حين تنتهى القصيدة بصمت يربك المستيقظ

ahmed fadl shabloul

أحمد فضل شبلول

رحل منذ أيام الشاعر المصرى محمد سليمان عن ثمانين عاما، وقد شاركتُ فى ندوة تكريم له فى معرض القاهرة الدولى للكتاب الأخير بمناسبة فوزه بجائزة أفضل ديوان شعر فى المعرض عن ديوانه الأخير “لا أحد هنا سيميلُ عليك” وكأنه يخاطب الموت فى هذا العنوان اللافت.

لم يحضر سليمان ندوته لظروف مرضه الأخير، ولكن شعرتُ بالدفء حول شخصيته وشعره من خلال الأصدقاء الشعراء والنقاد الذين تحدثوا عنه من أمثال أحمد الشهاوى وعاطف عبدالعزيز وأحمد حسن وعماد غزالى وغيرهم.

وتذكرتُ أول لقاء جمع بينى وبين الشاعر محمد سليمان، فى قاهرة السبعينيات، كان من حضوره شعراء الإسكندرية الراحلين د. فوزى خضر، ومحمد عبدالفتاح الشاذلى وعبدالرحمن عبدالمولى. وأدركتُ بعد هذا اللقاء أن هناك اختلافا شعريًّا بين ما أكتبه وما يكتبه شعراء جماعة “أصوات” وعلى رأسهم محمد سليمان، ولم أجد وقتها فرقًا كبيرًا بين جماعة “أصوات”، وجماعة “إضاءة 77” القاهريتين، ولكن هذا الخلاف الشعرى والدعوة إلى كتابة “قصيدة النثر” وقتها لم يلغيا العلاقات الإنسانية مع شعراء هاتين الجماعتين، فدائمًا ما كنا نلتقى فى ندوات وأمسيات وملتقيات شعرية سواء فى القاهرة أو الإسكندرية، أو بعض المحافظات الأخرى.

***

فى معظم لقاءاتى القليلة مع محمد سليمان، كان لأمل دنقل الذى رحل فى مايو 1983 حضور طاغ أثناء الحوار والحديث، وعلى الرغم من تمرد بعض شعراء القاهرة على منجز أمل دنقل، مثلما حاول بعض الروائيين – فى التوقيت نفسه – التمرد على منجز نجيب محفوظ، فإن محمد سليمان كان أقل هؤلاء الشعراء هجومًا وانقضاضًا على المنجز الشعرى الدنقلى، وعلمتُ من سليمان أنه يكن محبةً وإعجابًا لشاعر الرفض أمل دنقل. لذا بعد أن تناهى إلى مسمعى خبر رحيل الشاعر محمد سليمان، قفزت إلى مخيلتى صورته مع أمل دنقل، فكانت الصورتان أمامى عند كتابة هذا المقال، رغم الاختلاف الفنى والبناء الموسيقى ما بين التفعيلى والنثرى فى تجربتهما الشعرية، وعليه أستطيع أن أقول إن المقارنة بين الشاعرين أمل دنقل (1940 – 1983) ومحمد سليمان (1946 – 2026) تتسم بكونها مقارنة بين جيلين وتجربتين شعريتين مختلفتين، رغم تأثر الثانى بالأول وصداقتهما الوثيقة.

ولكن فلنؤجل المقارنة المستفيضة بين التجربتين أو بين الشاعرين لمقال آخر، ولنركز هنا على محمد سليمان وتقنيته فى “بلاغة الحذف” أو فلنقل “قسوة الحذف”، وهى تقنية تعلمها سليمان من دنقل، وتعنى التخلُّص من الزوائد اللغوية لصالح تكثيف المعنى.

ينتمى الشاعر محمد سليمان لجيل السبعينيات الذى سعى لتقديم جمالية مغايرة، حيث يميل شعره إلى العمق الوجدانى والوعى النقدى بمفهوم الشعر. وهو يبتعد فى تجربته عن “الخطابية” التى ميزت بعض أعمال جيله، مفضلاً بناءً شعريًّا هادئًا يعتمد على الصور البصرية والعلامات الرمزية. وقد تميز شعره بمسحة من التجريب المستمر، محاولاً الخروج من عباءة الروَّاد (صلاح وحجازى على سبيل المثال) مع الحفاظ على روح الحداثة. انعكس هذا الالتزام فى شعره بشكل أكثر تجريدًا وتأملاً، حيث كان يرى أن الإخلاص للشعر هو قمة النجاح الحقيقى.

جمعتْ بين دنقل وسليمان صداقة وطيدة بدأت فى السبعينيات؛ وشاهدتُ أثرها فى أحاديثه عنه، ولكن هذه العلاقة اهتزت عندما طلب منه أمل أن يترك مهنة الصيدلة والاستقالة من شركة الأدوية التى كان يعمل بها ويتفرغ للشعر. ولكن على المستوى الفنى أقرّ سليمان بتأثره العميق بدنقل، خاصة فى كيفية التعامل مع النص الشعرى من حيث الحذف والتكثيف. ورغم التأثر، حافظ سليمان على استقلالية صوته، فلم يسقط فى محاكاة أسلوب دنقل القائم على استدعاء التراث بشكل مباشر، بل اتجه نحو بناء قصيدة تُعنى بالتفاصيل اليومية والجمالية البصرية.

لم يفز محمد سليمان بأى جائزة من جوائز الدولة (تشجيعة، تفوق، تقديرية، نيل)، مثله فى ذلك مثل أمل دنقل، ولكنه فاز بجائزة كفافيس عام 1994، وجائزة أفضل ديوان شعرى فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026 عن ديوانه الأخير “لا أحد هنا سيميل عليك”، ونستمع إليه يقول:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديماً

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

سليمان يميل فى شعره إلى الذاتية، ولا أدرى هل هو صاحب قصيدة “أمنحوتب” أم غيره. إذ كلما كتبت اسمه فى محركات البحث الإلكترونية، للعثور على قصيدة له، غير قصائده المنشورة فى دواوينه المطبوعة، تقفز لى قصيدة بعنوان “أمنحوتب” منسوبة له، لكننى لم أجدها فى دواوين سليمان التى فى مكتبتى، وقد بادرت بالاتصال ببعض أصدقائنا المشتركين، ومنهم الشاعران أحمد سويلم والسمَّاح عبد الله، رجع سويلم إلى دواوين سليمان الخمسة المطبوعة التى فى مكتبته، وأكَّد لى – بعد سويعات – أنه لا توجد قصيدة باسم “أمنحوتب” فى هذه الأعمال، وأخبرنى السمّاح أنه لا يتذكر، ولكن سيعود إلى مكتبته بعد أجازة العيد (الموجودة فى مكان آخر غير الذى يقيم فيه حاليا) للتأكد من ذلك.

ولأن هذا النص أخذ يداعب مخيلتى، ولأنى أعملُ حاليًا على كتابة رواية جديدة بعنوان “المقبرة 55” عن أخناتون (أمنحوتب الرابع)، فقد أقنعتُ نفسى أن القصيدة لمحمد سليمان، وأنه ليس كل ما هو مطبوع فى كتاب ورقى هو كل ما ألَّف الشاعر، فقد تكون القصيدة من قصائده المخطوطة التى لم ينشرها ورقيًّا، أو التى وضعها فى مكان ما على الإنترنت (مدونة، صفحة فيس بوك، مجلة أو جريدة رقمية، موقع من المواقع الإلكترونية، مجموعة من المجموعات الرقمية، أو غيرها من المنصَّات الرقمية القديمة أو الجديدة) وعليه سأبدأ التعامل معها على هذا الأساس إلى حين يثبت العكس.

***

استخدم محمد سليمان – فى هذه القصيدة التى نفترض أنها له – القناع، حيث لا يسعى لتحريض الجماهير، بل يستخدم الشخصية التاريخية لاستكشاف أزمات الوجود والزمن والفن. فالقناع عنده “ستارة” يتحدث من خلفها عن مشاعره الشخصية العميقة تجاه الوجود. وتمتاز لغته بـالتكثيف الشديد والصور البصرية التى تجعل الشخصية التاريخية تبدو كأنها تعيش فى لحظة معاصرة، بعيدًا عن الخطابية.

وإذا كنا قد أشرنا إلى بلاغة أو قسوة الحذف عند الشاعر، فنوضح أن الحذف عند سليمان جاء ليزيد من غموض النص وجمالياته، تاركًا للقارئ مساحة أكبر للتأويل.

فى قصيدة سليمان “أمنحوتب” (التى استلهم فيها قناع الملك والشاعر المصرى القديم أمنحوتب الرابع، أخناتون) يقول:

“كأنى أنحتُ الريح

أشيّدُ صمتًا يليقُ بموتى ينامون فى عسلى

أنا الملكُ الذى ضيّع التاج.. وربح النشيد”

اللغة هنا داخلية وساكنة (أنحتُ الريح، أشيّد صمتًا). الحركة لا تتجه نحو “عدو” أو “آخر”، بل ترتد إلى ذات الشاعر (الفنان). لذا نرى القناع هنا جماليًّا وفلسفيًّا، يُستخدم للبحث عن خلود الفن (الشعر والنحت) مقابل زوال السلطة (التاج). الحذف هنا يجعل الصورة سريالية وتأملية أكثر منها تحريضية.

استخدم سليمان التاريخ كمرايا لاستكشاف الذات والوجود. والمدينة جاءت بوصفها “اغتراباً” عنده، وكحالة شعورية، ورغم تأثره بجذوره فى قرية مليج بمحافظة المنوفية، فأن شعره يسكنه ضجيج المدينة وعزلتها فى آن واحد. هو الشاعر “المثقف المدينى” الذى يعيد صياغة العالم من خلال الكتب واللوحات والفن التشكيلى. لذا تميل مفرداته إلى الليونة والسيولة (الظل، الضوء، العطر، اللوحة). المدينة عنده ليست شوارع بل هى “فضاء للتأمل” والمراقبة من خلف زجاج النوافذ. يقول فى إحدى قصائده الأخيرة:

آن لى

أن أَلُم طيورى

وأن أدع الريح ترتاح

فى كوخها

المرايا تكرر يومى

والأساطير أعلامُها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتى

ويحتل نصف سريرى.

هنا نجد جغرافيا ذهنية أكثر منها مكانية؛ فهو لا يصف مكانًا بعينه بقدر ما يصف “أثره” على روحه.

إن الشاعر يذوب فى تفاصيل المدينة ليفكك علاقتها بالإنسان المعاصر، مؤكدًا “قسوة الحذف” أو بلاغته، ليتخلص من صخبها ويصل إلى جوهر الأشياء.

الموت عند سليمان يشبه “اللوحة التى تكتمل” أو “القصيدة التى تُحذف كلماتُها” حتى تصل إلى الصمت. وتجئ تقنية الحذف لتعبر عن زهد شعرى، وعن ذوبان الذات؛ فالموت هو لحظة التحرر من كثافة الجسد والمدينة للوصول إلى جوهر الروح. إن الموت عند سليمان كان ساكنًا، يميل إلى اللون الأبيض والظلال والسكينة الجمالية. ولغة “الروح” والتجريد الفنى عند الشاعر. مما يترك القارئ فى حالة شجن وتأمل.

فى قصيدة “أمنحوتب”، يتقمص سليمان شخصية الملك المصرى القديم، لكنه لا يستحضره كبطل تاريخى، بل كـ “فنان مغترب”.

يقول فى أحد مقاطعه المكثفة:

“يدى التى شيدتْ عروشاً

لم تلمسْ خصرَ امرأةٍ واحدة

أنا الذى أهديتُ الموتى أجسادًا من صوان

بقيتُ بلا جسد”.

الحركة هنا تعتمد على التضاد بين “التشييد” (بناء العروش والتماثيل والمعابد وقبور الموتى) وبين “الفقدان الذاتى” (عدم لمس امرأة، البقاء بلا جسد). سليمان يستخدم هنا القناع ليعبر عن ضريبة الفن القاسية. ونلاحظ غياب الزوائد؛ فالجمل قصيرة، قاطعة، تخلو من الاستعارات التقليدية. هو “ينحت” الجملة كما ينحت أمنحوتب الحجر، لتبقى الفكرة عارية تمامًا. ونلاحظ أن الجسد هنا ليس أداة للثورة (كما عند دنقل)، بل هو أداة للفن ثم يتلاشى. “اليد” تبنى للآخرين (الموتى) وتظل هى محرومة.

وبينما يصرخ دنقل فى وجه “زرقاء اليمامة” لتنقذ القوم، يهمس سليمان بلسان “أمنحوتب” ليعلن عزلة المبدع. دنقل يريد تغيير العالم، وسليمان يريد فهم مأساة الوجود.

ولعلنا نتأمل الفرق الهائل فى حركة “اليد” بين الشاعرين؛ فبينما يد أمل تلوّح بـالسيف والراية، يد سليمان تمسك بـالإزميل والفراغ. فيدُ أمل هى (يد المحارب والمستغيث) حيث يسأل “زرقاء اليمامة”، قائلا:

أسأل يا زرقاءْ ..

عن فمكِ الياقوتِ، عن نبوءة العذراء

عن ساعدى المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة

الساعد أو اليد هنا فعل مادى صادم (مقطوع، مخلوع، نازف). هو ساعد أو يد تطلب الشهادة على الحقيقة وتواجه “الآخر” (القوم/السلطة). إن اللغة هنا حمراء، صاخبة، تنتمى للشارع والمعركة والميدان. أما يد سليمان فهى تصنع فعلا إبداعيًّا صامتًا. هى يد تبنى للآخرين (التماثيل والعروش) وتنسحب من لذَّات الحياة. الحركة تنتهى بـالعدم (بلا جسد). ونلاحظ وجود غير مرئى للرخام والصوَّان، وجود هادئ ينتمى للمتحف أو المرسم أو العزلة الفلسفية التى اختارها الشاعر لنفسه فى أوقات كثيرة قبل رحيله.

إن يد دنقل أداة احتجاج؛ إنها صرخة الجنوبى الذى يرفض الهزيمة. بينما يد سليمان أداة تشير إلى حيرة المثقف الذى يرى الفن خلودًا بينما الجسد فانٍ.

تصل المقارنة بين الشاعرين – التى تشدنا رغمًا عنَّا ورغم محاولة الابتعاد عنها – إلى ذروتها فى كيفية “إغلاق” القصيدة؛ فأمل دنقل يغلق النص بإحكام كأنه يطلق رصاصته الأخيرة، بينما يتركه محمد سليمان مفتوحًا كأنه يترك لوحة لم تجف ألوانها بعد. وتنتهى قصائد أمل غالباً بـ “قُفلة” درامية لا تترك مجالاً للشك، فهى تلخص الموقف الأخلاقى أو السياسى بصرامة، فيخرج القارئ من النص وهو يحمل “رسالة” واضحة وموقفًا حادًّا. وتجيىء “الذروة” التى لا يمكن الصعود بعدها. أما سليمان فهو يميل فى نهاياته إلى “الخفوت، حيث ينتهى النص بتساؤل أو بصورة بصرية تتلاشى تدريجيًّا.

يقول فى ختام إحدى مقطوعاته التأملية:

“كأنى لم أكنْ هنا

كأنّ الظلَّ الذى مرَّ على الحائطِ..

كانَ ثقباً فى جدارِ الوقت”

ويترك الشاعر قارئه فى حالة من “الحيرة” والتأمل؛ فالنص لا ينتهى بل يذوب فى وعى المتلقى. وكأن “الخاتمة” هنا هى “بداية” لسؤال جديد. وهذا ما يجعلنا نقول: إن القصيدة تنتهى عند دنقل بـ”صيحة” توقظ النائم. وعند سليمان بـ”صمت” يربك المستيقظ.

 

عودة إلى الملف

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع