صور من الذاكرة

mohammed solaiman

نصار عبد الله

لا أذكر على وجه التحديد متى بدأت صلتى بالشاعر محمد سليمان، لكن من المؤكد أن عمرها قد تجاوز الآن نصف القرن من الزمان، ومن المؤكد أيضا أنها بدأت فى إحدى الندوات الشعرية التى كثيرا ما شهدتها الساحة الثقافية المصرية فى القرن الماضى فى عدد من المحافل التى كانت حية ونابضة فى تلك الحقبة، وأذكر منها: الجمعية الأدبية المصرية، جمعية الأدباء، رابطة الأدب الحديث، نادى القصة (لم يكن يقتصر رغم اسمه على ندوات القصة بل نظَّم كثيراً من أمسيات للشعر)، أتيليه القاهرة، جمعية كتاب الغد. إلخ. وقد كان الكثيرون من المهتمين بالأدب ومن بينهم أنا ومحمد سليمان يحرصون على حضور تلك الندوات كلما تيسر لهم ذلك.

***

ربما مرَّ على لقائنا الأول ستون عاما أو أقل من ذلك قليلا، فبعض الصور التى أحاول الآن أن أسترجعها من الذاكرة ترجع بغير شك إلى نهاية ستينيات أو بداية سبعينات القرن الماضى عندما كان سليمان يعمل فى المؤسسة العامة للأدوية مديرا لفرعها الكائن بشارع شريف بالقاهرة قريبا من تقاطعه مع 26 يوليو، حيث كنت أزوره هناك كثيرا، وكانت صلتى به قد توثقت بعد لقائنا الأول فى إحدى الندوات الأدبية.

ثمة صور أخرى ترجع إلى نفس الفترة، أو إلى فترة أحدث نسبيا حين كان مقيما مع زوجته الأولى فى شارع بورسعيد بالقرب من مستشفى أحمد ماهر بباب الخلق، عندما كان ترام السيدة ما زال يمر فى ذلك الشارع الذى كانت بعض لافتاته ما زالت تحمل الاسم القديم “شارع الخليج المصرى”.

هناك صور أخرى ترجع بغير شك إلى فترة تالية، وواحدة من هذه الصور عندما وُفِّق فى العثور على شقة جديدة فى حدائق القبة ما زلت إلى اليوم أذكر عنوانها (العمارة 412 شارع طنطا) ومدى فرحه بها رغم ارتفاع الطابق الذى تقع فيه مع عدم وجود مصعد. كان رقم العمارة يتوافق بالمصادفة مع خط أتوبيس معروف مما كان ييِّسر على أصدقائه أن يتذكروا العنوان، وفى نفس الوقت كانت العمارة قريبة جدا من محل فى منطقة شعبية هى الوايلى صالح للترخيص كصيدلية وقد قام سليمان بترخيصها كبديل يغنيه عن الوظيفة الحكومية وأطلق عليها اسم “صيدلية الشعب” وقد كان هذا الاسم على مسماه حقا فقد برهن على أنه صيدلية للشعب فهو أولا فى منطقة شعبية، وهو ثانيا يتعامل مع الناس وكأنه واحد من أهل المريض، الذى يطلب الدواء وليس كصاحب صيدلية، يصغى إليهم ويستمع إلى همومهم وييسِّر لهم طريقة الحصول عليه بأقل تكلفة ممكنة، فلا يلزم المريض مثلا بشراء علبة كاملة إذا كان محتاجا إلى شريط، بل إنه لا يلزمه حتى بشراء الشريط كاملا فى الحالات التى يكون فيها جزء فقط من الشريط كافيا لإنتاج المفعول، فإذا ما انتهى من العيادة مضى إلى الشقة العامرة دائما بالأصدقاء ممن كان يحتفى بهم ويشعرهم بأنهم فى بيتهم فكانت زيارتهم له كثيرا ما تدوم لساعات طويلة وفى بعض الحالات لأيام.

***

ومن الطريف هنا أن أروى واقعة مؤداها أن أحد أصدقائنا من الشعراء المعروفين قد قام يوما بصياغة بيان يستنكر فيه قيام الأجهزة الأمنية باعتقال أحد الكتَّاب المعروفين ويطالب بسرعة الإفراج عنه، وراح صاحبنا يجمع التوقيعات على البيان من كل مَن يعرفهم إلى أن التقى بمحمد سليمان وطلب منه التوقيع، غير أن سليمان طلب منه فى هدوء أن يؤجل هذا الأمر لمدة يوم واحد فقط، وعندما تساءل الشاعر محرر البيان عن الحكمة فى هذا التأجيل الغريب قال له سليمان: سوف تعرف السبب غدا، لكن إذا كنت مصمما على إصداره، فإننى أرجوك أن تتكرم بزيارتى مساء اليوم وسوف تجد عندى من الأصدقاء من عساهم يشاركون فى التوقيع.. المهم أن صاحبنا ذهب بالفعل إلى شقة محمد سليمان حيث كانت فى انتظاره مفاجأة مدهشة فقد فوجئ بوجود الكاتب المختفى مقيما عند محمد سليمان، ثمة صورة أخرى لا تبارح ذاكرتى عندما تزوج من زوجته الثانية الصحفية بمجلة أكتوبر اعتماد عبدالعزيز، فقد كان حفل زفاف يليق بشاعر تجاوز الأعراف العتيقة المحنطة، لكى يختط لنفسه ما يريده هو وما يقرره هو لنفسه وليس ما يقرره المجتمع للعروسين. كان ما أراده سليمان وما نفذه بالفعل هو البساطة الآسرة والبعد عن البهرجة الزائفة، قدر قليل جدا من المحتفلين يغمرهم قدر كبير جدا من البهجة، ويومها توليت بنفسى شرف أن أحمل العروس فى سيارتى من بيت أبيها فى شبرا إلى بيت زوجها فى شارع طنطا. لم أشهد فى حياتى حفل زفاف يدانيه فى البساطة والبهجة سوى حفل زفاف حلمى سالم وحياة الشيمى، وربما أيضا حفل زفاف الإعلامية أمل الشاذلى والإعلامى نصر نصار.

أما الصورة التالية التى أستحضرها من الذاكرة والتى جمعت بينى وبينه فقد كانت يوم الإعلان عن جائزة كافافيس للشعر عام 1995، ويومها أعلن عن فوز الشاعرين نصار عبدالله ومحمد سليمان مناصفة بينهما بجائزة كافافيس للشعر العربى فى مصر وفوز الشاعرة العراقية نازك الملائكة بجائزة كافافيس للشعر العربى خارج مصر، وجائزة كافافيس لمن لا يعلم هى جائزة كانت قد وضعت مشروعها وزيرة الثقافة اليونانية الفنانة ميلينا ميركيورى بقصد تنمية الروابط بين اليونان والعالم العربى وقد كانت فى البداية تُمنَح لشاعر عربى من مصر (وهى الدولة التى عاش فيها الشاعر اليونانى الشهير قسطنطين كافافيس)، ثم شاعر من دولة عربية أخرى بالإضافة إلى شاعر يونانى، وفى ذلك العام كان الشاعر اليونانى الذى وقع عليه اختيار اللجنة هو إيفانتس وهو واحد من أهم الشعراء اليونانيين فى القرن العشرين، وبمناسبة الجائزة يقام فى كل عام مهرجانان شعريان أحدهما فى الإسكندرية وهى المدينة التى ولد وعاش فيها كافافيس والثانى فى اليونان، تحديدا فى مدينة سالونيك التى تستمد اسمها من سالونيكا شقيقة الإسكندر المقدونى، والغريب أن المدينتين كلتيهما متشابهتان إلى حد يجعلك تشعر بأنهما توأمان. كانت القيمة المادية للجائزة فى ذلك الوقت ضئيلة إلى الحد الذى يجعلك تشعر معه وكأن المقصود أن تكون مجرد رمز، فقد كانت فى ذلك الوقت ألف جنيه وبما أننا قد مُنِحناها مناصفة فقد حصل كل منا على خمسمائة جنيه، كانت القيمة الحقيقية للجائزة قيمة معنوية مستمدة من الاسم الذى تحمله ومن الاسم الذى يقترن معك فى الحصول عليها وبالنسبة لى فقد كان يملأ نفسى بالرضا أن يكون شريكى فى اقتسام الجائزة هو محمد سليمان وأن تحصل معنا فى نفس العام نازك الملائكة على الجائزة ذاتها وأن يكون الشاعر اليونانى الذى اقترن اسمه بأسمائنا هو إيفانتس وهو مَن هو، سماأ والغريب أن هذه الجائزة هى الجائزة الوحيدة التى حصل عليها محمد سليمان فى حياته، وقد حصل عليها من اليونان بعد أن تجاوزته جميع الجوائز التى تمنحها مصر فلم يحصل رغم إنجازاته، على جائزة التفوق أو التقديرية أو النيل بل إنه لم يحصل حتى على الجائزة التشجيعية عن أى عمل من أعماله، رغم أنها جميعها كانت أعمالا رائدة فى أوانها وما زالت إلى الآن أعمالا مبهرة، ولعل التقدير الرسمى الوحيد لمحمد سليمان يتمثل فى احتفال معرض الكتاب الأخير ببلوغه الثمانين، واختيار ديوانه: “لا أحد هنا سيميل عليك” كأفضل ديوان لعام 2026، وقد عبَّر لى فى إحدى مكالماته التليفونية عن مدى سعادته بهذا الحفاوة وهذا التكريم، وقال لى إن هذه الحفاوة جاءت بردا وسلاما على أوجاعه البدنية الكثيرة التى بدأ فى الفترة الأخيرة يعانى منها، كنا فى كل مكالمة نتشاكى عما حل بنا، أقول له إنه: ما موضعٍ من جسدى إلا وفيه علة من العلل فيقول لى: الحال نفس الحال، أقول له: فلنعترف بأننا قد أدركتنا الشيخوخة، يقول لى: وهل فى هذا مجال للإنكار، ومع هذا فقد وجدت نفسى ذات مكالمة أقول له رغم كل شىء فإن الإحتفاء ببلوغك الثمانين يعنى أن وطنك ما زال شجرة، وأنك ما زلت، وسوف تظل نسراً.

 

عودة إلى الملف

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع