب الكلام المماثل لطعام المرضى، هم عقارب الدقائق. أحس بنبضه يدق في رأسه، وباختلاج ذراعه الأيسر وأصابعه، نبضة كبيرة منقبضة تتبعها أخرى صغيرة منبسطة. يمكن الآن تبين أن عقرب الثواني الملسوع بالحركة الدائمة، هو النبض الحي لبشر يتقلبون على سرير القلق، وتتلبسهم حمى التساؤل المستحيل} ص45.

وربط الناس بعقارب الساعة فيه ربط للإنسان بالزمن، وأن الإنسان ليس إلا أيامًا وسنوات تمر، في كل منها تجارب، لكنهم مربوطون بنقطة ارتكاز معينة، وهي هنا الميلاد والموت، وتقلباتهم هي تقلبات الزمن.

لكن الكاتب ينهي رسالته إلى المصريين بأن عليهم ترك الماضي، فلن يستطيع أحد تغييره مهما أوتي من مقدرة، ولكن المستقبل والاستمتاع بالحاضر هو ما يجب أن يُعاش.

ففي النهاية يشير إلى تلك الخلاصة التي يود أن يرسلها إلى المستقبل، أملًا في أن يفعلها، ويخرج من التخلف إلى حيث تكون الحياة. فما تم جمعه من الماضي لا يحمل إلا الذكريات:

{هذا يوم الأشياء التي كان فهمي يجمعها بلا هدف سوى أنها قديمة، تنتمي لزمن عاش فيه بشر مشوا ودبوا على الأرض في يوم ما. هناك إحساس يتملكه تجاه القديم، ويأخذه إلى أنفاس تسكن شقوق الطوب في البيوت العتيقة المتهالكة} ص20.

فبعد أن يدخل الأبناء (هاني ومحمد وسناء) إلى حجرة «العفاريت» وحدهم، دون أن تذهب معهم الأم، وهناك يرون ما يشبه السبورات مكتوبًا عليها أسماؤهم بالطباشير، قال لهم «هاني» – المتخلف عقليًا –:

{هذا إرثكم.}

سناء (الأخت) هي التي أشعلت فيكم النار. استدارت للكرسي، وبعزم جهدها انهالت على سبورتها. ولأول مرة ترى هاني بهذا الوجه المتقد المتشنج. تتابعت كلماته بلغة غريبة ملضومة في بعضها. غبتم جميعًا في هستيريا التكسير والدغدغة بقلوب حامية مسعورة الدقات. لفت خيوط العنكبوت وجوهكم الشبحية، فعدتم لاهثين متوحدين، تجحظ عيونكم في بقايا الكلمات البيضاء على القطع الخشبية المهمشة} ص40.

{هذا يوم الخاتمة. يقف فهمي في مدخل بوابة سوداء عملاقة، إحدى قدميه بالخارج والأخرى بالداخل. ينظر خلفه فيجد الأيام الستة بكل بذخها وعنفوانها. يتحول بالنظر للأمام، للغد على الأقل، فيرى عفاف والوالدين والمدرسة والزملاء وأباه وأمه. هذا اليوم السابع يمثل نقطة عبور، حد السكين الذي يقعد فوقه} ص40.

كاتب وناقد مصري. من إصداراته: شعرية السرد في الرواية دراسات تطبيقية. القراءة السياسية للقصة المصرية القصيرة، الرواية في أكتوبر 73،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع