كيــف تُصبِــحُ كاتبــاً علميــاً؟ تحريضٌ على الكتابة العلمية للعامة(*)

ragab saad alsayed

رجب سعد السيد

     تشهدُ الكتابةُ العلميةُ العربيةُ رواجاً متنامياً في هذه الآونة، بعد أن كانت حقلاً مهجوراً، يمكنك أن تُحصيَ عددَ (المُفلحين) فيه على أصابع يديك، بأكثر تقدير؛ ولعل بعض السبب في الرواج، عربياً، مردودٌ إلى جزالة المقابل المادي الذي يجده الكُتَّـابُ العلميون من الدوريات ودور النشر العربية المهتمة بالثقافة العلمية وتبسيط العلوم. لكن جزالة المردود لا ينبغي أن تخفي صعوبة هذا الجنس من (السرد)، فهو عصِـيٌّ على من لا يملكون ناصية فن الكتابة؛ والدليل على ذلك أن عدد المشتغلين بالعلوم والتكنولوجيا في الجامعات ومراكز البحث العلمي والتكنولوجي العربية يُقَـدَّر بمئات الآلاف، يحترفون الكتابة العلمية – بلغاتٍ أجنبية – في تخصصاتهم، في حين لا يتعدَّى من يجيدُ منهم الكتابة العلمية لغير المتخصصين بضعَ مئات. ولكاتب هذه السطور تجربة خاصة تؤكد هذه الحقيقة، إذ يجد مشقة بالغة في العثور على نص علمي يصلح للنشر في سلسلة للثقافة العلمية يرأس تحريرها، تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.

     وعلى أي حال، فثمة من يرون أن الكتابة العلمية لا تحتاجُ إلى دارسٍ أكاديمي، وإنما إلى (كاتب)، بالمقام الأول؛ فآرثر كلارك – على سبيل المثال – تعثر طويلاً في تعليمه الجامعي قبل أن يحصل على درجته الجامعية في الرياضيات والفيزياء، وهو كاتب الخيال العلمي العملاق، وله كتابات علمية غير قصصية، وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بفضله، واعلنت في أعقاب هبوط (نيل أرمسترونج) على سطح القمر عام 1969 : لقد وفَّـرَ لنــا كلارك الدافعَ الذهني الضروري الذي قادنا إلى القمر !.

     كما تتمثل صعوبة الكتابة العلمية في مسئولية من يتصدى لها عن متابعة ومراجعة مجالات تشهدُ بعضاً من أوجه التقدم المتسارع غير المسبوق، بدءاً من الإنجازات المذهلة في التكنولوجيا الحيوية، إلى المكتشفات الغريبة في عالم الفيزياء الفلكية. وفي أحيان كثيرة، يجد الكاتبُ العلميُّ نفسَــه مطالَبــاً بالكتابة عن الفيروســات، وعن المخ، وحول التطور، والذكاء الاصطناعي، والكواكب الدوّارة حول شموسٍ أخرى، ويتعرض لأحوال البيئة والمناخ في العالم .. كلُّ ذلك في أسبوع واحد !. وعلى الكاتب العلمي أن يكون قادراً على الترجمة الدقيقة للأخبار القادمة من المختبرات ومراكز التكنولوجيا، بأسلوبٍ يسهُلُ على القارئ غير المتخصص فهمه. وفي بعض الأحيان، تستدعي الضرورةُ وضعَ المادة العلمية في سياقٍ تاريخي، أو ربطها بشخصياتٍ، أو بأحداثٍ وملابسات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.

     ويكتسبُ الكاتبُ العلمي أهميتَه من كونه الصلة الرئيسية بين العلماء وعامة الناس؛ وهو لا ينقل إليهم، فقط، أخبار الإنجازات العلمية المثيرة، ولكن يطلعهم، أيضاً، على القضايا العلمية المثيرة للجدل، ليكونوا قادرين على تكوين موقف إزاءها؛ ويدخلُ في نطاق ما يقدمه الكتّابُ العلميون لقرائهم إعدادُ خلفياتٍ علمية عن الأخبار ذات الصفة العاجلة، كالهزاتِ الأرضية، وحوادثِ تســـرُّبِ النفط، بالإضافة إلى تنبيههم للمخاطر الطبية والأخطار البيئية.

     ويتميزُ الكتَّابُ العلميون إلى ثلاثة أقسام رئيسية : الصحفيون العلميون، وشاغلي وظائف الإعلام العلمي، والكتّاب المستقلون. فأما القسمُ الأولُ، فتجده في الصحف والمجلات ووكالات الأنباء ودور النشر ومحطات الإذاعة المسموعة والمرئية ومواقع الخدمات بالإنترنت؛ وقد تكون هذه الجهات ذات طابع تجاري، كالصحف، وقد لا تستهدفُ الربحَ، كالجمعيات العلمية التي تصدر المجلات والصحف ونشرات الأخبار العلمية بالإنترنت. والمستهدفُ الرئيسي للكتاب العلميين، بعامةٍ، هو القارئ غير المتخصص، إلاَّ أنهم يفيدون جماعات من المهنيين، مثل المشتغلين بالبحث العلمي، والأطباء والمهندسين. ويسنحقُّ الكتَّــابُ البيئيون إشارةً خاصة، كفئةٍ متخصصة، فقد يتناولُ الكتابُ العلميون الشأنَ البيئي من ناحية الأعمال البحثية، أما كتّابُ البيئة، فيغطون جوانب أخرى، مثل التلوث وقوانين البيئة. كما تجدُرُ الإشارةُ إلى فئة يصعبُ ضمُّهـا إلى الكتاب العلميين، هم المحررون التقنيون الذين يكتبون المواد التي تجدها في كتيبات تعليمات الاستخدام المرفقة بالأجهزة، والتقارير الوصفية لمستحدثات التكنولوجيا، التي تجدها في المجلات التجارية، وفي الإعلانات مدفوعة الأجر بالصحف السيارة.

     وأما شاغلو وظائف الإعلام العلمي، أو الإعلاميون العلميون، فهم منتشرون في الجامعات ومراكز البحوث والمختبرات والمتاحف العلمية؛ وتتضمن مهامُهم الوظيفيةُ إعدادَ النشرات الإخبارية وغيرها من المواد التي تشرحُ البحوثَ الجارية في مؤسساتهم، وتعينُ الصحفيين العلميين على كتابة موضوعاتهم عن هذه البحوث. وقد تجاوزَ أولئك الكتَّابُ هذه المهام التقليدية بعد النمو الهائل في التعامل مع الإنترنت، فأصبحوا يتعاملون – عبرها –  مع العامة مباشرةً.

     ويتركز إنتاجُ الصحفيين العلميين العاملين في وسائل الإعلام المقروءة في كتابة المقالات الإخبارية عن المكتشفات العلمية الجديدة، ومقالات رئيسية تتناولُ موضوعات علمية من منظورٍ أرحب، وتتضمنُ – في أغلب الأحيان – إشارات إلى أصحاب المنجزات العلمية وظروف إنجازها؛ وهي إشارات مستحبة لدي طيف واسع من القراء. أما الإعلاميون العاملون بأجهزة الإعلام المسموعة والمرئية، فإنهم يحولون المادة المكتوبة إلى سيناريو أو مخطط لبرنامج، يعتمدُ – بطبيعة الحال – على المادة المرئية والمسموعة. وأما الكتاب العلميون الذين يشتغلون بإنتاج الكتب العلمية، فهم يقضون سنواتٍ في جمع وتدبيج فصول كتبهم، بما يتناسب والمعالجة المتعمقة للموضوع الكتاب، مستخدمين مئات الآلاف من الكلمات، في عشرات الصفحات. ويجب الاعترافُ بأن الإنترنت قد اقتحمت الساحة بكل قوة، وسهَّلتْ استخدام العديد من الوسائط في وقت واحد، حيث يمكن للمستخدم أن يدمج النص المكتوب، بالصوت والصورة والأشكال البيانية والرسوم التوضيحية، في أكثر من أسلوب لعرض أخبار البحوث العلمية ونشر التقارير عنها.

     ويُعبِّـرُ إعلاميو المؤسسات العلمية في القصص الإخبارية التي يقدمونها عن إنجازات مؤسساتهم العلمية والتكنولوجية، من وجهة نظر هذه المؤسسات، ولا يكتفون بالأخبار المجردة، فيضيفون إليها التفاصيل التي تهم نوعيات مختلفة من القراء. وقد يمتد نطاقُ عمل هؤلاء الإعلاميين العلميين ليشملَ الإشرافَ على إنتاج البرامج الإذاعية ونشرات الأخبار المصورة ومواقع في شبكة الإنترنت، لتغطية أنشطة البحوث العلمية في مؤسساتهم. وتتوفر للصحفيين العلميين حاسةٌ خاصة، يكتسبونها من خلال دِربةٍ طويلة، تجعلهم قادرين على  اختيار الأخبار العلمية الأكثر أهمية لنوعية قرائهم.

     وتتعددُ مواردُ المادة العلمية أمام الكتاب العلميين، وتشملُ : المجلات العلمية العامة، والمتخصصة، والنشرات الإخبارية، والملفات الإلكترونية، كما يستقون مادتهم من حضور المؤتمرات والمنتديات العلمية، ومن الاتصالات بالعلماء أنفسهم، في مراكز البحث العلمي والتكنولوجيا، على نحو مباشر، وإجراء مقابلاتٍ مع أصحاب المنجزات العلمية منهم، أو مع مسئولين في المؤسسات التي أنتجتها. ويعد هذا من أفضل أدوات استقاء المعلومات وتقصي الحقائق، وتأكيد أو نفي الأخبار المتعلقة بالأنشطة العلمية.

    وفي بعض الأحيان، يحرصُ الكاتبُ العلمي على مرافقة العلماء في الرحلات والمهام العلمية، وقد يلقى في هذا المقام مشقةً ويواجه المخاطر، غير أن ذلك يهون أمام ما يحصل عليه من مادة علمية فريدة. ومما يذكر في هذا المجال، مرافقة الأديب المصري الدكتور حسين فوزي لبعثة (جون موري) البحرية، لدراسة المحيط الهندي، على ظهر السفينة المصرية (مباحث)؛ وبالرغم من أنه رافق البعثة كعالم وطبيب، إلا أن الكاتب فيه لم يدع الفرصة تذهب سدىً، وعاد من الرحلة بكتابه الممتع (سندباد بحري)؛ ونذكرُ أيضاً الرحلة التي رافق فيها الكاتبُ الأمريكي العظيم “جون شتاينبيك”، عام 1939، عالِـمَ البيولوجيا البحرية “إد ريكيتس”، على ظهر سفينة صيد، في خليج كاليفورنيا، الذي يُعرف أيضاً ببحر كورتيز، حيث أمضيا على ظهر السفينة ستة أسابيع، في تسجيل الملاحظات وجمع نماذج وعينات من الكائنات البحرية. وقد استخدم شتاينبيك نتائج هذه الرحلة البحرية العلمية في كتابه (بحر كورتيز)، الذي صدر بالعام 1941، واشتملَ على قوائم بأسماء الكائنات البحرية في المنطقة، وخصالها، وموائلها المختلفة، إضافة إلى ملاحظاتٍ حول سكان الساحل في تلك المنطقة. وكتب شتاينبيك يسجل مشاهداته في مناطق البرك المتخلفة عن حركة المد والجزر، قال : “تبدو لي أنواعُ الكائنات الحية، التي تعيشُ في هذه البرك كأنها فواصلٌ بين جُمَــلٍ، ويمثل كلُّ نوعٍ قمة وقاعدة هرم، في آنٍ معاً. وتندمجُ الأنواعُ بعضُها مع بعض، وتنصهرُ المجموعات في التجمعات الإيكولوجية، حتى يأتي وقتٌ يلتقي فيه ما تعارفنا على أنه حياة، ويتداخل مع ما نحسبه جماداً؛ كالأطومات والصخور، والصخور والأرض، والأرض والشجرة، والشجرة والمطر والهواء. وإن معظم المشاعر، وأغلب صرخات الاحتجاج الرمزية، التي هي الأكثر بين ردود الأفعال التي تصدرُ عن النوع الذي ننتمي إليه، والأكثر استخداماً وطلباً، ليتجسد جميعُها في أن نفهم، ونحاولُ أن نُقِــرَّ بأنَّ الإنسان وثيق الصلة بوحدة الوجود”.

     إن الكتاب العلميين الواعدين لا يأتون من فراغٍ، وإنما تصنعهم قدرات خاصة لا تتوفر لغيرهم؛ ومن أهم ما ينبغي أن يتحلوا به شغفٌ بالعلم لا يفتر، مع موهبة الكتابة السلسة، ودافعٍ لمواصلة التحصيل، على مدى مسيراتهم المهنية، فهم يتميزون عن غيرهم من كتّاب التخصصات الأخرى في أن كل مقالة جديدة يكتبونها في مجال علمي مغاير قد تحملُ في طياتها أفكاراً جديدة ومفردات لغوية يضيفونها إلى حصيلاتهم من الاصطلاحات العلمية. ويتخرج الكتّابُ العلميون، في الغالب الأعم، في كليات الإعلام والكليات العلمية؛ وقد تتوفر للعلماء أنفسهم القدرةُ على الكتابة العلمية للعامة، فيتواصلون مع مجتمعاتهم من خلال المقالات والكتب الميسَّـطة. والجدير بالإشارة إليه في هذا الصدد أن بعض الكليات في جامعات أوربية وأمريكية أنشأت برامج تدريسية متخصصة في الكتابة العلمية، وهو اتجاهٌ محمودٌ، لعلنا ننقله إلى جامعاتنا العربية.

     وقد سبقت الإشارةُ إلى ارتفاع العائد المادي للكتابة العلمية؛ وقد يكون من المتعذر تحديد معدلات عامة لمدخولات الكتّاب العلميين العرب، بينما تقول مؤشرات عامة أن راتب الصحفي العلمي، حديث التخرج، في الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، يبدأ بعشرين ألف دولار سنوياً، ويصلُ إلى 30 ألفاً في الصحف الكبيرة، التي تعطي الكتّاب العلميين والمحررين ذوي الخبرة الطويلة 60 ألف دولار في السنة؛ بينما يصل راتبُ المحررين والمراسلين العلميين الكبار في المجلات العلمية إلى مائة ألف دولار سنوياً. أما الكتّاب العلميون المستقلون، غير المنتمين إدارياً إلى جهات نشر، فإن مخصصاتهم تتحددُ بالقطعة، وهم الأدنى أجراً، مقارنةً بالصحفيين والكتّاب العلميين الرسميين، ويتقاضون نحو دولار واحد عن كل كلمة في المقال المنشور بالمجلة العلمية الشهرية، ويقل هذا السعر في الصحف اليومية. وعلى ذلك، فإن مقالاً مكوناً من 3 آلاف كلمة، قد تستغرق كتابتُه شهراً كاملاً، يساوي 3 آلاف دولار، أي 36 ألف دولار سنوياً، في حال انتظام الكاتب في نشر مقال كل شهر.

………………………….

مصادرالمقال

1 – A Guide to Careers in Science Writing. http://casw.org/casw/guide-careers science-writing

2 – A Field Guide for Science Writers: The Official Guide of the National Association of Science Writers. http://www.nasw.org/field-guide-science-writers-official-guide-national-association-science-writers

3 – Directory of Science Communication Courses and Programs. http://dsc.journalism.wisc.edu/

(*) للكاتب كتاب عنوانه (الثقافة الغائبة – تحريض على الكتابة العلمية للعامة) – صادر عن سلسلة (كتاب اليوم – دار أخبار اليوم – 2024.

 

 

 

 كاتب ومترجم مصري، يعيش في الإسكندرية. حاز جائزة الدولة التشجيعية في الترجمة، وجائزة رفاعة الطهطاوي، للترجمة العلمية – المركز القومي…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع