عبد السلام فاروق
ليس سهلاً أن تكون قارئاً هذه الأيام. تخيل أنك تدخل مكتبة ضخمة، الأرفف تمتد أمامك كصحراء بلا نهاية، والكتب تصرخ بأغلفتها البراقة وعناوينها المثيرة. تلتقط واحداً، ثم آخر، ثم ثالثاً. بعد ساعات تخرج خالي الوفاض، أو ربما تحمل كتاباً لا تعرف لماذا اخترته. هذا ليس فشلك وحدك. هذا هو عصر البضاعة الأدبية، حيث تحولت الكتب إلى علب تونة، تختلف في الشكل لكنها متطابقة في المحتوى، مختومة بالبلاهة والسطحية والفراغ البلاغي.
أنا لست متشائماً بطبعي، لكني من أولئك الذين يحبون أن يروا الأشياء كما هي. والحقيقة أن النشاط الأدبي في مصر اليوم يعاني اختلالاً بنيوياً، ليس بسبب مؤامرة من أحد، إنما لأن الحياة العصرية فرضت نفسها بقسوة على الثقافة كما فرضت نفسها على كل شيء آخر. السرعة، الاستهلاك، الصورة، الإبهار اللحظي. هذه هي آلهتنا الجديدة، والأدب يقدم لها القرابين.
السطحية منهج حياة!
متى كانت آخر مرة قرأت فيها كتاباً جعلك تتوقف بعد كل صفحة، تضع الورقة جانباً وتحدق في السقف، تفكر، تحلم، تغضب، تبكي؟ أو حتى تجادل الكاتب داخلك؟ هذا النوع من القراءة كان شائعاً، ليس في الماضي البعيد كما قد تظن، بل فقط قبل أن تأخذنا الحياة من أيدينا وتجعلنا نركض خلف أسمائنا على شاشات الموبايلات.
الآن صارت القراءة رياضة سرعة. تقرأ الرواية في ليلة، تلتهمها كما تلتهم وجبة سريعة. حين تنتهي، لا تتذكر أسماء الشخصيات الرئيسية، ناهيك عن أن تتذكر فكرة واحدة من فصولها الخمسين. لكنك تسرع إلى مواقع التواصل لتكتب: “يا إلهي، أذهلني هذا الكتاب!”، تضع صورتك مع الغلاف، تنتظر الإعجابات، ثم تنتقل إلى التالي.
هكذا تحول الأدب إلى مرحلة في ماراثون. من يقرأ أكثر، من ينهي أسرع، من يحصل على أكبر عدد من القلائل الزرقاء. أما ماذا قرأت، وماذا تعلمت، وماذا تغير فيك؟ أسئلة محرجة لا نطرحها.
البضاعة المختومة
هرم زوسر المدرج أقدم بناء حجري في التاريخ. تخيل أن الكاتب اليوم يشبه الفرعون الصغير. يريد هرماً خاصاً به. لكن معظم الأهرامات المعاصرة مبنية من ورق مقوى. تبدو ضخمة من الخارج، لكن داخلها فارغ.
إذن ما هي خصائص هذه البضاعة المختومة بالبلاهة؟
أولاً: اللغة بدون نبض. هناك نوعان من البلاغة الفارغة. النوع الأول: اللغة المعقدة المتكلفة. جمل طولها عشرة أسطر، كلمات غريبة حتى على معاجم العربية، تراكيب نحوية تنهيها في الزاوية. تقرأ الفصل ولا تفهم شيئاً، لكنك تخجل من نفسك، تظن أن المشكلة فيك. لا، المشكلة ليست فيك دائماً. كثيراً ما تكون المشكلة في كاتب يخفي فراغه وراء كلام كبير.
النوع الثاني: اللغة المسطحة المبتذلة. كلام كالرخام المصقول، يلمع لكنك لا تجد ما تتمسك به. كلمات بلا ظلال، بلا إيحاءات. تقرأ عشرة فصول في ساعة، ولا تحتفظ بجملة واحدة في ذاكرتك.
ثانياً: الشخصيات الورقية. في الأدب الحقيقي، الشخصية تولد معك، تنمو، تتعثر، تنتصر، تفشل، ثم تموت في النهاية – أو تموت أنت كقارئ قبل أن تنساها. في الرواية المعاصرة السطحية، الشخصيات أقرب للدمى. تتكلم كلها بنفس اللغة، تعاني من نفس المشاكل، تحلم بنفس الأحلام. تستطيع أن تبدل أسماءها ولن يختلف شيء. هذه علامة على كاتب لا يعرف الناس، لا يجيد الملاحظة، لا يصغي للحوارات الحقيقية في المقاهي والأسواق.
ثالثاً: الحبكة المسروقة. هل لاحظت أن معظم الروايات اليوم تشبه بعضها تماماً؟ هناك قوالب جاهزة. شاب وفتاة، حب مستحيل، عوائق اجتماعية، النهاية المفتوحة المبكية. أو رجل في منتصف العمر، أزمة وجودية، يهجر عمله، يسافر إلى مكان غريب، يكتشف نفسه. أو أسرة مفككة، أسرار مظلمة، جريمة قديمة تطفو على السطح. هذه النماذج كانت مبتكرة عندما ظهرت أول مرة. لكن بعد المرة المائة والألف، تصبح مجرد ماكينة تنتج أدباً معلباً.
من يتحمل المسئولية؟
القصة قديمة وليست جديدة. المشكلة منظومة متكاملة، كل طرف فيها يلقي باللوم على الطرف الآخر. الكتاب كثير منهم يريد أن يأكل العيش. بينما الناشر يريد أرقام مبيعات، الجمهور يريد شيئاً خفيفاً لطيفاً، النقاد يقرؤون بسرعة ليصدروا أحكامهم السريعة. في هذا الجو، من يملك رفاهية أن يقعد خمس سنوات على رواية واحدة؟ من يجرؤ على أن يكتب ما يؤمن به لا ما يريده السوق؟ قلة قليلة. ومن يقرأ لهم؟ قلة أقل.
الناشرون رجال أرقام بالأساس. لم يخوضوا معركة مع جملة صعبة، لم يبكوا على نهاية شخصية أحبوها. يريدون كتاباً كالمنتجات الاستهلاكية يخرج بسرعة، يباع بكثرة، ثم يختفي ليفسح مكانه لمنتوج جديد. لا يهمهم أن يظل الكتاب في المكتبات بعد عشر سنين. يهمهم أن يصل إلى المراكز العشرة الأولى هذا الأسبوع.
النقاد يا سادة، من يقرأ للنقاد أصلاً؟ ولا حتى النقاد أنفسهم. صار النقد الأدبي مهنة حزينة. الناقد الجيد يكتب مقالاً عميقاً يقرأه مائتا شخص. والناقد السطحي يكتب جملتين يتيمتين على فيسبوك “روعة، يستحق القراءة”، ويحصل على ألف إعجاب. السوق يكافئ السطحية حتى في النقد نفسه.
القارئ دعني أكون صادقاً معك، أيها القارئ العزيز. نحن مجتمع متعب. نخرج من العمل ونحن مرهقون. الحياة تستنزفنا. في هذا التعب، نريد شيئاً يريح لا يثقل. نريد قصة تلهينا ساعة، لا فكرة تطاردنا أياماً. هذا حقنا. لكن الثمن؟ الثمن أننا ندرب أدمغتنا على الكسل، ونكافئ الأدب الرخيص، ونطرد الأدب الجيد إلى متاحف الذاكرة الجماعية.
أين ذهبت الأفكار؟
تذكرت وأنا أكتب هذه السطور صديقاً لي، أستاذ جامعي متقاعد. قال لي ذات مرة: في شبابي، كنا نختلف حول الأفكار. كنت ناصرياً، صديقي إخوانياً، صديق آخر ماركسياً. كنا نتجادل بعنف، لكننا كنا نقرأ لبعضنا كتبنا، ونحترم عقول بعضنا. اليوم، الجيل الجديد لا يختلف. هو فقط لا يهتم. الفكرة عنده مثل الموبايل القديم – شيء عفا عليه الزمن.
هذا هو الفراغ البلاغي بعينه. كتابة بلا رؤية، شطحات لغوية بلا عمق، صراع صور بلا قضية. الكاتب المعاصر كثيراً ما يكتب وهو لا يدري لماذا يكتب. ليس لديه رسالة يريد إيصالها، ليس هناك إنسان يريد تخليصه من عذابه، ليس هناك ظلم يريد كشفه، ليس هناك جمال يريد الاحتفال به.
يكتب لأنه كاتب. لأن هذه مهنته. لأن آخر كتاب له بيع جيداً. لأن الناشر ينتظر مخطوطته الجديدة. فتخرج النصوص باردة كطعام المطاعم السيئة، مُعداً باحتراف لكن بلا روح.
أعرف أنني أبدو قاسياً. لكن القسوة في بعض الأحيان تكون رحمة. من يداعب جرحك لا يعالجك. من يخبرك أنك بخير وأن كل شيء جميل والنشاط الأدبي يزدهر، هذا إما جاهل أو منافق.
الاستثناءات المؤكدة للقاعدة
وسط هذه الغابة المظلمة، توجد هنا وهناك بعض النوافذ التي يطل منها الضوء. لا تزال هناك أقلام شابة جادة. لا يكتبون كثيراً، يكتبون بعناية. أعرف روائياً لا ينشر إلا كل أربع أو خمس سنوات. لا يهمه أن يبقى اسمه في الأضواء، يهمه أن يخرج العمل كما يريد. أعرف قاصاً يعيد كتابة قصته عشر مرات حتى يرضى عنها. أعرف شاعراً لا يزال يؤمن بأن القصيدة يجب أن تغير فيك شيئاً، لا مجرد أن تسمعها وتمضي.
هؤلاء هم الأطباء الذين يعالجون داء السطحية. ليسوا كثيرين، وقوتهم قليلة، لكنهم موجودون. مثلهم مثل البكتيريا النافعة في أمعاء الثقافة، تحافظ على التوازن وتمنع الموت السريري.
ماذا نفعل؟
لا أريد أن أنهي هذا المقال كخطبة جمعة، بوعظ وتوصيات لا يعمل بها أحد. لكن ربما هناك بعض الأشياء الصغيرة التي يمكننا فعلها.
إذا كنت قارئاً يجب أن تمنح الكتاب فرصة حقيقية. لا تقرأ أول عشر صفحات وتحكم. لا تشترِي لأن الغلاف جميل. ابحث عن كاتب جاد، اقرأ له، اقرأ من يقرأ له، شكل دائرة صغيرة من القراء الجيدين. وناقش بصدق. أخبر صديقك أنك لم تعجبك روايته المفضلة، ليس لأنك تريد إغضابه، بل لأنك تحترم عقله بما يكفي لتعطيه رأياً مختلفاً.
وإذا كنت كاتباً فلا تخن نفسك. لا تكتب ما لا تؤمن به. حتى لو كتبت قصة قصيرة في صفحة واحدة، فلتكن جيدة بالقدر الذي يجعلك تفخر بها بعد عشر سنين. لا تركض خلف الترند. الترند يركض أسرع منك. اكتب كأنك تكتب رسالة إلى صديق حميم، لا كأنك تلقي خطبة في ملعب مكتظ. التواضع خير صديق للكاتب، والتكلف ألد أعدائه.
أما إذا كنت ناشراً فيجب إلا تكن قاتل الأدب. نعم أنت تريد أرباحاً، وحقك. لكن حاول أن توازن. انشر كتاباً تجارياً وآخر ثقافياً. خاطر مرة كل سنة بكاتب جيد لكنه ليس مضمون البيع. التاريخ سيتذكرك لهذا، ولن تتذكر مبيعاتك السنوية في النهاية.
أما إذا كنت ناقداً فلتكن قاسياً حين يجب أن تكون قاسياً. لا تجامل. الناقد الجيد كالجراح، يقطع ليصلح. مجاملاتك لن تساعد أحداً، ستدفن الأدب الجيد تحت آلاف الجثث من الكتب الرديئة التي قيل عنها إنها روائع!.
في النهاية، كل عصر يشكو من انحدار الأدب. قالوا هذا في زمن الجاحظ، وقالوه في زمن المتنبي، وسيقولونه بعد مئة سنة من الآن. لكن الفرق أن الوتيرة تتسارع، وأن السطحية أصبحت منظومة متكاملة، وأن الإغراءات أكبر مما كانت عليه في الماضي .
ربما الخلاص ليس في العودة إلى الماضي الجميل، فأنا لا أصدق بعصور ذهبية خيالية. الخلاص ربما في أن ندرك أن الأدب الجيد ليس ترفاً، إنه حاجة. نحتاجه كي نفهم أنفسنا، كي نرى العالم من عيون الآخرين، كي نلمس أعماقاً فينا كنا نجهلها. الأدب الجيد ليس بديلاً عن الحياة، بل هو الحياة مضاعفة، مكثفة.
لن يختفي الأدب الجيد. قد يختبئ، أو يغيب عن الأضواء، لكنه سيبقى. في مكان ما، في غرفة صغيرة، في ساعة متأخرة من الليل، سيكون هناك من يكتب بصدق، وسيكون هناك من يقرأ بإصغاء. وهذا يكفي ليبقى النور مشتعلاً، حتى في أحلك العصور وأكثرها سطحية.










