عبد السلام فاروق
قبل أن أبدأ، أريد أن أضع النقاط فوق الحروف. ما سأكتبه ليس مقالاً عابرًا عن مكتبة عادية في شارع عادي. ما سأكتبه هو شهادة على جريمة ثقافية ترتكب أمام أعيننا ونحن نتفرج. في بلد مثل مصر، حيث يتحدث الجميع عن التراث والهوية والثقافة، نجد أنفسنا أمام مشهد مأساوي؛ مكتبة عمرها أكثر من مائة عام، تضم كنوزًا لا تقدر بثمن، تموت موتًا بطيئًا لأن لا أحد يهتم. لأن الوزراء يتغيرون والوعود تتبخر، والبيروقراطية تأكل كل شيء!. لأن الورثة لا يعرفون قيمة ما يملكون، ولأن من يرغبون في الشراء يريدون جني الأرباح، ولا يهمهم الحفاظ على الذاكرة.
هذه هي قضيتنا.. لا إنها قضية علاقتنا بتراثنا. وقضيتنا مع التراث في هذا البلد معقدة؛ فنحن شعب يحب الماضي حبًا استعراضيًا، لكنه لا يبذل جهدًا حقيقيًا للحفاظ عليه. نحن نبني المباني الفخمة ونترك الكنوز تتحلل. ثم نملأ الدنيا ضجيجًا بالمناسبات الثقافية، وعندما يأتي الاختبار العملي، نكتشف أننا لا نملك الإرادة لحماية ما يستحق الحماية.
هذه المكتبة هي اختبارنا. وإذا فشلنا فيه، فلن نستحق بعد ذلك أن نتحدث عن ثقافتنا أو عن حضارتنا.
كيف بدأت هذه القصة؟
تعالوا نعرف ما الذي نكاد نفقده.
في نهاية القرن التاسع عشر، جاء إلى مصر مستشرق سويسري يدعي “فيلدمان” لم يأت لممارسة الأعمال الحرة أو بحثا عن ثروة. جاء لأنه أحب الكتب. اختار وسط البلد ليفتح مكتبته. وجمع فيها نفائس المخطوطات من كل مكان. من بينها موسوعة “وصف مصر” التي أهداها نابليون للعالم، وأطالس نادرة احترقت مثيلاتها في فرنسا أثناء الحرب، كما جمع آلاف الكتب بالعربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. لم يختر فيلدمان اسم “المستشرق” صدفة. كان يريد أن تكون هذه المكتبة جسرًا بين الشرق والغرب. وصدق حلمه، صارت المكتبة قبلة للباحثين من كل أنحاء العالم. كان المستشرق الذي يأتي إلى مصر ليدرس تراثها يعرف أن أول محطة له هي “المستشرق”.
تخيلوا هذا.. مكان في قلب القاهرة كان محطة انطلاق لكل من أراد أن يفهم الشرق. ظلت المكتبة على هذا النحو حتى عام ١٩٥٦. فجاء العدوان الثلاثي، واضطر فيلدمان إلى المغادرة. لكنه لم يترك المكتبة للضياع. تركها لمساعده المصري، شارل بحري. كان يعرف أن هذا الرجل سيكون أمينًا على ما جمعه.
الفنان الذي اشترى وطناً
في تلك الفترة، كان شاب مصري يدرس الحقوق لكن قلبه كان مع الفن. اسمه حسن كامي. كان صوته جميلاً، فتعلم الأوبرا وصار من أشهر المطربين. لكنه كان أيضًا قارئًا نهمًا. كان يتردد على المكتبة، يقف بين رفوفها، يقرأ، يتحدث مع صاحبها، يشتري الكتب. صار المكان جزءًا من حياته. كبر شارل بحري في السن، وبدأت صحته تضعف. كان يعرف أن حسن كامي هو الرجل المناسب حتي يواصل الرسالة. ففي بلد مثل مصر، حيث نادرًا ما نجد من يحب الكتب حقًا، كان كامي استثناء. في عام ١٩٨٦، اشترى كامي المكتبة وأهداها لزوجته نجوى. الفنان حسن كامي لم يشتر المكتبة ليكسب منها. اشتراها لأنه كان يعرف أنه يشتري إرثًا ثقافيًا لا يقدر بثمن. ظل هو وزوجته يعتنون بها سنين طويلة. يفتحونها للباحثين، يحافظون على الكتب من التلف، يضيفون إليها الجديد. ثم رحلت نجوى أولاً. بعدها رحل حسن كامي عام ٢٠١٨. رحل وترك خلفه هذه المكتبة التي كانت قلبه. تركها لورثة لا يعرفون قيمة ما بين أيديهم. وهنا بدأت الكارثة!.
