أروى صالح.. سيرة العطر المستحيل

أروى صالح

أسامة كمال أبو زيد

لم يكن موتها نهاية أو خاتمة، بل ذروة الحكاية، لحظة انكشفت فيها الحياة بكل ثقلها وقسوتها، حين اختارت – أروى – الرحيل أو الانتحار، ارتطم جسدها بأسفلت الشوارع التي عرفت خطاها يوما، ارتطم بشوارع الغضب وشوارع الحلم، تلك التي رفعت يوما نشيدها إلى السماء ثم عادت خافتة كأنها لم تغن. لم تختلف أروى مع نفسها، لقد تنسمت رائحة واحدة، رأت الحياة من نافذة الحرية، كأنها عطر ليس له بدائل أخرى، إما أن يملأ الروح كلها أو لا يكون. كانت تتنسم ذلك الأريج وهو يعبر من دفاتر العاشقين المبتلة بأحلامهم الى ساحات الجامعة، ومن همس القلوب الندية إلى نشيج الهتاف البريء، حتى صار الهواء نفسه ذاكرة للزمن والروح.

هل يتحول الحلم حين يطول إلى عبء…؟ كانت تحلم، فقط تحلم، لكن الحلم حين يطول يصير مرآة قاسية، غامت الصور، وتكسرت وجوه الذكريات، وسقطت الأقنعة واحدا تلو الآخر، وحين انفض الجمع بقيت وحدها في فراغ لا لون له ولا وطن، كأن الحلم الذي كان يرفعها عاد ليتركها معلقة في الهواء بلا معنى.

هل في حياة كل منا لحظة ضوء…؟ كانت لحظتها خروج الطلاب إلى الشارع، تلك الشرارة التي تفتح في القلب نافذة وتجعل الإنسان أكبر من اسمه، وأوسع من حياته. ظلت تلاحق ذلك الضوء كأنه سبب تنفسها الوحيد، وحين خفت، خفتت معه، كأنها لا تعرف حياة خارج مداه.

هل يمكن للإنسان أن يعيش خارج جماعته…؟ لم تكن الحرية عندها شعارا سياسيا خالصا، بل لحظة ذوبان يعود فيها الفرد إلى الكل، يذوب اسمه في اسم أكبر، وتمشي الروح وسط الحشود فلا تعود تعرف نفسها لكنها تشعر بها للمرة الأولى. هكذا عاشت حلمها داخل جماعة صغيرة تحاول أن تصنع عالما بينما العالم الحقيقي يبتعد، فكبر الحلم داخلها دون أن يجد أرضا يتسع عليها، فصار ثقيلا، جارحا، أقرب إلى عبء مقدس. لم يكن جيل أروى هو جيل الطلبة والعمال في 1946، ولا حتى جيل 1967 الذي تقاسم مع الشعب فاجعة الهزيمة، ليجد في الشعب بعد ذلك الحائط  والملاذ من التبدد والضياع، جيل – أروى –  كان جيلا يحلم بمفرده، منفصلا عن العائلة دون تمرد، يتحرك داخل عوالمه المغلقة، ينتج فيها أفكاره، وكأنه تنظيم معلق في الفراغ، يتوهم أنه قادر على تغيير العالم دون أن يمسه.

هل يمكن للحلم أن يكتمل خارج الناس…؟ حين جاءت أجيال أخرى وامتلأت الشوارع بجموع لا تحصى، بدا الحلم ملموسا لا مستحيلا، لكنه لم يجد جذوره في ذاكرة ممتدة، فبدا كوميض عابر، شديد السطوع سريع الانطفاء. وهنا عادت –  أروى – ، لا كذكرى بل كنموذج لانكسار مكتمل، كأن موتها أغلق الدائرة ومنح الحلم شكله النهائي، فصار الآخرون يستعيرون صورتها ليبرروا هشاشة أحلامهم.

هل الضمير فردي أم يولد في الجماعة…؟ كان حلمها يحمل ضميرا، لكنها كانت تعرف أن الضمير لا يولد وحده، بل يتشكل داخل سياق، داخل جماعة. لذلك ظل حلمها داخل أسوار روحها، ثريا في لغته فقيرا في امتداده خارج الذات، وكان هذا هو جرحها، أن ترى العالم بعين مفتوحة ولا تجد له معبرا حقيقيا.

هل كان الموت هروبا أم محاولة أخيرة للنجاة…؟ حين يخرج الإنسان من دائرته ولا يجد العالم في انتظاره، يتحول المستقبل إلى مكان بارد، كل ما كان يبدو ممكنا يصير بعيدا. عندها لا يبقى للحلم سوى أن يبحث عن وسيلة أخيرة ليحافظ على نقائه. كان الموت في حالتها محاولة أخيرة للإمساك بحلمها المجهض، أن يتساوى الحلم مع نهايته، وأن تتصالح الذاكرة مع نفسها ولو كان الثمن هو الموت.

هل الحلم قاتل أم خلاص…؟ ربما يكون قاتلا حين ينفصل عن الناس، حين يكبر داخل غرفة مغلقة، حين يتحول إلى لغة لا يسمعها إلا أصحابها، لكنه كان أيضا الشيء الوحيد الذي منح حياتها معناها. بين القسوة والجمال، بين الخطأ والبراءة، عاشت أروى صالح حياتها القصيرة كأنها تجربة كاملة، لم تساوم ولم تتراجع، دفعت الثمن حتى نهايته، وتركت لنا سؤالا لا يهدأ: هل نحتاج أن نحلم لنحيا، أم أن الحلم حين لا يجد طريقه يبتلع أصحابه في صمت…؟ وربما، كلما اقتربنا من حكايتها، نتنسم ولو للحظة ذلك العطر البعيد، عطر الحياة كما رأته مرة واحدة، ولم تتكرر.

………………….

*أروى صالح  ( ١٩٥ – ١٩٩٧)  كاتبة وروائية مصرية –  من أعلام الحركة الطلابية في أوائل السبعينيات . تخرجت في كلية آداب جامعة القاهرة، وقدمت عدة كتابات، أهمها: المبتسرون، سرطان الروح، وقامت بترجمة كتاب تونى كليف، نقد الحركة النسوية، ضاقت بالحياة فانتحرت بإلقاء نفسها من الطابق العاشر في صيف 1997. انتمت لجيل السبعينات أو ما عرف بجيل الحركة الطلابية ذلك الجيل الذي أشعل المظاهرات في جامعات مصر تأثرا بحركة الطلاب الفرنسية في 1968

 

كاتب وشاعر مصري. من أعماله: لك الموت يا راعى اليمامة 2000 رائحة الغياب 2013 بورسعيد شهادات في الحرب والحب كتابة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع