مروان ياسين الدليمي
1
أحيانا
أفتح صدري
فأجد الغضب جالسا على الكرسي
يدخن سيجارة باردة
واليأس يبدل القنوات
بحثا عن خبر لا يحدث
واللاجدوى
قط شوارع
يلحس ما تبقى من أطباق الأمس.
لا أعرف من أنا الآن.
أأنا هذا الذي يضحك
حين يجب أن يبكي
أم ذاك الذي يبكي
لأن الضحك تأخر في الزحام؟
المدينة تمشي معي.
الأرصفة تشدني من يدي
كعجوز تعرف اسمي وتنساه.
الشارع يشخر
وإشارة المرور
ترمش بعين واحدة
كأنها تقول: مرّ…
ولا تعد.
الذاكرة حانة رخيصة.
أدخلها كل مساء
لأنسى
فأخرج محملا بصور لا تخصني:
وجوه عبرت التاريخ
وتركته مفتوحا
أغان سمعتها في رأس غيري
وأحسبها حياتي.
أشمّ صوت المطر.
أسمع طعم الخسارة.
الوقت
يلمس كتفي كصديق قديم
يريد سلفة ولا ينوي السداد.
أسخر من نفسي
كي لا تسبقني إلى السخرية.
أقول: لا بأس
الغضب مجرد طقس
واليأس حالة جوية عابرة
واللاجدوى
اسم آخر
لشارع بلا عنوان.
ومع ذلك
لا أفهم ما أشعر به.
كل ما أعرفه
أن قلبي ساعة مكسورة
وأن العقارب تتحرك
لكنها لا تشير إلى شيء.
2
في الليل
تتبدل الأشياء أدوارها.
النافذة تصغي لي
وأنا أتظاهر بأنني هواء
يمرّ بلا سيرة ذاتية.
الغضب ينام على الأرض
كجندي عاد متأخرا عن حرب
لا يتذكر سببها.
واليأس يعلّق معطفه
ويطلب كأس ماء
كضيف مهذب ينوي الإقامة طويلا.
أما اللاجدوى
فتفتح درج الطاولة
وتعدّ خساراتي بأصابع باردة.
أتذكر كي أنسى.
أنسى كي أعيش.
الذاكرة كلب أعمى
يقودني إلى بيوت لم أسكنها
وأحنّ إليها
كما لو كنت ولدت فيها.
الساعة تضحك.
التاريخ يسعل خلف الجدار.
أسمع أقدام الذين مرّوا قبلي
يمشون داخلي ولا يعتذرون.
الحميمي
يتسلل إلى صور قديمة
ويجلس قرب حروب لم أخضها
لكنني ورثت غبارها.
أرى صوتي
معلّقا على حبل غسيل
وألمس أفكاري
فتنزف موسيقى.
الألوان تتشاجر في رأسي
والمنطق يسقط من جيبه
وينكسر
ولا أنحني لالتقاطه.
أسخر مرة أخرى.
أقول:
الحياة نكتة طويلة سيئة الإلقاء
ونحن جمهور يصفق
كي لا يُطلب منه الصعود إلى الخشبة.
لا أعرف بعد
هل أنا غاضب
أم يائس
أم مجرد شاهد على شعور
لم يجد اسما في القاموس.
3
في الصباح
أقايض مرآتي بوجه أقل صدقا.
المرآة تعرف كل شيء
ولهذا لا أثق بها.
الغضب يخرج قبلي
ويركض في الشارع
كطفل أفلت من يد أمه.
اليأس يتثاءب
ويقرأ العناوين العريضة
دون أن يكمل السطور.
اللاجدوى تعدّ النقود في جيبي
وتبتسم:
تكفي ليوم واحد من الأمل المستعمل.
أمشي.
والمدينة تمشي بي.
نحن اثنان نتظاهر بالاتجاه.
الأشجار تلوح لي
كشهود زور
والسماء تخفض صوتها
حتى لا أسمع وعدا جديدا.
الذاكرة والنسيان
يجلسان إلى الطاولة نفسها.
يلعبان الورق باسمي
وأخسر
دون أن أعرف القواعد.
المقروء يتسرب إلى المعيش
والجملة التي أحببتها في كتاب
تعضّني في الواقع
ككلب يعرفني جيدا.
أشمّ التعب.
أتذوق الانتظار.
الوقت حذاء ضيق
أرتديه منذ سنوات
وأقنع نفسي بأنه سيتسع بالمشي.
أضحك أخيرا.
ضحكة قصيرة
متقطعة
كاعتراف ناقص.
أضحك
لأنني لم أفهم شيئا
ولأن عدم الفهم أكثر ما يشبهني الآن.
وهكذا
أواصل العيش
بين غضب لا يكتمل
ويأس لا ينهار
ولا جدوى تمشي أمامي
كلافتة طريق
تشير إلى كل الجهات
ولا تقود إلى مكان.





