نزار آغري
كان أري دي لوكا، الكاتب الإيطالي، النابولي، أحد المناضلين من أقصى اليسار وكان مقتنعاً بأن التاريخ سوف يقود، بالضرورة، إلى التغلب على الحدود. قال ذات يوم أن العمال ليس لديهم وطن والبروليتاريا ليست لها أمة. كان العمال، المستغَلّون، وفقاً لهذا الإيمان، مواطنين مع أشخاص آخرين مثلهم خارج الحدود، أكثر بكثير من كونهم مواطنين مع أبناء طبقة اجتماعية أخرى في بلدهم.
هو رأى أن “الوطن الأم” تعرض للخطر بشكل لا يمكن إصلاحه بسبب استحواذ الفاشية عليه: ”في منزلنا، كانت كلمة الوطن مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتجربة الفاشية. هناك كلمات تصبح بلا فائدة“. لهذا السبب دأب على تعريف نفسه بأنه شخص لا يعرف كلمة patria، أي الوطن ولكن جذر الكلمة يعني الأب وأنه يفضل كلمات مثل .أي الأم والأخ،matria, fratria ”لقد عرفت الأخوة، أنا الذي لم يكن لي إخوة“.
لم يتمكن دي لوكا من إعطاء جوهر لمفهوم الإنتماء إلا في سياق النضال السياسي. ”تقول أمي أن الوطن كلمة عزيزة فقط إذا كنت في الخارج. سوف تدافع عنه إذا سمعت أحداً يتكلم عن وطنك بسوء. وأنا أتفق معها، فقد حدث لي هذا ووجدت نفسي أقاوم الإهانة في الخارج. لقد حافظتُ على موطني الأصلي والطبق الذي أكلته والوصفات التي تعلمتها، وأسماء والدي، والزيت، والبرتقال، وقبلة على رصيف سكة القطار باللغة النابولية. تركت هذه الأشياء أثرها عليّ بشكل عميق“.
وهو وصف اللغة الإيطالية بأنها “اللغة التي تعلمتُ التحدث بها وأحببتها بعد اللغة النابولية“.
وُلد دي لوكا ونشأ في نابولي في الجنوب الإيطالي. كان الجنوب بمثابة طفل غير مرغوب فيه في المركز الإيطالي إلى حد كبير.
يقول دي لوكا أن المهاجرين غادروا بلادهم دون أن يعرفوا وكانوا يودعون بعضهم بالتلويح بمنديل أبيض (العلم النابولي) وليس بالعلم ثلاثي الألوان (العلم الإيطالي).
عبارة هاجروا دون أن يعرفوا تشير إلى أن المهاجر،الذي لا يعتبر نفسه إلا جزءاً من “الوطن الصغير” الذي تمثله المقاطعة أو الإقليم، لا يشعر بأنه عضو في المجتمع الوطني. لا يمكن للشعوب المختلفة أن تشكل شعباً إلا من خلال التغلب على الإنقسامات وقبل كل شيء من خلال تولي مشروع سياسي مشترك.
تشكل نابولي الخلفية الرئيسية لمعظم قصص دي لوكا. هذه الخلفية يتم التعبير عنها بشكل صريح أو مكتوم. يقول ولا يقول، يستحضر إسم المدينة ولكنه لا ينطق به صراحة. تدور أحداث رواياته كلها، تقريباً، في نابولي أو من حولها. مدينة نابولي التي تستحضرها هذه الروايات هي مرتع طفولة المؤلف ومراهقته. موطنه الأصلي. غادرها عندما كان في الثامنة عشر من العمر. وهو، على حد قوله، لم يستطع أن لم يتجذر في أي مكان آخر. ولم يرد ذلك، على أي حال.
”نابولي هي ثروتي الأصلية“.
في العديد من القصص يعود الروائي أري دي لوكا إلى تجربة مغادرة مدينته الأصلية. في قصة ”القميص على الحائط“ يتحدث عن هذا الرحيل باعتباره هروباً: ”هربتُ من مكاني الأساسي في الجنوب. غادرت وخنت الجميع، أبي وأمي وأختي والبيت والدراسة والأصدقاء وألف أسبوع من الإقامة“.
في المدن الأخرى التي مكث فيها أو مرَّ بها، بقي دي لوكا نابولياً حتى العظم. في كل مكان آخر، أينما كان، هو ليس سوى عابر سبيل.
في رواية ”جبل الرب“، شبّه دي نابولي بالقدس. أصبحت نابولي، بالنسبة له، بمثابة أرض الميعاد. إنها ترتفع في المرتبة الثانية، بعد المدينة المقدسة؟ هي سرة الأرض. السرة ليست مركزًا، بل هي عقدة ونقطة فاصلة فقط. ”هناك عضضت نفسي، انتهى الحبل ولكن العقدة ظلت مشدودة علي“.
في كتابه “نابولي”، كتب عن المهاجرين النابوليين في الخارج: جلبوا معهم اللغة النابولية لتساعدهم في التعبير عن حنينهم إلى الماضي. كانت اللغة الإيطالية هي لغة أولئك الذين حملوا ترف التحدث بشكل مختلف عن ”الشعب النابولي“، عن الشعوب الأخرى المتحدة تحت مظلة إيطاليا.
يتذكر دي لوكا أن استخدام اللغة الإيطالية كان حكراً على الطبقات العليا، ولم يكن لدى عامة الناس في نابولي سوى اللغة النابولية المتاحة. لم يُنظر إلى إتقان اللغة الإيطالية باعتباره توسعاً لإمكانيات التواصل أو زيادة في القدرات المعرفية، بل كعلامة على المكانة الإجتماعية والتمييز. كانت اللغة مخصصة لأولئك الذين يستطيعون تحمل ترف التحدث بشكل مختلف عن الشعب، عن الشعوب. لم يُنظر إلى البلاد، أي إيطاليا، باعتبارها كلاً عضوياً، بل كمجموعة من السكان غير المتجانسين الذين تجمعوا “تحت مظلة إيطاليا”. وتوحي الاستعارة بأن الأمر يتعلق بمكان خارجي يغطي المنطقة دون أن يمنحها بنية سياسية حقيقية.
اللغة النابولية التي حملها معه إلى الخارج كانت متاعه الوحيد، الكنز غير القابل للتصرف الذي ظل يحرسه بغيرة، هو الذي بقي هارباً ومطارداً ولاجئاً في فرنسا فترة طويلة. إن اللغة التي يعبر بها الإنسان عن ندمه على الوطن الصغير المفقود هي البديل لعالم لم يعد من الممكن استعادته، فهي تمثل الذاكرة التي يبحث فيها عن نفسه ويجد ملجأه. اللغة المنقولة إلى بيئة ثقافية ولغوية أخرى يمكن أن تجف إذا أهملها حاملها والرغبة في الحفاظ عليها تعكس التعلق بالمنبت الأصلي بالرغم من المسافة التي تفصله عنها. الجذور اللغوية التي يتجلى فيها هذا التشبث العنيد تعوض في هذه الحالة عن الإقتلاع المتأصل في حالة المهاجر. “نحن لا نسكن مكانًا بل لغة”، هذا ما كتبه إلياس كانيتي في كتابه “اللغة المخلصة”. يعرّف دي لوكا اللغة النابولية بأنها اللغة التي وُلد فيها: في كل مرة يشيريون إلي بالكاتب الإيطالي فأصحح الأمر تلقائياً وبشكل عفوي: أنا كاتب باللغة الإيطالية. لأنها، اي الإيطالية ليست لغتي الأم بل هي اللغة الثانية التي تعلمتها. هي تقع بجوار اللغة الأولى الأولى، أي اللغة النابولية، وأقل وضوحاً منها. اللغة الإيطالية هي لغة متقنة، وأنا أحترمها. ولكني، كما وهو واضح، لا أستخدم الفعل ”أحب“ مع اللغة الإيطالية. استعمل كلمة ”أحترم“. أما النابولية فإني أحبها وهي تحبني أيضاً.
يتساءل المرء لماذا لا يقبل دي لوكا لقب “الكاتب الإيطالي” لنفسه ويفضل اللقب غير المعتاد “كاتب باللغة الإيطالية”. يمكن الإفتراض أن دي لوكا يرفض أن يُعتبر “كاتباً إيطالياً” لأنه يشعر بالغربة عن المجتمع الإيطالي لأسباب تاريخية وسياسية. قد يبدو للوهلة الأولى أن الكاتب يرى تفوق النابولية على الإيطالية. ولكن لا: ”أكتب بالإيطالية لأنني أستطيع أن أعبّر فيها عن وقائع اليوم، متحرراً من ضجيج نابولي“، كما يقول الراوي في رواية جبل الرب. الإيطالية غير صاخبة، هي، كلغة كتابة، تُعدّ صوتًا داخلياً صامتاً.
العلاقة التكافلية التي تربط دي لوكا باللغة النابولية هي علاقة وجدانية، عاطفية، فيها الكثير من الضغف والحنين والحب، ”أنا أحب النابولية وهي تحبني أيضاً“. هذه العلاقة الحميمية تتناقض ضمناً مع العلاقة غير المتكافئة التي تربطه بالإيطالية. الإيطالية، على عكس النابولية، ليست حقيقة فورية بل أتت كغزو صعب. هي لغة “تحققت” بحكم الأمر الواقع. ”أنا لست وطنيًا إيطالياً، ولا تسرع نبضات قلبي على أنغام النشيد الوطني الإيطالي. وطني هو أولاً اللغة النابولية ومن ثم اللغة الإيطالية. حصلت على هذه الوطنية من والدي، من كتبه، من إصراره على التحدث بها في المنزل دون لكنة نابولية. في مدينة منتصف القرن العشرين، كانت اللغة النابولية هي اللغة الغالبة، وكانت اللغة الإيطالية شحيحة وغير مفهومة. كان والدي هو الوصي عليها، وكنت وريثه. لقد كانت هدية عظيمة، كانت بمثابة الوطن البديل.
يمارس الأب دوره الرمزي كفاصل من خلال إدخال مسافة بين الأم وطفلها. يُنتزع ابنه من اللغة “التي ولد بها“. يُفصل عن اللغة النابولية التي هي واحدة مع العالم الأمومي، مما يجعله يخضع لشكل من أشكال الإخصاء الرمزي. بالنسبة لدي لوكا، فإن تعلم اللغة الإيطالية تزامن مع اكتشاف الأدب والكتب التي يدعي أنه تلقاها من والده، مما يشير إلى أنها ملك لهذا الأخير أي، بمعنى ما، أعمق من مجرد الإنتماء المادي البسيط. كأنها تمثل السمة الرئيسية لسلطة الأب. كانت كتب والدي بمثابة معجزة، أكبر بكثير من العالم الذي أعرفه، وأعمق بكثير. إن حمل اللغة الإيطالية من خلال الأدب تزامن مع الإنفتاح على آفاق جديدة وتعميق المعرفة التي لم تكن أي تجربة أخرى قادرة على ضمانها وبهذا المعنى فإن الأمر يتعلق، بالفعل، بغزو خارجي حقيقي. ولكن اللغة النابولية بقيت تمثل مورداً لا يمكن الإستغناء عنه لأنها تسمح بالعودة إلى البعد الحميمي والإمكانية الدائمة لإقامة إتصال مباشر مع العالم الأصلي: ”أستخدمها من باب العادة مع والدتي وهذه عادة في كثير من المجتمعات. يطلق اليهود في أوروبا الشرقية على اللغة اليديشية اسم ماميلوشن، أي لغة الأم. الشخص الذي يتوقف عن استخدام اللغة الأم هو شخص تخلى عن درجة من الألفة مع عالمه الخاص وأقام مسافة قاسية معه. لقد قمت بتمييز العديد من اللغات، ولكنني أحتفظ، من أجل خلاصي، ببقايا الإندفاع المدهش والعفوي الذي لا يمكن تذوقه إلا في الماميلوشن، أي النابولية بالنسبة لي.
كان والد الكاتب، ألدو دي لوكا، بالإضافة إلى كونه قارئاً عظيماً، روائياً هاوياً أيضاً، ومن المرجح أن توجهات دي لوكا الفنية انبثقت من تماهيه مع والده ككاتب. في جميع كتاباته، أظهر دي لوكا مشاعر متناقضة تجاه الشخصية الأبوية. فهو رفض النموذج السياسي والأخلاقي الذي جسده والده، وكان يلومه على افتقاره إلى الإلتزام الحزبي خلال سنوات الحرب، لكنه تبنى بشكل كامل تراثه الثقافي واللغوي.
بالنسبة للوكا فإن اللغة النابولية ذات وجهين: يمكن أن تكون أنثوية ومداعبة ولكن رجولية وعدوانية في نفس الوقت. تبعاً للأوقات والأماكن التي يتم استخدامها فيها. هكذا تحمل اللغة النابولية وجهين متناقضين: وجه الفضاء الخاص والعواطف المنزلية، ولكن أيضاً وجه الشارع والعلاقات الإجتماعية القديمة والوحشية وسلاح دفاع يتوافق استخدامه مع التكيف الضروري مع بيئة معادية مليئة بالمزالق والمخاطر.
ومع ذلك، ففي حين كانت اللغة النابولية هي اللغة الغالبة في نابولي في منتصف القرن العشرين، وكانت الإيطالية قليلة وغير مفهومة، فإن اللغة الإيطالية اليوم، هي التي تطغى ويتقنها الجميع الآن، لقد تغلبت على النابولية. اللغة الإيطالية، الغنية والمعقدة التي لا يمكن تعلمها إلا من خلال الكتب، باتت هي السائدة. يأسف دي لوكا على عملية التجانس الثقافي واللغوي التي تلتهم اللغات الأم، والتي يتم تقليصها إلى مجرد لهجات إقليمية بسيطة. الآن تتراجع اللغة النابولية تحت وطأة احتلال اللغة الوطنية، أي الإيطالية، التي تمحو قاموسها وتختصرها إلى مجرد لهجة جنوبية، مثل اللغات الإيولندية والويلزية والأسكتلندية وكذلك لغة كورسيكا وأهل المارسيليا في فرنسا.
اللغة النابولية هي الآن، في عيني دي لوكا، نبتة مهددة بالذبول تحتاج إلى رعاية: أنا أحمي السياج ولا أسمح للإيطاليين بالدخول. النابولية بالنسبة لي محمية طبيعية.
من خلال الإستعارة البيئية، يعيد دي لوكا تنشيط رؤية دانتي الأسطورية، الواردة في كتابه “في البلاغة العامة”، عن “العامية” باعتبارها لغة “طبيعية” مقارنة بالإصطناعية النحوية للغة الوطنية.
”اللغة الأم هي الثوب الذي أرتديه حين أدخل بيوت الآخرين. إنها صوتي الصغير، إنها موسيقاي وبهجتي“.