ما الذي نفقده؟
لن أتحدث عن أرقام، فالأرقام لا تعبر عن القيمة. لكنني سأقول إن في مكتبة المستشرق ما لا يمكن تعويضه أبدًا. فيها نسخ أصلية من موسوعة “وصف مصر”. ليست نسخًا مصورة، وربما الأصل الذي جاء به نابليون. وكتاب الرحالة جيمس بروس الذي وثق منابع النيل في خمسة أجزاء. وبها أطالس نادرة لا توجد إلا في مكتبات قليلة جدًا في العالم. إذن هذه ليست كتبًا بالمعنى التجاري، هذه وثائق وشهادات تاريخية فريدة نادرة ، هذه جزء من تاريخ مصر والعالم. لو ضاعت، لن نجدها في مكان آخر. لن نعوضها أبدًا.
ما الذي حدث بعد موت كامي؟
بعد وفاة الفنان حسن كامي، بدأت الأخبار تخرج من المكتبة. أخبار محزنة. قيل إن مخطوطات نادرة اختفت. وأن لوحات ثمينة سرقت. وقيل إن أشخاصًا استغلوا غياب الحماية ونهبوا ما استطاعوا. أنا لا أتهم أحدًا. لكنني أتساءل أين كانت الجهات المسئولة؟ أين كانت وزارة الثقافة؟ أين كان الورثة؟ أم أن الإهمال كان هو الحاكم، فانتهز الفرصة من لا ضمير له؟
بالتأكيد هذه ليست سرقة عادية، إنها جريمة في حق الثقافة. فحين تسرق مخطوطة من مكتبة المستشرق، لا تسرق من أسرة كامي وحدها. تسرق من كل باحث مصري يريد أن يقرأ تاريخ بلاده. تسرق من كل شاب مصري يحتاج إلى أن يعرف أن بلاده كانت قبلة العلماء. تسرق من مصر كلها.
من يشتري المكتبة؟
بعد موت الفنان حسن كامي، ظهر من يريد شراء المكتبة. رجال أعمال، دور نشر، أشخاص يرون في الكنز الثقافي فرصة للاستثمار. هذا حقهم، فالملكية خاصة. لكن السؤال هل سيشترون حتي يكسبوا أموالا أم ليحافظوا علي ميراث نادر؟
إذا كان المشتري سيفكك المكتبة ويبيع محتوياتها في المزادات، فهذا ليس شراءً. هذا دفن للتراث. أما إذا كان سيشتريها كي يحافظ عليها ويفتحها للباحثين، فهذه خدمة ثقافية عظيمة. وهناك من اقترح أن يتبرع الورثة بجزء من الكتب لمكتبة الإسكندرية ويبيعوا الباقي. حل عملي لكنه يحمل نهاية المكتبة. لأن المكتبة ليست مجرد كتب. هي روح المكان، هي تاريخ المكان. حين توزع الكتب هنا وهناك، تموت المكتبة.
ماذا فعلت وزارة الثقافة؟
قبل أن يغادر منصبه، وعد وزير الثقافة السابق أحمد فؤاد هنو بأنه سينظر في الملف. قال ذلك وأنا صدقته. فهو كان وزير ثقافة مصر، ومن حقه أن يتدخل لحماية تراث وطني. لكن الوزير تغير، والملف لم يتغير. ظل الملف في مكانه، بين بيروقراطية لا تنتهي، ولجان تدرس، وتقارير تكتب. والمكتبة تنتظر. والكتب يتراكم عليها الغبار. والزمن يمضي. نحن لا نطلب من وزارة الثقافة أن تصادر ملكية خاصة. لكننا نطلب أن تتدخل لحماية تراث وطني. أن تضع ضوابط. أن تشترط على أي مشتري أن يحافظ على المكتبة. أن تمنع التصدير أو البيع في المزادات.
هذه واجباتها. وإذا لم تفعلها، فمن سيفعلها؟
رسالة إلى المجهول!
إلى من سيشترى مكتبة المستشرق، إن اشتريتها حتي تبيعها وتربح مالا، فاعلم أنك تدفع ثمنًا سترده الأجيال. أما إن اشتريتها كي تحافظ عليها، فاعلم أنك ستكتب اسمك في تاريخ مصر. ليست هذه مبالغة. لأن مكتبة المستشرق ليست أي مكتبة، هي واحدة من آخر معاقل الثقافة في وسط البلد، وذاكرة مكان كان يوازي باريس في صالوناته، هي تاريخ وطن، أنت بالتأكيد لا تشتري عقارًا في وسط البلد. تشتر إرثًا نادرا لا يقدر بثمن . تشتري قصة عمرها مائة عام.
لماذا كل هذا الضجيج؟
قد يسأل البعض لماذا كل هذا الاهتمام بمكتبة خاصة؟
لأن هذه المكتبة ليست ملكًا خاصًا بالمعنى الضيق. إنها ملك عام بالمعنى الواسع. محتواها جزء من تراث الأمة. ووجودها في وسط البلد يجعل منها معلمًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن أي معلم معماري. وإن ضاعت، فلن يضيع منها فقط ملايين الكتب. سوف يضيع جزء من هوية القاهرة. سيضيع مثال للعناية بالتراث. سيضيع أمل في أن يحافظ المصريون على ما تركهم أسلافهم.
نحن أمام اختبار
مكتبة المستشرق اليوم في خطر حقيقي. كتب نادرة اختفت. مخطوطات ثمينة فُقدت. محاولات للشراء قد تنتهي بتفكيكها. وزارة الثقافة لم تتخذ قرارًا حاسمًا بعد. والورثة في حيرة. نحن أمام مشكلة كبيرة. مشكلة لا تحلها اللجان ولا التقارير. تحلها الإرادة. إرادة الوزير في أن يتخذ قرارًا يحمي المكتبة. إرادة المشتري في أن يحافظ عليها. إرادة الورثة في أن يختاروا من يحافظ على إرث والدهم. أنا لا أعرف كيف ستنتهي القصة. لكني أعرف أننا إذا لم نتحرك الآن، سنندم. سنجلس بعد سنوات ونحكي لأولادنا: كانت هناك مكتبة في وسط البلد اسمها المستشرق، وكان فيها كنوز، لكنها ضاعت. ضاعت لأننا لم نحمها. ضاعت لأننا انشغلنا عنها. لا أريد أن أكون ممن يروون الحكايات عن الماضي. أريد أن أرى مكتبة المستشرق باقية. أريد أن أراها مفتوحة للباحثين. أريد أن يجد فيها الشاب المصري ما يثقف به نفسه. أريد أن تعود كما كانت، منارة ثقافية في وسط البلد.
هذا ممكن. لو أراد الوزير. لو أراد المشتري. لو أراد الورثة. لو أردنا كلنا.
فهل نريد؟
ضرورة لا خيار
لست واهمًا. أعرف أن الأمل في هذا البلد يحتاج إلى معجزة. لكني أعرف أيضًا أن التراث لا يموت إلا عندما نتخلى عنه. نحن لم نتخل بعد. هذه المقالة دليل على أن هناك من يهتم. هؤلاء الذين يقرؤون الآن، وربما سيتحدثون بعد القراءة، وربما سيفعلون، هم الأمل الوحيد. مكتبة المستشرق ليست مجرد قضية. هي اختبار لمدى صدقنا مع أنفسنا. هل نحن شعب يحافظ على تراثه حقًا، أم أننا شعب يحب فقط أن يقول إن له تراثًا؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.













