خالد البقالي القاسمي
يندرج موضوع هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور ” يوسف احنانة ” الذي صدر عن الرابطة المحمدية للعلماء، مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، مطبعة مدينة تطوان، المملكة المغربية، داخل حيز يتوفر على ثلاث مائة واثنتين وسبعين صفحة، ضمن الدراسات التي توسم بأنها تتوسد حضن فلسفة تاريخ الأفكار. وقد أسهم الفيلسوف الأمريكي ” آرثرأونكن لوفجوي 1873 – 1962 ” في تأسيس هذا المبحث الدقيق عندما كان أستاذا للتاريخ والفلسفة بجامعة ” جون هوبكنز ” من 1910 إلى 1938، معتمدا أولا منهجية تتبع الوحدات الفكرية الثابتة، وثانيا تطور المفاهيم وفق مبادئ الوفرة، والاستمرارية، والتدرج، باعتبارهما لبنتان لا غنى عنهما لتشييد معالم الفكر البشري عبر العصور.
ثم إن هذا النوع من الدراسات التي اعتمدها الكتاب يرمي إلى تعميق رؤية نقدية فاحصة لأهم لحظات إنتاج الفكر والفلسفة في التاريخ الإسلامي، وخصوصا في الغرب الإسلامي، بالأندلس، والمغرب.
إن فلسفة تاريخ الأفكار التي استندت إليها هذه الدراسة الجادة يمكن أن نصنفها ضمن مجال ما يصطلح عليه بالميتا – فلسفة، إنها عملية دقيقة لدراسة المفاهيم الفكرية الفلسفية التي صدرت عن نخبة بارزة من علماء الكلام الأشاعرة، والفلاسفة التنويريين الذين أنجبهم تاريخ الفكر بالغرب الإسلامي، والشرق الإسلامي معا. إن تركيز الكتاب بصيغة فلسفية عميقة على مجموعة من الطروحات النقدية التي صدرت عن علماء الأشاعرة بالأندلس والمغرب، كانت بطريقة غير مباشرة وسيلة مناسبة، ومستساغة لإثارة مجمل التصورات الفكرية الفلسفية التي وردت في الأنساق المعرفية للفلاسفة المسلمين.
إن المنهج الذي اعتمده الدكتور ” يوسف احنانة ” في كتابه يتحدد في التركيز على دراسة تطور المفاهيم الفكرية، والفلسفية التي شكلت حاضنة للسجالات المعرفية التي صدرت عن العلماء الأشاعرة في مواجهة الفلاسفة عبر المراحل التاريخية التي عرفتها كل من الدولة المرابطية والدولة الموحدية، وما بعدهما. ويعتبر هذا السياق التاريخي بالغ التأثير، والأهمية في تشكيل هذه المفاهيم الفكرية، ومن ثمة في طريقة فهمها، واستيعابها، وبالتالي تشغيلها في تعميق الرؤية السياسية والاجتماعية التي تعتبر شرطا رئيسا في تحديد نوعية الفكر السائد. لقد عملت ردود أشاعرة الغرب الإسلامي على الفلاسفة على إنتاج وحدات فكرية بالغة الخصوبة، وقد استثمرها المؤلف عن طريق تحليلها، ودراسة تحولاتها المعرفية التي أسهمت في توجيه الوعي العام لدى جمهور المتتبعين.
إن هذا التحليل الذي هو في عمقه فلسفي محض، والذي هو ثمرة الصدام الفكري بين علماء الكلام الأشاعرة، والفلاسفة التنويريين، يرتكز على أهمية وضرورة كشف العلاقة الرابطة بين الفكر موضوع النقاش بواسطة آليات الجدال والسجال، وبين المفكرين الذين شكلوا موضوع المنتج قصد بيان السياق الثقافي الذي ميز العصور المتعاقبة والفترات التاريخية المعيشة. إنها النتيجة التي علينا أن نكون واعين بحضورها ضمن الأهداف التي سطرها المؤلف في كتابه الغميس. ولذلك فإن هذه الدراسة لا تهتم فلسفيا بالأحداث التاريخية التي عرفها الأندلس والمغرب فقط، بل تبحث بدقة، وصبر، وأناة عن القوانين والقواعد التي تخللت عملية انبثاق الفكر، والمعرفة بالغرب الإسلامي.
إن قراءتنا لهذا الكتاب النقدي، كانت محكومة بإدراك عميق رسخ لدينا في شكل وعي فلسفي نقدي ثابت يحيل على فهم دقيق لأهمية الوحدات الفكرية التي اعتمدها الكتاب لإجلاء حقيقة الصدام الفكري بين علماء الكلام الأشاعرة، وبين الفلاسفة المسلمين، ولذلك فإن تفاعلنا كان منكبا ليس فقط على استيعاب الوحدات الأساسية، بل إننا كنا بصدد تتبع تام لتغير دلالاتها حسب السياقات العامة للفترات الزمنية التاريخية المنسابة. ولذلك فإن وعينا كان يتتبع هذه الوحدات، وطريقة تشغيلها، عبر إبراز صيغ الصدام الفكري المنتج للفكر، والفلسفة في الإسلام، مع المراعاة المضبوطة للسياق، الذي يعني أن الأفكار الفلسفية لا يمكن أن تتطور بمعزل عن الشروط السياسية، والاجتماعية التي أسهمت في نضجها واستوائها. ولذلك فإننا ننظر إلى هذا الكتاب باعتباره سندا مشرقا، ومرجعا موثوقا في بيان ليس فقط أبرز لحظات، وأسماء المفكرين من علماء الكلام الأشاعرة، والفلاسفة المسلمين، بل للكتاب فضل لا يوصف في تتبع، وتحليل تاريخ الأفكار في النصوص المعتمدة، والأعمال الفكرية التي استوت، وانتشرت بين جمهور المهتمين نسخا، ودراسة، وتتبعا، وتدريسا. وهكذا يمكننا أن نقول إن الكتاب هذا كان مفلحا في الوقوف على التمييز الواضح بين الفلسفة فكرا وثقافة، وبين تاريخ الفلسفة سياقا للأطروحات التي أبدعها الفلاسفة، وهذا يعني لدينا تمييزا احترافيا بين دراسة الفكرة الفلسفية باعتبارها مصنفة ضمن خانة الحقائق المجردة، وبين دراستها على مستوى تطورها في الزمن، وتطبيقها في مجالات الاختصاص.
يؤكد الكتاب على نظر علماء الكلام الأشاعرة إلى الفلاسفة باعتبارهم يفتقدون إلى المرونة الفلسفية، بسبب انحيازهم السافر، والمكشوف لمقولات المعلم الأول، ولذلك فإن قراءاتهم النقدية لمنتج الفلاسفة كانت لديهم عبارة عن بديل أنجع وأكثر مصداقية. حيث كانوا يقدمون علم الكلام الأشعري باعتباره يتوفر على عناصر الإشباع، والإقناع النظريين، متجاوزين بذلك حسب يقينهم محدودية الفكر الفلسفي المشائي. كما أنهم اعتبروا علم الكلام الأشعري أجدر من الفلسفة بتمثيل التغيير الاجتماعي القائم على مكونات المؤسسات الاجتماعية العقلانية، كونه واحدا من أهم أسس التغيير، والتحرر الفكري، والنفسي، والروحي، والأخلاقي، والمفيد للغاية في ضبط كيفية تشكيل وبناء العلاقات الإنسانية في الواقع المعيش دينيا ودنيويا. وبهذه الصيغة جسد علماء الكلام الأشاعرة أبرز أوجه الصراع الإيديولوجي مع الفلاسفة، والذي لم يستطيعوا بتاتا أن يعملوا على إقصائه من حمى الصدام بين الطرفين. وكانت الدولة الموحدية بالخصوص هي المبادرة إلى إدماج علماء الكلام الأشاعرة في صلب الصراع الإيديولوجي في مواجهة الفلاسفة، وباقي ممثلي واجهات الفكر والمعرفة في الغرب الإسلامي، لقد كانت مبادرة الدولة الموحدية هذه عبارة عن مصادرة أنطولوجية ضرورية من أجل ضمان البقاء والاستمرار.
تدلنا هذه المصادرة بوضوح على علامات الهيمنة الثقافية لدولة المهدي بن تومرت، التي أسهمت في إنتاج حكامة إيديولوجية شكلتها الطبقة الحاكمة عبر تبرير الواقع الاجتماعي الذي احتضن علم الكلام الأشعري، واعتمده كواجهة وحيدة لإنتاج الفكر والمعرفة، ولتفسير عملية التطور، والنمو الاجتماعيين.
توجه الدكتور ” يوسف احنانة ” في الكتاب يدعم رأي علماء الكلام الأشاعرة الذين اعتبروا فلاسفة الإسلام منحازين كليا إلى المعلم الأول اليوناني ” أرسطو “، وبذلك فقد أصبحوا ينتمون إلى الفلسفة مطلقا، وبالتالي أضحوا سدنة في معبد الأفكار، عوض أن يظلوا أوفياء لتعبد النصوص المقدسة التي صدرت عن الله تعالى. لقد أقبلوا بحماس وبدون هوادة على إنتاج المفاهيم، وتمرير المناهج، ونصرة العقل على الإيمان، واعتبروا أن العقل قد أصبح قانونا كونيا لا يخطئ، فظلوا بذلك أكثر مثالية، وأبعد عن الواقع، فنفروا من التجربة، وقدسوا المبدأ على حساب النبض الإنساني، ومن ثمة جعلوا الفلسفة طاقة مفارقة للطبيعة والكون.
من خلال الكتاب يبدو لنا أن علماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي عملوا بهمة، وبدون كلل على إعادة بناء الميتافيزيقا من جديد، وذلك من خلال استثمار آليات الأدلة العقلية مستندة إلى النصوص القرآنية من أجل تثبيت أسس العقائد الإيمانية. لقد استهدفوا البناء الميتافيزيقي لفلاسفة الإسلام أمثال الفيلسوف المعلم الثاني محمد بن محمد بن طرخان الفارابي ( ت. 339 هـ بدمشق )، والفيلسوف أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا البلخي ثم البخاري، المعروف بالشيخ الرئيس ابن سينا ( ت. 427 هـ بهمدان)، والفيلسوف في الغرب الإسلامي أبو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الأندلسي المعروف بابن طفيل ( ت. 581 هـ بمراكش)، والفيلسوف في الغرب الإسلامي أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ بن باجة التجيبي المعروف بابن باجة ( ت. 1138 هـ بفاس )، والفيلسوف الشهير أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد الأندلسي المعروف بابن رشد ( ت. 1189 هـ بمراكش )…، فنسفوه انطلاقا من دعائمه، واعتبروا أن ” نظرية الفلسفة الإشراقية ” المنبثقة من فيض العقول باطلة، حيث أصبح ” العقل الفعال ” لديهم، والذي تفيض عنه حسب فلاسفة الإسلام جميع أنواع ” الهيولى “، و” الصور ” مجرد وهم خادع. ولذلك عمدوا إلى تأسيس بديلهم الذي استنبطوه من النصوص القرآنية التي تثبت تصورا ميتافيزيقيا يؤكد تحقق الأنطولوجيا الإلهية، عوض نظرية ” الفيض الإشراقية ” اليونانية التي اعتمدها فلاسفة الإسلام للخروج من مأزق تفسير صدور الكثرة عن الوحدة، وهنا بالضبط انبثق الصدام الطاحن بين الطرفين، والذي كما نرى انطلق معرفيا، فكريا فلسفيا، ثم تحول إلى بعد إيديولوجي عندما انحازت دولة الموحدين إلى المذهب الأشعري، معلنة بذلك قطعها الكامل مع هلاوس الفلاسفة.
الدكتور ” يوسف احنانة ” بذل مجهودا كبيرا، ملموسا في الكتاب، حيث قام بتتبع كثير من النصوص، والشواهد الواردة في مجموعة من الأسفار المحققة، والمطبوعة، وغيرها مخطوطة، فعرض ما دونه علماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي من خلال تصديهم للرد على الفلاسفة، حيث أورد الباحث أسماء لأعلام المتكلمين الأشاعرة مغطيا بذلك فترة طويلة بدايتها مع فترة الدولة المرابطية، مرورا بفترة الدولة الموحدية وما بعدهما، فعرض مباحث متنوعة ومتعددة، نذكر منها:
– عبد الله بن محمد الشهير بابن البطليوسي: محاولة التوفيق بين الفلسفة والأشعرية. من القرن السادس الهجري. توفي سنة 521 هـ. وهو مؤلف كتاب ” الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة “.
– أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازري التونسي: تأكيده على مفهوم لا فاعلية في الكون إلا لله. من القرن السادس الهجري. توفي سنة 536 هـ. مؤلف كتاب الحديث ” المعلم بفوائد مسلم “.
– القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي دفين فاس: بؤس المفاهيم الفلسفية. من القرن السادس الهجري. توفي سنة 534 هـ. مؤلف كتاب ” العواصم من القواصم “.
– أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس الشهير بابن ميمون: تأكيده على مفهوم الكون عن اختيار وإرادة لا عن جبر وطبيعة. من القرن السادي الهجري. توفي سنة 567 هـ. مؤلف كتاب ” شرح الإرشاد “.
– أبو عبد الله محمد بن خلف الألبيري: من نقد التنجيم إلى نقد الفلسفة. من أكبر أشاعرة القرن السادس الهجري. توفي سنة 573 هـ. مؤلف كتاب ” الدرة الوسطى في مشكل الموطأ “.
– أبو الحسن علي بن أحمد بن خمير الأموي السبتي: الزمان بين مملكة الشاهد ومملكة الغائب. من القرن السابع الهجري. توفي سنة 614 هـ. مؤلف كتاب ” مقدمات المراشد إلى علم العقائد “.
– أبو الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي: التحليل المنطقي لشبه الفلاسفة. من القرن السابع الهجري، توفي سنة 626 هـ. مؤلف كتاب ” لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول “.
– أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن محمد الشهير بابن دهاق الأوسي المالكي الأشعري المعروف بابن المرأة: تبنى المذاهب على الأدلة، ولا تبنى الأدلة على المذاهب. من القرن السابع الهجري. توفي سنة 616 هـ. مؤلف كتاب ” نكت الإرشاد في الاعتقاد “.
– أبو يحيى زكرياء بن يحيى الشريف الإدريسي: علم الله بالكليات والجزئيات. من القرن السابع الهجري. يرجح الباحث أن وفاته كانت حوالي 640 هـ. مؤلف كتاب ” أبكار الأفكار العلوية في شرح الأسرار العقلية في الكلمات النبوية “.
– عبد العزيز بن إبراهيم بن بزيزة التونسي: النقد والنقد المزدوج. من القرن السابع الهجري. توفي سنة 662 هـ. مؤلف كتاب ” الإسعاد في شرح الإرشاد “.
– علي بن ثابت بن سعيد بن علي القرشي التلمساني: الرد على ابن رشد. من القرن التاسع الهجري. توفي سنة 829 هـ. مؤلف كتاب ” شرح منظومة الضرير “.
– أبو عبد الله محمد، ابن حبوس الفاسي: الرد على الفلاسفة. لم يذكر له الباحث تاريخا، ولا تأليفا…
– أحمد بن محمد الأزدي الشهير بابن البناء المراكشي. من القرن الثامن الهجري. توفي سنة 721 هـ. مؤلف كتاب ” مراسم طريقة في فهم الحقيقة من حال الخليقة “.
– لسان الدين بن الخطيب. من القرن الثامن الهجري. توفي سنة 776 هـ. مؤلف كتاب ” روضة التعريف بالحب الشريف “.
– أبو علي الحسن اليوسي: شرك الفلاسفة. من القرن الثاني عشر الهجري. توفي سنة 1102 هـ. مؤلف كتاب ” مشرب العام والخاص في كلمة الإخلاص “.
– أبو عبد الله محمد الطيب بن عبد المجيد بن كيران: لو حدثت لنفسها الأكوان. من القرن الثالث عشر الهجري. توفي سنة 1227 هـ. مؤلف كتاب ” شرح الطيب بن كيران على ابن عاشر “.
– سيدي محمد الطالب بن حمدون ابن الحاج السلمي: الرد بالمطالب السبعة. من القرن الثالث عشر الهجري. توفي سنة 1273 هـ. مؤلف كتاب ” حاشية على شرح ميارة على ابن عاشر “.
– سيدي محمد ابن الحسن بن مسعود البناني الفاسي: الأجوبة المصرية. من القرن الثاني عشر الهجري. توفي سنة 1194 هـ. مؤلف كتاب ” الأجوبة المصرية “.
بواسطة النصوص المذكورة أعلاه انبرى علماء الكلام الأشاعرة لتسفيه الآراء الفلسفية لفلاسفة الإسلام، معتبرين أن مقولاتهم الفلسفية مجانبة للصواب. ولذلك قدموا بديلا معرفيا، فكريا اعتبروه هو الأرجح، والأكثر صوابا في تفسير عملية تشكيل البناء الأنطولوجي الذي ورد في سياق التصور الديني الإسلامي، والذي كانوا يرون بأنه مشيد وقائم على مبادئ القدرة والامتلاء، عوض مبادئ النقص والسلب، ومن ثمة ثبت لديهم بأن استدلال الفلاسفة على بناء تصورهم الميتافيزيقي لتشييد العالم مفتقر إلى الدليل اليقيني، القطعي، والمقنع. وعلى هذا الأساس يصبح هذا الدليل خارج مجال القبول، والاعتبار، فهو ليس دليلا عقليا مناسبا، وليس دليلا سمعيا مستندا إلى مرجعية شرعية، وليس دليلا وضعيا علميا تجريبيا. لقد أسهم علماء الكلام الأشاعرة بالغرب الإسلامي في نزع كل إمكانية لتمرير التصور الفكري الفلسفي داخل المشروع الاجتماعي للدولة.
لقد كان طرح علماء الكلام الأشاعرة في رد مقولات الفلاسفة ونبذها بالغ الخصوبة والثراء في كثير من العناصر، والقضايا، حيث اعتبر الأشاعرة بأن منطلق الفلاسفة كان منذ البداية خاطئا تماما، وخصوصا على المستوى المنهجي، وعلى مستوى ترتيب الكلام وتنظيمه، إذ حسب طرحهم الذي افترضوه دقيقا، والذي اعتقدوا بأنه مصيب فإن فلاسفة الإسلام جانبوا الصواب تماما على المستوى المنهجي، ولذلك كانت مقدماتهم متعثرة، فلم تنتج إذا إلا النتائج المتصدعة، لأنه كان الأولى والأحرى بهم أن يدرسوا جيدا علم الكلام الأشعري قبل الرد عليه وتسفيه معطياته، بينما قاموا بتوجيه نقدهم لعلم الكلام الأشعري متوسلين إلى ذلك بتوظيف المقولات الفلسفية التي جزم الأشاعرة بأنها لا تستقيم مع طبيعة بناء الصرح الفكري لعلم الكلام الأشعري، ومن هنا كانت تصوراتهم تتهاوى تباعا أمام المشروع النقدي لعلماء الكلام الأشاعرة.
واستنادا إلى الصيغة أعلاه، فإن القضايا الميتافيزقية ذات البعد الأنطولوجي التي كانت تشكل هاجسا للجميع هي التي اعتمدت من الطرفين في توجيه سهام النقد والتقريع، والعمل على نسف تصورات الخصوم. وهذه هي الحقيقة، حيث كان كل من فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام ينظرون إلى بعضهم البعض كخصوم شرسين في سعي كل طرف للاستئثار بتمثيل كامل الحق والصواب في حمل لواء الفكر والمعرفة في ظل دولة الإسلام، وهكذا اصطدم الخصمان في عدة قضايا فكرية سجالية مهمة، وخطيرة، وحاسمة في تحديد نوعية الفكر السائد في المجتمع، من أبرزها:
1- قضية حدوث أو قدم العالم: وتعتبر هذه القضية أبرز الواجهات الفكرية التي تصدى لها الطرفان، وخاضوا حولها سجالات لم تكن تنتهي حتى تنفجر من جديد. وهذه القضية هي التي تشكل أساس البناء الفكري لكل من الطرفين. حيث سعى كل منهما إلى إعادة تشكيل بناء ميتافيزيقي مناسب للفكر السائد. ومن ثمة كان لزاما عليهما أن يقوما بتشييد معالم تصور أنطولوجي واضح، يكون في مستوى تفسير، وتبرير طبيعة وجود العالم والإنسان. ولذلك ذهب الفلاسفة مذهب التوفيق بين الفلسفة والدين، فقرروا أن العالم محدث، من حيث كونه معلولا، وتابعا لعلة أحدثته، وأوجدته، وهي الله الخالق، وهو في نفس الوقت قديم من زاوية قدم المادة، وقدم الزمن، وعدم انقطاع الخلق، حيث لديهم يظل العالم في خلق مستمر، وتتقدم العلة على المعلول فقط بالرتبة وليس بالزمن. ويعتبر علماء الكلام الأشاعرة في المقابل أن هذا الطرح ليس توفيقيا بقدر ما هو تلفيقي، غير قابل للإقناع والاقتناع، ومن ثمة فهم يرون بأن كل العالم سوى الله عز وجل، مخلوق من عدم، فالعالم لديهم حادث، خلقه الله تعالى بعد أن لم يكن، ولذلك فهم هنا ينفون عنه قدم الزمن والذات، ودليلهم وجود الجواهر والأعراض عبر الحركة والسكون. ثم إن قول فلاسفة الإسلام يسقط في التسلسل الذي لا يمكن قبوله بتاتا. ونستنتج بأن التصور الميتافيزيقي المعتمد لدى كل من الطرفين مناقض تماما للطرف الآخر في تبرير تشكيل بناء أنطولوجي مقنع.
2- قضية خلق القرآن: يرى علماء الكلام الأشاعرة بأن القرآن هو كلام الله، وكلام الله تعالى صفة نفسية قديمة، وهو معنى واحد غير قابل للتجزيئ، والقرآن قديم في اللوح المحفوظ، ومخلوق بألفاظه وآياته وسوره، وهذا ما يبدو راجحا من خلال تتبع الآيات القرآنية الكريمة. وقد عاب علماء الكلام الأشاعرة على فلاسفة الإسلام قولهم ” بنظرية الفيض ” التي دفعتهم لاعتبار القرآن الكريم مجموعة من الرموز والتأويلات…
3- قضية علم الله تعالى: يؤكد الأشاعرة فيما يتعلق بمسألة الاسترسال بأن الله تعالى يعلم الكليات والجزئيات معا، وذلك بواسطة علمه الأزلي القديم القائم بذاته تعالى، فعلمه يشمل كل شيء على الجملة، والتفصيل دون تمييز ولا تفريق. ومن هنا انتقدوا بشدة مذهب الفلاسفة في اعتبار علم الله يحيط بالكليات، بينما علمه يحيط بالجزئيات على نحو كلي، بمعنى بدون تفصيل وبدون انفصال… وفي هذا الصدد بذل علماء الكلام الأشاعرة بالغرب الإسلامي مجهودا كبيرا للغاية عندما كانوا يقومون بشرح كتاب ” الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ” لإمام الحرمين” عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد أبو يعلى، ركن الدين أبي المعالي الجويني الفقيه 419 – 478هـ “، الفقيه الشافعي، والمتكلم الأشعري المميز الذي ذهب في كتابه الفقهي ” البرهان في أصول الفقه ” مذهب الفلاسفة في نفي علم الله بالجزئيات، واكتفائه بعلم الكليات. حيث كانوا يستفرغون الجهد المعرفي والفكري في تأويل قول الإمام ” الجويني ” هذا، وتبرير توجهاته وأغراضه. والحال أن هذا التبرير، وهذا التأويل لم يصرفا بتاتا انحياز إمام الحرمين إلى مذهب الفلاسفة في هذا الباب، وشذوذه عن القاعدة الأشعرية، لقناعة حصلت له في تفكيره، وترسخت لديه، ولذلك فلا حاجة لاستحضار العسر في دفع هذا المذهب إذا كان الإمام قد بسط قناعته الحاسمة… واعتبر الإمام ” عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي أبو نصر، المعروف بتاج الدين السبكي 727 – 771 هـ ” في كتابه ” طبقات الشافعية الكبرى ” بأن إحاطة علم الله تعالى بالجزئيات مسألة مقررة عند أبي المعالي الجويني في كتابه المذكور ” الإرشاد “، وورود إنكار هذه الإحاطة لديه في كتابه المذكور ” البرهان ” هو فقط من قبيل الإلزام المنطقي، أومن قبيل سوء الفهم ليس إلا… وهذا الكلام تبرير عاطفي، لا حجية له.
4- قضية حشر الأرواح والأجسام: اعتبر فلاسفة الإسلام بأن المعاد سيكون ذو طابع روحاني محض، وأن الأجسام الفانية لا يمكن أن تحشر، وتعود للوجود من جديد، ولذلك فإن العذاب أو النعيم يتميزان بطابع عقلي روحاني. بينما يرى علماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي بأن المعاد يكون بالأرواح وبالأجسام معا، وأن الأجسام لن تكون محل تمثيل، بل سوف تحشر بنفسها وعينها، وبذلك أثبتوا بأن عودة الأجسام بأرواحها حقيقة شرعية مقطوع بصحتها…
5- الجوهر الفرد: اعتبر علماء الكلام الأشاعرة بأن الجوهر الفرد يتوفر على حيز في الفراغ، وهو لا يقبل القسمة أو التجزئة، فهو جزأ لا يتجزأ، وهو لديهم أصل في إثبات أن الأجسام محدثة، وهو غير ذاتي، بل يفتقر إلى الله تعالى في وجوده وإحداثه. وهدف الأشاعرة من هذا القول هو نسف نظرية السببية الحتمية، وإثبات الفاعلية الحقة لله تعالى. بينما يرى الفلاسفة الإسلاميون بأن الجوهر الفرد عبارة عن جزء يتجزأ، فهو قابل للقسمة على أساس قابلية المادة للانقسام وإنتاج الكثرة، مثبتين بقولهم مفهوم ” الهيولى “، وهي مادة أولية قابلة للتشكل، ومفهوم “الصورة” وهي شكل النوع…
وهكذا نلاحظ معا بأن كلا من فلاسفة الإسلام، وعلماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي كان بصدد محاولة جذرية لإعادة بناء الميتافيزيقا من الأساس، ولكنهما اختلفا في المقدمات والنتائج، مع العلم أنهما معا استعملا تقريبا نفس المرجعيات، وهي مرجعيات فلسفية محضة مبنية على النظر العقلي. ولكن الراجح هو أن توظيف آليات التفكير الفلسفية، والجهاز المعرفي النقدي اختلفا لديهما على مستوى المقاربة والتوظيف، حيث بغض النظر عن التمييز بين الاستدلال الخطابي، والاستدلال الجدلي، والاستدلال البرهاني، فإنهما معا توسلا بمكونات القياس والاستدلال لبناء صرح النسق الفكري لكل منهما. كما أنهما توسلا كذلك معا بمفهوم التمثيل الذي يطبع الثقافة الكونية برمتها، من أجل إجلاء معالم الخلاف بينهما. والحال أن القياس والاستدلال عبارة عن الوجه الآخر لنظام ” التمثيل “، إذ هو تمثيل منطقي. ويعتبر التمثيل على المستوى الفلسفي عبارة عن مجموعة من الآليات والعمليات التي تشتغل ذهنيا، كما يمكن أن تشتغل بطريقة رمزية، مع استدعاء وتوظيف تشكيل معرفي من العلامات المختلفة، والأفكار الراجحة، والصور العقلية لكي تحل بديلا عن المعطيات المرتبطة بالواقع، وتمثلها، أو بالأحرى تختزلها في نفس الوقت. ويتم في الغالب الأعم لجوء الكائن الإنساني إلى الاستنجاد بمفهوم ” التمثيل ” من أجل فهم مريح للواقع، وتمثله، ومن ثمة إعادة تنظيمه، وترتيبه وفق صيغة ” التمثيل ” الفلسفي المعرفي بواسطة الذهن، عن طريق صور داخلية، أو وفق صيغة التمثيل الفني الذي يحول المعطيات إلى مادة فنية رمزية، عن طريق الفن واللغة.
وهكذا نستطيع أن نقول إن التمثيل هو في الحقيقة عبارة عن لغة فكرية، يوظفها الكائن الإنساني من أجل فهم الأشياء، وتفسيرها، ومن ثمة تأويلها. وبما أن هذا النظام المعرفي الإنتاجي كان يعتبر هو الأساس والمعول عليه من أجل تصدير الفكر، والمعرفة، والفلسفة، فإن فلاسفة الإسلام، وعلماء الكلام الأشاعرة بصفة عامة لم يستطيعوا بتاتا التخلص من ربقة هذا النظام الكوني الذي يعمل على تقديم الشيئ أو الموضوع عن طريق شبيهه، أومثيله، أو بديله، حيث يصبح الإنسان بذلك هو مركز الكون، ومصدر المعرفة كذلك، بمعزل واستقلال تام عن جميع المؤثرات، والشروط الفاعلة في إنتاج الفكر، والمعرفة. لقد أصبح الفريقان المتناحران هما كذلك أسرى توظيف هذا التوجه الكوني العام، وتشغيله في إدارة ” نظام ” الصدام الفكري الفلسفي، والإيديولوجي السياسي الذي دارت رحاه بينهما لمدة طويلة. ولكن وكما أشرنا فالذي كان يطبع نوعية الصدام بين المجموعتين هو فقط الخلاف في طريقة توظيف ” التمثيل “، وتشغيله من أجل إنتاج معرفة فلسفية كفيلة حسب كل طرف بإفحام الخصم، وتحييد تأثيره في ساحة الفكر العربي الإسلامي، وخصوصا في الغرب الإسلامي كما أكد على ذلك الدكتور ” يوسف احنانة ” في كتابه المستهدف لدينا.
نخلص إذا حسب تتبعنا الدقيق لكتاب الباحث إلى أن الدراسة التي أنجزها لكي يبسط آراء علماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي مبينا مضمون انتقاداتهم الإقصائية لفلاسفة الإسلام توضح لنا بأنها تشتغل وفق عصر تاريخي، وفترة مليئة بالأحداث، تؤطرها معرفة وفكر يندرجان داخل مجال بنية عقلية خاصة تسمى ” بالإبستيمية ” باعتبارها بنية بديلة لنظام ” التمثيل “، يصدر عنها الجميع في إنتاج الفكر على مستوى جميع الواجهات الاجتماعية والثقافية، وإنجاز جميع العمليات التي تنظم الحياة بصفة عامة.
” الإبستيمية ” لا تتحدد في كونها فقط منظومة من المعارف، بل هي نظام محكم من القواعد التي تبين ما يمكن أن يشغل عملية التفكير، وما يمكن اعتباره مجالا متاحا ومقبولا في رحاب الفكر. وبهذه المصادرة فإن ” الإبستيمية ” تقدم نفسها كونها الواجهة الراجحة والمؤهلة أكثر من غيرها لنسف أسس النظام المعرفي المستند إلى مفهوم ” التشابه ثم التمثيل “. حيث لا يعود الإنسان بتاتا هو مركز المعرفة، أو سيدها، أو منتجها بداهة وأصالة، كما كانت تؤكد على ذلك الفلسفة الحديثة مع الأنواريين، بل العكس هو الصحيح، إذ في رحاب ” الإبستيمية ” أصبح الإنسان هو نفسه موضوعا للمعرفة، وخاضعا تماما للشروط التاريخية التي تنظم تفكيره، وتشرط وعيه، وتسهم في إنتاج فكر مساوق للمتغيرات العامة ضمن البنيات الحياتية المتنوعة، والمختلفة. والنتيجة إذا هي أن الإنسان هنا لم يعد مبتدأ المعرفة وأصلها، ولا منتهاها وغايتها، بل أصبح يدرك جيدا حدوده في كونه لا يتعدى لحظة من لحظات التاريخ العابرة ضمن مسار حافل بالتحولات الإبستيمولوجية.
أعتقد أنه ضمن هذا الإطار يمكن أن نفي حق كتاب الباحث الدكتور ” يوسف احنانة “، إذ إنه يندرج في سياق ما أثبتناه من كون فلاسفة الإسلام، وعلماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي، رغم ما يبدو من أنهم كانوا ثمرة إنتاج معرفي فلسفي مبني على نظام مفهوم ” التمثيل ” حيث الشيء يطابق ذاته، فإن هذا الطرح سرعان ما يتهاوى، لكي يوضح لنا بأن تصور الفريقين الفلسفي كان محكوما بدقة بما يعتمل في عصرهم التاريخي من تدافع، وتنابذ، وتباعد، وتنافس، وتقارب، أو ما يمكن أن نصطلح عليه حسب المجال التداولي ارتباط الأسباب بالمسببات، ورغم أن هذا الارتباط كان مرفوضا من طرف علماء الكلام الأشاعرة موضوع بحث الكتاب، فإنه شكل بمضمونه العلمي، الوضعي، التجريبي موجها أساسيا للفريقين في عملية إنتاج الفكر، والفلسفة في رحاب دولة الغرب الإسلامي. فالتصور الوارد في كتاب الباحث يوحي لنا ونحن نتتبع التصدي الفردي لفلاسفة الإسلام من طرف كل مفكر كلامي أشعري بأن الأمر يتعلق بإنتاج معرفة مبنية بواسطة بنية عقلية رهينة لنظام مفهوم ” التمثيل “، حيث يقدم كل فكر كشبيه، وكمثيل لغيره من أجل إسناده وتثبيته، وهو ما يتجلى كثيرا في عملية تكرار شرح عقائد الأشعرية الواردة في كتب المؤسسين الأوائل المعتمدين لدى المتأخرين التابعين. ولكننا عندما نمعن النظر، والتقصي، والتأمل بصيغة جمعية، كلية تشمل جميع الردود الأشعرية على فلاسفة الإسلام، المبثوثة في المطبوع، أو المخطوط من كتبهم، نستنتج بأن الأمر تجاوز ” التمثيل ” لكي يصبح منظومة ” إبستيمية ” ذات قواعد فكرية، معرفية، فلسفية، منطقية توجه التفكير، وتؤطر المعرفة، وتجعل الإنسان موضوعا للتفكير، ونتيجة للشروط التاريخية العلمية المصاحبة لتشكل المعرفة، وهو ما يبدو جليا فيما ورد من استقصاءات ضمن كتاب الباحث، حيث ظهر العزم أكيدا على تجلية المستور في نظام بناء الفكر والمعرفة الإسلاميين في جميع الأقطار التي ازدهرت فيها العلوم، والمعارف، والأبحاث…
وهكذا فإننا نعتبر أن كتاب الباحث الدكتور ” يوسف احنانة” دراسة جادة في تاريخ الأفكار، الأفكار باعتبارها إبداعا، وليس تمثيلا، وذلك عن طريق عرضها، ومناقشتها، ومحاورتها، ومقابلة بعضها ببعض، عبر عرض مجموعة من الآراء الواردة في الكتب المطبوعة، والمخطوطة لزمرة من علماء الأشعرية في الغرب الإسلامي، وهم يقومون بنسف صروح الفكر، والفلسفة الواردة في مصنفات وآراء فلاسفة الإسلام. وبهذا المنظور استطاع الباحث بكتابه أن يتقدم إلى الأمام، وأن ينتقل من مرحلة الاشتغال على فلسفة تاريخ الأفكار، فأصبح موضوع بحثه مشروعا نقديا، منفتحا على إمكانية استنباط أسس، وآليات بناء المعرفة الإنسانية التي تحكمت في اشتغال فلاسفة الإسلام، وعلماء الأشعرية في الغرب الإسلامي. ونحن بدورنا بذلنا أقصى ما يمكن من الجهود لتتبع جزئيات هذا الكتاب، وتقليب مختلف جوانبه لكي نقف بدقة وجلاء ليس على حقيقة ما ورد في مضمون الأفكار فقط، بل تجاوزنا هذه المرحلة، وبادرنا بالتنقيب الحثيث عما خفي من الآليات والقواعد التي تستطيع أن تقنعنا بأن نعتبر هذه الأفكار ممكنة، وقابلة للاحتضان، ولها سلطة كافية لنسف أطروحات فلاسفة الإسلام.
وعلينا أن نؤكد أن الباحث في عرضه لمكونات بحثه كان بصدد إثبات تصور آخر بالإضافة إلى بنية التفكير العقلية اللاواعية، هذا التصور الذي كان يبدو واضحا للغاية في التفكير النقدي لعلماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي، وهو نموذج التفكير بالانغلاق حول الهوية، وهو النموذج الشوفيني الذي كان أشاعرة الغرب الإسلامي يعتقدون برسوخ بأنه نموذج تحقيق الاستمرارية في الوجود، والكينونة من خلال دعم وجود الفرد والجماعة لديهم، بواسطة تشغيل الوعي، والذاكرة، ونمط التفكير، وصيغة إنتاج المعرفة. وبهذا التصور الهوياتي كان علماء الكلام الأشاعرة في الغرب الإسلامي حسب كتاب الباحث يمارسون نوعا من الإقصاء، والرفض في حق فلاسفة الإسلام، ويسهمون في تعميق هوة الخلاف بينهم، عوض تكريس الاختلاف المنتج، والمفيد الذي هو أصل ومصدر الهويات المختلفة، والمتعددة، حيث لا يقبع الواقع في ركن إنتاج الهويات الثابتة، بل يقبع نشيطا متحركا في ركن إنتاج حالات متعددة، ومستمرة من التمايزات على مستوى الذوات، والأشياء، والأحداث. لقد كان من سلبيات هذا الإقصاء الممنهج كما يؤكد الباحث هو انحسار دور الدراسات الفلسفية، وانزواء الفلاسفة، وابتعاد الناس عن دراسة الفكر وتدريسه، وسيادة وهيمنة الرأي الواحد…
إن الاختلاف الذي كان من المفروض أن يطبع الفكر، والفلسفة الإسلاميين هو الذي يشكل أصل الهويات، وينتجها، وبهذا الشكل فإن الاختلاف يصبح منتجا للإبداع، والتنوع، لأنه هو الذي بمقدوره أن يجعل الأشياء ممكنة، ومتوفرة، وقابلة للوجود المستمر، لأن هذا الوجود هو التجلي الواضح لمجموعة من الفوارق، والتباينات المستمرة، والدائمة التي تثبت فعلا بأن الاختلاف وجود، وكينونة، وخلق إبداعي متقن ومستمر.















