فتحي مهذب
بظهر مقوس أجر عربة النهار.
أنا رجل عجوز تجاوز الستين بغيمتين..
براهيني هرمة مثلي
كذلك أدلتي على العلل الأولى..
في مقبرة سنواتي الطويلة
دفنت الكثير من الأصدقاء السيئين
الكثير من الأماكن العذبة
الصلوات المليئة بريش طيور الواقواق
النظريات التي تهم أصل الإنسان
الشروحات المتداعية لواجب الوجود
دفنت جوهر الأشياء
في معطف أمي
رميت الميتافيزيقا بالحجارة
لأنها هشمت دراجة مخيلتي
طاردت ثعالب أسئلتي
أمام صديقي ديونسيوس
أتلفت الكثير من الخمور
فوق عتبة النص
في مقبرة سنواتي الأولى
لم أك آبه جدا بموت أبي
بسعاله الليلي الذي يطير مثل خفاش
بصوته الذي يشبه طقطقة صندوق الأموات
بعينيه اللتين تطفوان وتنزلان مثل غريقين
في محيط هائج
بكلماته الإغريقية الملغزة
وقدوم جمهرة من المسرحيين
لتقديم العزاء
بكلمات مثقوبة وعمياء وباردة
لم أك آبه بالفراغ
الذي يزأر مثل أسد جائع
بعد موته الكوميدي الأسود
الفراغ الذي يلعب الشطرنج
في قاعة روحي البريئة
لم أك أبه برمال يتمي المتحركة
داخل صحراء البيت
الفقر الذي صار صديق العائلة المبجل
الأصوات الغريبة التي تزرب
من روح أخي الأحدب
العالم بأنيابه المثيرة للتقزز
أنا رجل عجوز
تجاوز الستين بصفعتين
قلق جدا (كأن الريح تحتي)
في قبعتي يعشش طائر الزهايمر
أفكار سيئة جدا عن الله والآخرة
أجر عربة النهار بظهر مقوس
أطارد الفلاسفة بمسدس فصيح
الذين اختلسوا قوس قزح
من سماء طفولتي الحلوة
واستمنوا في غرفة نومي المتواضعة جدا
أكره الناس كثيرا
مفندا مقولة (الإنسان مدني بالطبع)
حيثما يوجد الأناسي يوجد الشر
تحبك المؤامرات داخل أسوار الظل
حيث تينع فلسفة القتل اليومي
تتساقط فواكه الجثث
الواحدة تلو الأخرى
بينما الطبيعة بفم فاغر
تحدق في مطر توابيتنا الغزيرة
أكسر زجاجة القلق على الإسفلت
لاعنا سلالة هذا الدم الفاسد.
أنا رجل عجوز جدا
أحاول رتق سنواتي الأخيرة
بإبرة البراقماتيزم
أنام مثل سماء مكفهرة
على سرير مليء بالأشلاء
أصحو على إيقاع بنات نعش
أملأ سلالي بالنجوم والنيازك
جيراني موتى
والبيوت مقابر
أبدو مثل ثقب أسود خطير
سأبتلع شمس براهيني الواهية
وأختفي.
***
رصاصات عذبة في طبق شهي
رصاصات عذبة في طبق شهي
هذه وجبتي اليومية المفضلة
أيتها المقصلة إبتسمي قليلا
أطردي الغيوم من بستان حبيبتي
أيتها المراكب القمحية
الملآى بأسرار الشرق
وتعاويذ السحرة
يا طيور الكراكي
لا تقفلي شبابيك الأفق
أيها النسيان بخنجره السام
المرشوق في خاصرة الغريب
ذره يتطوح في مهواته
ذرنا نرصع الشرفات بزبرجد الموسيقى
نغسل الندم من شوائب العثرات
نعمد الكلمات بشآبيب النور
سيسقط الباص في الجب
سيسقط الشيء في اللاشيء
ويلتهم دموع حبيبتي
دب الفراغ الأشقر
أيها النهار المليء بزيزان النميمة
الكثير من الأصدقاء إختفوا
دفعة واحدة
النوافذ الزرقاء
والبيوت المكسوة بالشيب والغبار
شجر اللوز المطوق بالأساطير
والسرد المتقطع
الوجوه المشبعة بسمرة داكنة
سماؤنا الأولى بلباسها الطفولي
وأنت أيها النهار الأبله
لم تزل تجر عربة المتناقضات
داخل ممرات رأسي
سأهشم وجهك القميء
بآلة حادة
وأجر جثتك إلى لامكان
***
يد مسلحة بفأس تقطع البراهين
لم يعد الينبوع إلى البيت..
لم أفسر للنافذة صرير مفاصلي..
لم يختلس فواكه مخيلتي
سنجاب أحمر ..
يد مسلحة بفأس
تقطع البراهين ..
والأغصان التي ترفع الضباب..
لم تفتح غزالة فمها لتهدئة الخواطر..
لم أستسلم لزئير الأضداد..
لن أكون رهينة في باخرة عمياء..
سأقاتل من أجل وطن الكلمات..
لن أناقض مرآتك الهادئة..
الغزلان المذعورة التي تفر من غابة صوتك..
حواسك المليئة بإيقاع المتصوفة..
يدك التي تدفعين بها عربة الأمس
ملابسك المبقعة بدم المسيح.
**
لنتفاوض يا الله
تعال يا الله
لنتفاوض..
الهاوية التي تسمى ماوراء الطبيعة أتعبتني كثيرا
أتعبتني شروحات القس الشبقي
أتعبتني الحروب في براري النوم
أتعبتني كثيرا..
هذه الرأس المسحورة
غابة الأمازون الملأى بفهود اللاوعي
البحيرة الشريرة الملأى بالأشباح والقوارب..
هذا الجسد الساقط الموحل المنذور لوليمة باذخة..
تعال نتفاوض
في مكان ما من هذا العالم
لأرى وجهك الجميل
زيك الرسمي الأزرق..
كرسيك الأنيق..
إضبارتك الأزلية
ألبوم أسلافي الميتين منذ البدايات الأولى..
خرائط المجرات المعقدة جدا
غرف الملائكة الطينية..
وجه عزرائيل الدراماتيكي
كتاب حياتي الأسود
لا الأنبياء ولا المتصوفة ولا الفلاسفة رقوا لحالي الغريبة..
لاوردة في مزهرية روحي
لا شمس في انتظاري
بيتي معتم ويداي مقطوعتان
ضرير في متاهة عدمية..
يا الله لنكن صديقين مرة واحدة
خانتني ذئاب الحواس
روحي وردة ميتة
وجهي دخان عابر..
***
هدايا فاخرة للمنتحرين
لدي هدايا فاخرة جدا للمنتحرين
إذن يا سعادة المنتحرين
تعالوا في شكل فراشات
لتستلموا هداياكم
أيها العظماء
جديرون أنتم بتصفيق جماعي
بوليمة من الضوء
بأوركسترا أبدية في كنيسة النهار
لا ترسلوا أحدا بديلا منكم
لا ترسلوا حبالكم الطويلة
المعلقة في سقف المخيلة
لا ترسلوا بنادقكم الحزينة
أنا في انتظاركم فوق الجسر
عيناي نورسان يصطفقان فوق الغمر
وفمي مليء بالضباب
هيا لا تصغوا لأحد
لنباح آت من قاع الجحيم
أو ندم أسود يعوي في العتمة
لا تصغوا لزئير الجنازة
أنا في انتظاركم
لأهديكم سلما طويلا من الموسيقى
غابة مليئة بالأجنحة والأزهار المضيئة
أيها المنتحرون الجيدون
تعالوا في شكل فراشات
آذار على الأبواب
وهداياكم لا تحصى
مبثوثة في خزانة قلبي.
***
نهاية العالم
أدعو إلى نهاية العالم
أدعو الشمس إلى إضراب شامل
النجم الطارق النجم الثرثار
إلى تأبين الأرض
علماء الناسا إلى الإختفاء القسري
البراكين إلى هيجان مطلق
أدعو إلى قتل النقاد في حانة مهجورة
تشييع المنتحرين على عربات الإسكيمو
أدعو الأشباح إلى قنص المخلوقات العذبة
أدعو إلى جزيرة اللامعنى
سرقة وجوه الأموات
كشف عورات العقل
الإحتفاء بعظمة الخفافيش
وإعادة مجد الغربان
أدعو إلى الجنون والموسيقى والتناقض
إلى تدمير كل خلية عصبية بغاز الخردل
لتجن الوديان وتلتهم القوارب
ليكن الطوفان
ليحمل عربات الليموزين والبيوت الفاخرة
لتسقط البنوك بزلزال مروع
سأقتل أولادي الأربعة
سأهدي الأول إلى فخامة قرش محدب
سأرمي الثاني من شباك طائرة -شبح-
أو من طائرة أف ستة عشر
سأدس سم الشوكران إلى الثالث
ليموت على طريقة سقراط الحكيم
سأحض ثورا من القرون الوسطى
ليطعن إبني الرابع في خصيتيه
هكذا نتخلص جميعا من القلق الفلسفي
من عبثية هذا المسرح الأبدي
من أكاذيب القسس
من وطوطة الليل والنهار
هكذا أستأصل شأفة نسلي
بما أني لا أرغب في الإنتحار
بحبل معلق في السقف
أو إلقاء نفسي تحت عجلات قطار
سريع
سأرتمي في بركة أو نهر
سأجامع أنثى التمساح
ثم أستسلم لعضة قاتلة
من شريك حياتها
لأكون وجبة سريعة
وتنتهي حياتي المتعفنة
تبتلع المياه المظلمة روحي القلقة
وتنتهي المسرحية.
***
الشمس
قريبا ستنتهي حياتك
يا صديقتي
مثل نجم قزم أبيض
سيختفي النهار إلى الأبد
سيسقط بيتنا الجميل في الهاوية
تتجمد عصافير الدوري
وتنطفىء الحدائق الذهبية
يعز علي موتك
أيتها الشمس
يا حبيبتي الفلكية
ماذا لو يمد الله في أنفاسي
لأشهد جنازتك المهيبة
أعزي الأرض العجوز
شقيقتك المليئة بزيزان الجداجد
بالقتلة واللصوص والمرابين
أفرغ دورقا من الدموع
أمام ضريحك الأبدي
بينما يتساقط فوق ذؤابة رأسي
مطر حزين من الهيدروجين
والهيليوم.
***
الخراب
كيف أواجه هذا الخراب ؟
قلبي ورقة ميتة
تتلاعب بها رياح الزفرات
داخل قفصي الصدري
أنتظرك يا إلهي
على حافة الهاوية
لتنتشل ما تبقى
من سكان مملكتي الداخلية
وحيد تبكي معي الجدران
وتتنهد المدفأة
بينما قطتي العجوز
تسحب مترين من النعاس
في الركن المعتم
من البيت
**
الحزن صاحب النظارات السميكة
يطل من شباك الحديقة
ذاك العجوز
صاحب النظارات السميكة
والعينين الغائمتين
والفم المليء بالضباب والشتيمة.
صاحب الوجه المسرحي الساخر
القامة الأبدية التي لا تنحني
يحمل سيجارا فخما بين أصابعه
ويفكر في قتل المزيد من الرهائن
يفكر في سرقة أجنحة النور
في طرد الشمس من غابة الشعراء
إخفاء الرب في معطفه الخريفي
توزيع حبال المشانق على العميان
جلب المزيد من السحب والكوابيس
إلى بيت الأرملة.
فتح النار بكثافة في الهواء
أنا معزته الصغيرة
التي ترعى عشب الهواجس في حديقته
معزته الشقراء الأثيرة
كلما تثغو أو تنادي سكان العالم الميتين.
يسمعها فاصلا موسيقيا من صرير عظامه.
ليطرد الأشباح من عمودها الفقري
يضع تاج النعاس على رأسها
يطارد زيزان ذكرياتها بلسانه العنكبوتي.
لتنام على أثافي أعصابها
أيها العجوز
أيها الحزن الجالس على أريكة
مثل أمير من القرون الوسطى.
أطلق سراحي
في انتظاري حروب فظيعة
هل أخوضها بظهر مقوس
وقلب مليء بالثقوب والخسائر
في انتظاري قطار مليء بالأسرى
والنساء والجنود.
في انتظاري ستون مترا من الفراشات العذبة.
أيها الحزن العجوز
لماذا بيتك مليء بالصخور والمسدسات والجثث
برائحة الوطن المتعفن
وأزهار الجنائز؟.
***
شجرة العمر
آه يا شجرة العمر ما أشقاك
كم ضربة فأس تلقيت
كم خدعك الحطابون
بضحكة مريبة
ثم انهالوا على وجهك الكريم
بالضرب حد الموت
طردوا ظلك الوريف من العالم
أطلقوا طوفانا من الضحك العبثي
حاملين أجزاءك
مثل أسرى المعتقلات
إلى أمكنة مجهولة
ليصنعوا منك حمالة نعش
أو بابا محدودبا في مقبرة مهجورة
أو يطعموا المدفأة لحمك المشوي
آه يا شجرة العمر
ماذا أقول لآذار القادم
سيمطرني بأسئلة حرجة
هل اعتقلها جنود التتار
بعد ضرب مبرح؟
هل ماتت بجرعة مكثفة من القلق اليومي
غارقة في غيمة من الدموع؟
ماذا أقول للغراب العجوز
العائد من المنفى؟
كم أنت طيبة كنت يا شجرة العمر
يا قديسة مشبعة بروح بوذا
وحكمة فلاسفة الأنوار
يا حبيبتنا التي أرضعتنا
حليب الشمس
وأهدتنا عناقيد من الفرح
ماذا أقول للفراشات
التي تفلت من عيون الصغار
باتجاه حديقة رأسك
التي تشبه دار الأوبرا
ملآى بعصافير الدوري
وموسيقى الأفجار العذبة؟
آه يا شجرة العمر
يا شقيقة السماء والملائكة
يا شقية
تسلقوا كتفيك المتشققتين
اللصوص والذئاب القرمة
وظللت مستمسكة بالضوء
والمحبة الخالصة
آه يا شقية
ليبك الأرامل والمنتحرون
غيابك الأبدي
وليلاحق الله القتلة والمتآمرين.
**
شجرة الأشباح السوداء
سافرت منذ زمن ليس ببعيد إلى مكان بعيد لأخفف شيئا من تلك الكثافة المظلمة التي تجمعت في جزيرة روحي .
كنت أتنقل بين المدن والشوارع
لا أعي جيدا هل أنا من عالم الأحياء أم الأموات؟
كل شيء بدا طبيعيا…
ثم انقلبت الأمور رأسا على عقب.
في زقاق ضيق ،حيث رائحة التوابل تختلط بزفرات الموتى،
رأيت (م) الغائب منذ سنوات كان واقفا أمام دكان يبيع تماثيل خشبية بدون عيون ،ماسكا أحدها بين يديه ويضحك ضحكا مكتوما كما لو كان يتذكر نكتة قديمة خفت إيقاعها.
هل يلتقي الأموات في شواسع هذا العالم الغامض؟
ناديت عليه باسمه فالتفت نحوي ،
لم يكن ثمة معنى في عينيه الزائغتين بل رعب سائل كمن يرى شبحا ،ثم اختفى بين الحشود، كأن الأرض إبتلعته ،أو كأني أنا من ابتلعه.
كانت( ج) تلك المرأة الغريبة الأطوار ،رأيتها قي مقهى مكتظ تحتسي قهوتها ببطء بينما يدها ترسم دوائر على الطاولة كما كانت تفعل ذلك قبل أن تنتحر.
عندما التقت عيناها بعيني سالت دمعة سوداء من إحداهما،ثم سقطت الكأس من بين أصابعها فانفرطت مزقا مزقا.
الثالث والرابع والخامس…
وجوه أليفة من دفتر ذاكرتي،ناس أعرفهم جيدا يسيرون بين الأحياء
كأنهم لم يموتوا قط.
كلما اقتربت ،فروا ،كلما مددت يدي تلاشوا،كانوا يتعرفون علي،ثم يهربون،كأنني أذكرهم بالموت أو كأنني الموت ذاته.
في الليلة السابعة، استيقظت على همسات من زاوية الغرفة:لماذا جئت إلى هنا؟..
“نحن اخترنا النسيان”
“أنت الجرح الذي لم يندمل”
نهضت فإذا بالمرآة أمامي خالية.
لم تكن صورتي منعكسة داخلها،بل ثمة ظل غامض يتحرك خلف الزجاج مثل حشرة محبوسة.
وضعت يدي على وجهي،شعرت ببرودة المعدن كما لو أن قناعا من صفيح يتلبسه.
في الصباح تساءلت بيني وبين ذاتي : منذ متى انتقل (م ) إلى العالم الآخر؟
أجابني صوت غريب متقطع:بل أنت الذي قتلت في حادث قبل عام،
ألم يدفنوك تحت شجرة مهجورة
تعشش في أغصانها المتشابكة البوم والغربان؟
ضحكت حتى سالت الدماء من عيني.
الآن أدركت جيدا لماذا يخافون؟.
لأن الأموات لا ينبغي لهم أن يعودوا.
ألم أكن الشبح الذي يلاحقهم
مثل الصحن الطائر الذي يمرق من عالم إلى آخر.
هل هذا اعتراف أم صرخة من داخل قبر؟
لم أعد أعرف أينا الشبح..
كانت ذاكرتي مثل الماء بين فروج الأصابع كلما أمسكت بخيط من الماضي تسرب مني.
ثم سمعت ضحكات كانت تأتي من بعيد،ثم تقترب كأنها تدور حول الشجرة.ضحك مكتوم مبلل بالدم مثل التي يطلقها الأطفال عندما يختبئون من شيء مرعب.
رفعت عيني فإذا بهم جميعهم واقفون في دائرة حولي:
(م) عنقه ملتو كما لو أن حبل المشنقة لا يزال يخنقه.
(ج) شعرها يتدل كالحبال المبتلة،تنضح ثيابها برائحة النهر.
الآخرون بوجوه شاحبة، وعيون فارغة يحدقون في وجهي .
همست (ج) بصوت مثل خدش أظافر على زجاج:
“لماذا تظن أننا هربنا منك ؟نحن لم نكن خائفين…
كنا ننتظرك فحسب”
فتح (م) فمه ،فسالت منه ديدان سوداء،لكنه تمكن من الهمس:
“تعال معنا،العالم هناك مؤلم جدا.”
مددت يدي ،فإذا بها تذوب كالشمع،
شعرت بجذور الشجرة تخترق عظامي،تلتف حول عظامي،تسحبني إلى الأسفل.
لم أستطع المقاومة.
إقتنعت أخيرا:
بأني لم أكن الشبح الوحيد هنا.
كلنا أموات نتنكر في شكل أحياء.
كلنا جراح مسافرة تبحث عن ذاكرة لتختفي.
كلما مر الغرباء بهذه المدينة يرون شجرة سرو عملاقة مسنة، يسمعون ضحكات خافتة تخرج من تحتها.
أحيانا يجدون دفترا بجوار جذعها
مفتوحا على صفحة أخيرة محتوب فيها:
“إذا قرأت هذا فاعلم أننا رأيناك.
لا تقترب.
لا تذكرنا.
فقط…أضحك معنا.
مساء، لم يكن ضوء القمر أبيض ولا أصفر ولا أحمر كالدم ،
كان أسود.
رأيته يتسرب من بين أغصان شجرة السرو يسيل على الأرض كزيت كثيف،يلمس قدمي الشفافتين فتشعران بالحياة لأول مرة منذ موتي،لكنها لم تكن حياة بل ضربا من الإستيقاظ.
جاءوا جميعا مرة أخرى وقفوا في دائرة واسعة حولي غير أن وجوههم لم تكن كالمرة السالفة.
(م) لم يعد له رأس.كان يحمله تحت إبطه،والشفتان تتحركان ببطء كأنهما تلتهمان كلمات لم أسمعها من قبل.
(ج) انفتح صدرها مثل كتاب ،وفي موضع القلب كان ثمة مرآة صغيرة تعكس ظلي لكنه لم يك ظلي بل شيئا آخر يتلوى داخله.
الآخرون …يا إلهي كانوا مثل دمى مقطوعة الخيوط يتحركون بانتفاضات غير طبيعية،لكأن عظامهم تتحرك تحت جلودهم.
قال أحدهم بصوت يشبه صرير أسنان على على زجاج:
“لقد حان وقت الإحتفال”.
لم أعرف ماذا يقصدون حتى بدأ الطقس.
داروا حولي في دوائر متقاطعة،تترك أقدامهم آثارا محروقة في التراب،مع كل دورة،كنت أشعر بشيء يزرب من فمي-ليس نفسا،ولا كلمات،بل حشرات سوداء صغيرة تطير نحو السماء.
كانوا يغنون بلغة لم أسمعها من قبل،لكني استوعبت كل كلمة.
كانت تروي قصة مدينة كاملة تحت الأرض حيث الأموات يعيشون حياتنا،ونحن نعيش موتهم.
ثم قدموا لي كأسا من ذلك الضوء الأسود،
عندما شربته رأيت نفسي وأنا أموت في الحادث الأليم،ثم أقف وأمشي بعيدا بينما الجثة لا تزال داخل السيارة المحترقة.
بعد سنوات من التجوال كخيال حتى نسيت أني ميت لحظة كتابتي لهذه الكلمات.
عندما كان القمر الأسود يبلغ ذروة سيلانه فجأة انفتح،لم يك قمرا بل عينا عملاقة تنظر إلينا من سماء غير سمائنا بؤبؤها يتسع مثل باب
يفضي إلى اللاشيء.
قالت (ج) وهي تشير بأصابعها التي تحولت إلى جذور .
“أنظر جيدا،هذه هي الحقيقة الوحيدة : كل كلمة نكتبها ،كل ذكرى نتذكرها،كل حلم نحلمه…
هو مجرد أحلام الموتى..نحن لم نكن أمواتا يعيشون بين الأحياء..بل كنا دائما أحياء يعيشون في عالم الأموات.”
منذ تلك الليلة… لم أعد أنام.
ولم أعد أستيقظ أيضاً.
كأنني ظل عالق بين لحظتين: لحظة موت لم تكتمل، ولحظة حياة لم تبدأ.
كنت أجلس تحت الشجرة المتداعية ، حيث تنحني الأغصان كأذرع عجوز فقدت أبناءها في الحرب.
دفتر الكلمات ما يزال مفتوحاً، والصفحة الأخيرة صارت تتجدد كل فجر بكلمات لم أكتبها.
من الذي يكتب إذن؟
هل هي (ج)؟ هل هو (م)؟ أم تلك العين العملاقة التي ظهرت في السماء، والتي باتت تطل عليّ كل مساء، تتبع خطواتي مثل لعنة مقدسة؟
في إحدى الصفحات كُتب بخط يشبه خطي:
“لا تنظر خلفك، لأن الماضي لا يرحل، بل ينتظرك هناك، حاملاً معوله.”
وفي أخرى:
“الأرواح ليست سوى قصائد ممزقة تحاول أن تعيد تركيب ذاتها على شكل بشر.”
كل ليلة، يعودون.
لكنهم ليسوا كما كانوا.
(ج) الآن تمشي مقلوبة، قدماها للأعلى، وعيناها في قدميها، تبكي دماً من الكعبين، وتضحك من فمٍ لم يكن موجوداً أمس.
(م) بدأ يتكلم بلغة الأشجار، يصدر حشرجة الأوراق الجافة، وكلما سألته عن شيء، أجابني بوردة سوداء تنبت من صدره.
وأنا… بدأت أرى الناس من حولي مثل أشباح شفافة، يتحركون ببطء كأنهم عالقون في فيلم قديم.
ذات ليلة، وجدت رسالة على المرآة:
“إذا كنت لا ترى نفسك، فذلك لأنك لم تعد أنت.”
فهمت عندها: أنا أُكتب.
كل ما عشته، كنت أظنه اختياراتي، لكنه كان قصة يكتبها شيء أكبر.
ربما تلك العين؟ ربما الشجرة؟ ربما أنا الآخر في بعدٍ مكسور من الزمان؟
في الليلة التالية، عادوا يرتدون أقنعة تشبه وجهي.
كلهم يشبهونني.
لكن وجوههم تتشقق كلما ابتسموا، ويسيل من شقوقهم ضوء أسود لزج.
قال أحدهم:
“نحن ظلالك التي نضجت. جئنا نحررك من وهم الفردانية.”
أمسكت الدفتر، لكن يدي أصبحت ورقة.
كلما قلبت صفحة، تقشر جلدي.
كنت أذوب حرفًا بعد حرف، حتى أصبحت عبارة مكتوبة بخط غامض:
“من يكتب هذه القصة لا يعيشها، ومن يعيشها لا يكتبها.”
عند منتصف الليل، خرجت الشجرة من جذورها.
بدأت تسير.
نعم، الشجرة تمشي، تسحب جذورها مثل أقدام عنكبوت أسطوري، تبحث عن مدينة جديدة لتزرع موتاها فيها.
هل أنا ميت؟
هل أنت القارئ أم أنا؟
من منا يحلم بالآخر؟
في كل مرة أفتح عيني، أجدني أقرأ هذه القصة من جديد… كأنني لم أكتبها قط.
وفي الصفحة الأخيرة… كُتب بخط مختلف تمامًا:
“غدًا نختار جسدًا جديدًا.”
بدأتُ أسمع تنفّسي من الخارج.
لم يكن صوَتي، بل صدى لشخص آخر يشبهني حد الفزع، يتنفّس ببطء… وكأنه يعزف على رئة لا تخصه.
السماء تشققت.
لا على طريقة الأساطير، بل كما تنشقّ مرآة قديمة سقطت من يد الموت.
خرج منها صوت:
“نحن لا نعيش، بل نُعرَض.”
عرضٌ مسرحيّ طويل، كلنا نلعب فيه أدوارًا كُتبت سلفًا، حتى حين نثور… فإننا نثور ضمن النص.
في كل زاوية من المكان بدأت تظهر غرف صغيرة، بلا أبواب، بلا نوافذ، فقط ثقوب في الجدران تنظر منها عيون مجهولة.
إحدى الغرف كانت تحتوي على نسخة مني، لكنه أكثر صمتًا، أكثر نُحولًا، وأكثر خطورة.
كان يبتسم لي…
ثم يكتب.
نعم، هو الذي يكتب.
منذ البداية.
أنا مجرّد انعكاس.
في الزاوية الأخرى، كانت شجرة الأشباح تنمو من سقف الغرفة.
جذورها تنغرز في رأسي.
كل مرة تنمو فيها ورقة جديدة، أنسى شيئًا:
وجه أمي.
ضحكة (ج).
صوت المطر في الطفولة.
حجم جسدي في المرآة.
قالت لي المرأة ذات الوجه المخيط بالخيوط:
“النسيان هو ضريبة المعرفة، وأنت تجاوزت الحد المسموح به.”
لم أعد أعرف ما إذا كنت أبحث عن خلاص، أم عن كاتب هذا الجحيم.
ربما الكاتب هو أنا.
وربما أنا مجرد كلمة في مخطوطة نازفة.
مرآة الغرفة بدأت تكتب وحدها:
“في الحكايات السيئة، لا تموت الشخصيات… بل تتيه.”
وتحت العبارة رسمٌ:
شجرة تأكل نفسها.
حين أمسكت بالدفتر، لم يكن هناك شيء يُكتب.
لكن الجدران نفسها بدأت تُسطر الجمل.
الهواء صار حبرًا، وكل زفير يتحول إلى سطر جديد:
“لا تقرأ أكثر، وإلا ستصبح القصة.”
الآن، وأنا أكتب لك هذا، لا أدري:
هل أنت من يقرأني؟
أم أنا من أراك على الورق؟
كل ما أعرفه أن الشجرة الآن تسكن داخلي.
تنمو تحت أضلاعي.
وأن غدًا… سأخرج من جذوري، لأبحث عنك.










