سامح قاسم
في بلدٍ يمكن أن يختلف فيه الناس على كل شيء ـ من سعر الطماطم إلى تعريف الوطنيةـ يبدو الاتفاق نادراً لدرجة تُدرَّس. ومع ذلك، هناك شبه إجماع غير معلن: أن الحقيقة مزعجة، وأن من يقولها غالبًا “مُستفِز”. من هنا تحديداً، يمكنك أن تفهم الحكاية كلها دون مقدمات طويلة: بلال فضل اختار أن يكون ذلك الصوت المزعج.. ثم تصرّف على هذا الأساس.
بلال فضل ـ لمن لا يعرفه، أو يعرفه ويتظاهر بالعكس ـ هو ذلك الكاتب الذي قرر في لحظة ما أنه لن يربح مسابقة “الكاتب اللطيف”، فدخل بدلاً منها مسابقة “قول الحقيقة وخد على دماغك”. والغريب أنه مستمر في المسابقة دي لسنين، من غير ما يشتكي.. أو يمكن بيشتكي، بس بطريقته، اللي تخليك تضحك قبل ما تكتشف أنه بيحكي عنك أنت شخصياً.
الرجل لم يختر السخرية لأنها “ستايل شيك” أو لأن الجمهور يحب الضحك، اختارها لأنه ـ ببساطةـ لو كتب بجدية كاملة، كان زمانه دخل في اكتئاب جماعي بالنيابة عنّا كلنا. فاختار الحل العملي: نضحك.. لكن نضحك على إيه؟ على نفسنا، على أوهامنا، على الجمل الكبيرة اللي بنقولها في الصباح ونخونها في الليل، وعلى ذلك الإحساس الدائم أننا “فاهمين كل حاجة” بينما نحن بالكاد فاهمين نفسنا.
في السينما، كتب شخصيات لو صادفتها في الشارع، لن تلتفت إليها، لكنك ستكتشف بعد الفيلم أنها تشبه ناس تعرفها بشكل مقلق. البطل عنده ليس بطلًا بالمعنى التقليدي، البطل عنده واحد “بيحاول يعدّي يومه من غير ما يتبهدل زيادة عن اللزوم”. وهذا تعريف واقعي جداً للبطولة في واقع قرر أن يجعل النجاة اليومية إنجازاً يستحق الاحتفال.
أما في المقالات، فالموضوع أكثر مباشرة، وأقل رحمة. بلال فضل يكتب لك كأنه يقول: “بص، أنا هقولك الحقيقة، وإنت حر تزعل أو تعمل نفسك مش شايف”. لا يضع لك مخدّة تحت رأسك، ولا يسكب لك شاياً بالنعناع قبل أن يصدمك، لكنه يبدأ مباشرة من الجملة التي تجعلك تقول: “هو يقصد مين؟”.. ثم تكتشف بعد سطرين أنه يقصدك أنت، ولو جزئياً، وهذا يكفي.
الممتع ـ أو المزعج، حسب حالتك النفسيةـ أنه لا يكتفي بنقد “الكبار”، فهو يمد يده بكل أريحية إلى تلك المنطقة التي نحاول جميعاً إخفاءها: تناقضاتنا الصغيرة. ذلك الجزء فينا الذي يطلب الحرية ويخاف منها، يحب الصراحة ويهرب منها، ويشتم الكذب ثم يمارسه بمهارة لا بأس بها.
ولأننا شعب يحب أن يرى نفسه جميلًا في المرآةـ حتى لو مكسورةـ فطبيعي أن كاتباً مثل بلال فضل لن يكون “محبوبًا على طول الخط”. هناك دائمًا من سيقول إنه “بيبالغ”، أو “بيسود الدنيا”، أو “فاكر نفسه فاهم”. وهذه اتهامات محترمة جداً في واقع يعتبر أن أفضل طريقة لحل المشكلة.. هي إنكار وجودها.
لكن دعنا نكن صرحاءـ وهي عادة أرجو أن تكون منتشرةـ الرجل لا يفعل أكثر من أنه يقول ما نراه ونسكت عنه. الفرق الوحيد أنه يكتبه، ونحن نفضّل أن نحكيه في قعدة ضيقة، بصوت منخفض، ثم نغيّر الموضوع بسرعة لما نحس أن الكلام كِبر.
السخرية عند بلال فضل مش مجرد “إفيه”، هي طريقة تفكير. هو يرى العالم مقلوباً، فيحاول أن يوقفه على قدميه.. أو على الأقل يريك أنه مقلوب، ثم يتركك تتصرف. لا يعطيك حلولاً جاهزة، لأنه ـ بكل بساطةـ لا يملكها، أو لأنه فاهم أن المشكلة أعقد من أن تتحل في عمود صحفي أو حلقة يوتيوب.
والمثير للاهتمام أنه، رغم كل هذا “الضرب في العضم”، لا يتحوّل إلى واعظ، ولا يتحدث من فوق. لكنه يضع نفسه داخل الصورة، كأنه يقول: “أنا زيكم، بس قررت ما أكذبش على نفسي قوي”. وهذه “القوي” تحديدًا هي الفارق بينه وبين كثيرين.
في النهاية، قد تتفق مع بلال فضل أو تختلف، قد تضحك من كتاباته أو تتضايق منها، لكن من الصعب أن تمر عليها مرور الكرام. لأنه ببساطة لا يكتب لكي “تعدّي”، يكتب لكي “يوقفك”. وإن لم تتوقف، فهذه ليست مشكلته.. هو قال اللي عنده، والباقي عليك.











