شلال الكتب: أليشيا مارتين وتجليات الذاكرة المتدفقة

بولص آدم

  للكتب والقراءة حضور مركزي ومتعدّد الطبقات في تاريخ الفنون البصرية. فهي لا تظهر بوصفها موضوعًا مصوَّرًا فحسب، بل بوصفها مادة، ومفهومًا، ووسيطًا تعبيريًا، وحقلًا مفتوحًا للتأويل. في اللوحات الكلاسيكية، ارتبط الكتاب بمشاهد التأمل والمعرفة والعزلة والحزن أو التفاعل الاجتماعي، وغدا رمزًا للحكمة والتعليم والأسرار الكامنة. أما في الممارسات الفنية المعاصرة، فقد تجاوز الكتاب دوره التمثيلي ليصبح جسدًا بصريًا قائمًا بذاته، قابلًا للتفكيك، والطي، والنحت، وإعادة التشكيل ضمن سياقات جديدة من المعنى.

اشتغل فنانون كثر على الكتاب بوصفه مادة خام، كما في فنون الكتاب والمنحوتات المصنوعة من الورق المطبوع، أو في التركيبات التي تُحوِّل المكتبات إلى فضاءات غامرة. وظهرت في المقابل مؤسسات ومشاريع فنية متخصصة، مثل مكتبة ومتحف كولونيا للفنون، التي كرّست اهتمامها لكتب الفنانين بوصفها أعمالًا فنية مكتملة تجمع بين النص والصورة والتصميم، أو مشروع «مكتبة الكتب غير المقروءة» ليوليوس دويتشباور في فيينا، الذي حوّل خيبة القراءة غير المتحققة إلى تجربة فنية تفاعلية تستنطق علاقة القارئ بالكتاب وتوقعاته المؤجَّلة.

في هذا السياق، لم يعد الكتاب حاملًا للقصص فحسب، بل أصبح موضوعًا للتساؤل المفاهيمي، وكيانًا ماديًا ذا ذاكرة، يمكن استدعاؤه لإعادة التفكير في الزمن، والمعرفة، والتراكم الثقافي. تُستخدم الكتب في الفنون المعاصرة كعناصر بصرية تتلاعب بمعاني الكلمات، أو ككتل تُعاد صياغتها لتوليد دلالات تتجاوز محتواها النصي. فنان مثل جوناثان كين، على سبيل المثال، يعيد ترتيب الكتب أو قصّها وتكديسها ليخلق منها منحوتات تُعيد النظر في شكل الكتاب ووظيفته، بينما تتحول المكتبات والمؤسسات الثقافية إلى منصّات تعيد تعريف العلاقة بين الفن والقراءة.

ضمن هذا الأفق الواسع، تندرج تجربة الفنانة الإسبانية أليشيا مارتين بوصفها واحدة من أبرز التجارب التي أعادت للكتاب حضوره بوصفه جسدًا بصريًا نابضًا بالذاكرة. غير أن خصوصية مارتين لا تكمن فقط في استخدامها للكتاب مادةً للنحت والتركيب، بل في قدرتها على تحويل المعرفة إلى حركة، والذاكرة إلى تدفّق، والكتاب من كائن ساكن على الرف إلى ظاهرة بصرية تخترق الفضاء العام. من هنا، يصبح «شلال الكتب» أكثر من عمل تركيبي ضخم؛ إنه استعارة مفتوحة لذاكرة تفيض خارج حدودها، وتدخل المدينة، وتعيد صياغة علاقتنا بالكتاب بوصفه أثرًا إنسانيًا حيًا لا يتوقف عن التحوّل.

وُلدت الفنانة الإسبانية أليشيا مارتين في مدريد عام 1964، في مدينة تتجاور فيها طبقات التاريخ مع إيقاع الحياة المعاصرة، وتنفتح فيها الثقافة على الفضاء العام بوصفه مسرحًا يوميًا للمعنى. درست الفنون الجميلة في جامعة مدريد، وهناك بدأت ملامح مشروعها الفني تتشكّل عبر اهتمام مبكر بالعلاقة بين المادة والرمز، وبين الأشياء اليومية ومخزونها الثقافي. منذ تلك المرحلة، بدا الكتاب بالنسبة إليها أكثر من وسيط للقراءة، إذ رأته جسدًا بصريًا قادرًا على حمل الذاكرة، وعلى التحوّل إلى عنصر تشكيلي يفتح أسئلة تتجاوز النص إلى الزمن والإنسان والمكان.

مع بداية تسعينيات القرن الماضي، برز اسم أليشيا مارتين بوصفها واحدة من الفنانات الأوروبيات اللواتي منحْن الكتاب حضورًا مركزيًا في النحت والتركيب الفني. اختارت أن تعمل على الكتب المستعملة، تلك التي خرجت من دورة التداول، وحملت آثار قرّاء سابقين، وأصبحت أشبه بمستودعات صغيرة للحيوات الفردية. توقيعات قديمة، صفحات مثنية، ملاحظات هامشية، بقع زمنية، جميعها عناصر تحوّلت في أعمالها إلى طبقات دلالية، تمنح المنحوتة عمقًا يتجاوز الشكل الخارجي.

ترى مارتين في الكتاب المستعمل كائنًا حيًا، ذا ذاكرة شخصية وجماعية في آن واحد. هذا التصور قادها إلى التعامل مع الكتب كما يتعامل النحّات مع المادة الخام، مع إدراك أن هذه المادة تحمل سرديات سابقة لا يمكن محوها، بل يمكن إعادة تنظيمها بصريًا. من هنا، نشأت لغتها الفنية التي تمزج بين النحت والمعمار والفكرة الفلسفية، وتحوّل المعرفة المكتوبة إلى طاقة تتحرك في الفضاء.

في هذا السياق، ظهرت سلسلة أعمالها المعروفة باسم Biografías، أي “سير ذاتية”، وهي مشاريع تركيبية ضخمة استخدمت فيها آلاف الكتب لتشكيل كتل متدفقة تشبه الظواهر الطبيعية. في هذه الأعمال، تبدو الكتب وكأنها تنفجر من داخل المباني، أو تتدفق من النوافذ، أو تلتف في مسارات منحنية، فتربك العلاقة التقليدية بين الداخل والخارج، وبين المخزون الثقافي والمدينة. كل عمل في هذه السلسلة احتوى على ما يقارب خمسة آلاف كتاب، جُمعت ورتّبت في بناء يحافظ على نواة داخلية قوية، بينما تظل الصفحات الخارجية حرة الحركة، تستجيب للهواء والضوء.

بلغ هذا المسار ذروته في عمل شلال الكتب الذي أُنجز في مدينة لينتز النمساوية عام 2009، ضمن فعاليات اختيارها عاصمة للثقافة الأوروبية. نُفّذ العمل أمام متجر الكتب “ثاليا” في مركز المدينة، حيث اندفعت الكتب من نافذة عليا في واجهة المبنى لتشكّل شلالًا ورقيًا هائلًا يمتد نحو الشارع. بدا المشهد كما لو أن المكتبة قد تحوّلت إلى مصدر فيض معرفي، تتدفّق منه الصفحات إلى الفضاء العام، وتستقر في تكوين بصري مشحون بالحركة.

تميّز هذا العمل بطابعه التشاركي، إذ ساهم سكان المدينة في التبرع بالكتب القديمة التي استُخدمت في التركيب، فتحوّل المشروع إلى تجربة جماعية أعادت دمج الذاكرة الفردية في عمل فني واحد. كل كتاب حمل أثر قارئ مجهول، وكل صفحة أصبحت جزءًا من نهر بصري يربط بين أزمنة متعددة. في هذا الشلال، تحوّل الداخل إلى خارج، وتحول المخزون الساكن إلى حركة مرئية، وصار الكتاب مخاطبًا مباشرًا للمارة.

يعبّر شلال الكتب عن جوهر فلسفة أليشيا مارتين الفنية، حيث تظهر المعرفة في حالة تدفّق دائم، وتتحوّل الذاكرة من أرشيف مغلق إلى مشهد مفتوح. الصفحات تتحرّك مع الهواء، الألوان تتبدّل مع الضوء، والمادة الورقية تبدو وكأنها تتنفّس حضورها أمام العيون. في هذا العمل، يلتقي الحس البصري مع البعد الاجتماعي، ويتحوّل الفن إلى فعل يومي يحدث في الشارع، ويعيد ترتيب علاقة الناس بالكتاب.

في حديثها لصحيفة إلباييس، تشير أليشيا مارتين إلى أن نيتها من استخدام الكتب تتمثل في تحريك إحساس داخلي لدى المتلقي، وفي خلق صدمة هادئة تفتح باب التأمل. هذا التصريح يلخّص طبيعة تجربتها التي ترى في الفن أداة تواصل مباشر مع الناس، وفي الكتاب وسيطًا قادرًا على استعادة حضوره بوصفه عنصرًا حيًا في المشهد الحضري.

واصلت مارتين تطوير هذا الخط البصري في أعمال لاحقة، من أبرزها مشروع Vórtice الذي أنجزته عام 2022 لمعهد ثربانتس في فرانكفورت. في هذا العمل، اتخذت الكتب شكل دوامة حلزونية ضخمة تلتف حول واجهة المبنى، كأنها كائن يتنفّس الحركة. تحيل هذه الدوامة إلى فكرة التحوّل المستمر للمعرفة، وإلى دورانها الدائم بين الحفظ والتأويل. الكتب المستخدمة جاءت من مخازن علمية تضم مؤلفات قديمة وغير مباعة، ما أضفى على العمل بعدًا إضافيًا يتمثل في إعادة إدخال المعارف المنسية في دورة جديدة من الوجود.

يحمل هذا العمل أيضًا دلالة رمزية تتصل بدور معهد ثربانتس بوصفه فضاءً يحمل اللغة والثقافة الإسبانية إلى المدينة. تتحوّل الكتب هنا إلى لغة بصرية تعبّر عن الامتداد الثقافي، وعن حركة المعرفة عبر الحدود.

عُرضت أعمال أليشيا مارتين في مؤسسات ثقافية بارزة مثل متحف رينا صوفيا ودار أمريكا في مدريد، ومتحف ميرمانو في لاهاي، ومكتبة غاندي في مكسيكو سيتي، إضافة إلى فضاءات عامة في مدن أوروبية عديدة. هذا الحضور رسّخ مكانتها بوصفها فنانة أعادت التفكير في الكتاب كجسد بصري، وفي النسيان بوصفه مادة قابلة للتحويل إلى شكل فني نابض.

يمكن قراءة تجربة مارتين ضمن سياق أوسع من تاريخ حضور الكتاب في الفنون التشكيلية. فقد ظهرت الكتب في مئات اللوحات عبر القرون، كما يوثّق ذلك كتاب Die Kunst zu Lesen (فن القراءة) الذي يستعرض صور القرّاء والكتب في تاريخ الفن الممتد لأكثر من ألفي عام. في تلك الأعمال، كان الكتاب رمزًا للتأمل والمعرفة والحميمية الفكرية. غير أن تجربة أليشيا مارتين تنقل هذا الحضور إلى مستوى تشكيلي مختلف، حيث يصبح الكتاب ذاته مادة البناء، ويتحوّل العالم البصري إلى كيان مؤلف من الصفحات والأغلفة.

هذا التحوّل يضع أعمالها في حوار مع تجارب تركيبية معاصرة، مثل أعمال كريستيان بولتانسكي التي استخدمت الكتب كعناصر طافية في الفضاء، أو صور أندرياس غورسكي لمستودعات الكتب العملاقة. غير أن خصوصية تجربة مارتين تكمن في علاقتها المباشرة بالمدينة، وبالفضاء العام، وبالتجربة الجسدية للمشاهد الذي يمرّ تحت الشلال أو بمحاذاة الدوامة.

في شلالاتها ودواماتها، تطرح مارتين أسئلة عن الزمن، عن الأثر الذي يتركه الإنسان في الأشياء، وعن قدرة المعرفة على إعادة تشكيل نفسها. تتعامل مع الكتب كما يتعامل النحّات مع الحجر، لكنها تنحت حركة بدل الصمت، وتفتح ممرًا إلى الذاكرة بدل إقامة كتلة مغلقة. أعمالها تحوّل الفوضى المنظمة إلى لغة بصرية، وتستدعي الحواس جميعها، حيث يُرى الكتاب ويُستشعر ملمسه وتُستعاد رائحته وذاكرة القراءة المرتبطة به.

نال هذا المسار اعترافًا مؤسسيًا تُوّج بحصول أليشيا مارتين على جائزة أنطونيو دي سانشا التي تمنحها جمعية ناشري مدريد، في إشارة إلى دورها في إعادة طرح الكتاب كقيمة ثقافية وبصرية في آن واحد. تجمع أعمالها بين الدهشة الجمالية والتأمل الفكري، وتفتح أمام المتلقي مساحة لإعادة التفكير في علاقته بالمعرفة في عالم سريع التحوّل.

هكذا يغدو شلال الكتب أكثر من تركيب فني ضخم. إنه صورة رمزية للذاكرة حين تغادر الرفوف، وتدخل الشارع، وتتحوّل إلى نهر من الصفحات والأسئلة. احتفاء بالكتاب ككائن متجدّد، وتجربة بصرية تُظهر أن المعرفة تواصل تدفّقها بأشكال متعددة، تمامًا كما تفعل ذاكرة الإنسان حين تعيد كتابة نفسها عبر الزمن.

بولص آدم

70 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع