٥١ يا زمن

بولص آدم

  كان اليوم الأول لعيد الفطر، ومن الصباح كانت المدينة تغلي بالفرح والزحام. شوارع مدينة الموصل ممتلئة بالناس، وأبرز فعالية لنا كانت الذهاب إلى السينما. شباك التذاكر أمام كل دار عرض يشهد جمهرة زحام، ضحكات وأصوات مختلطة وتنافس الفوز بتذكرة، كأن المدينة نفسها تتشارك نفس الحماس.

بعد الظهر، اجتمعنا عند زاوية الشارع، وكل واحد يحكي عن الفيلم الذي شاهده. عبد الأمير، كالعادة، كان أشدنا حماسًا. قال إنه شاهد فيلم ٥١ يا زمن. ثم أضاف وهو يضحك: “واحد وخمسين يازمن… ٥١ يازمن!” لم يكتفِ بسرد أحداث الفيلم، بل بدأ يمثل كل الشخصيات: يتحرك مثل الباشا القديم، ثم يغني بصوت فاتن ابنته، فجأة يفرد ذراعيه ويقلد طيران الطائرة، وفاتن في داخلها تصل إلى المغرب، تتعرف على إلياس الذي يقنعها بالعمل كمطربة في أحد الملاهي الليلية. كان يصرخ أحيانًا، يضحك، ويتألم، وكأن الشاشة قد اختفت وأصبح هو الفيلم نفسه!

كنا نضحك ونصفق، مستمتعين بعرضه الخاص، الذي جعل من كل منا مشاهداً في قاعة السينما. عبد الأمير لم يكن يعرف أننا سنكتشف الحقيقة المدهشة: الفيلم المصري الذي أثار حماسه لم يكن ٥١ يا زمن كما ظن، بل “آه يا ليل يا زمن”، إنتاج 1977، إخراج علي رضا، وبطولة وردة، رشدي أباظة، عادل أدهم، يوسف شعبان، سمير غانم، سهير الباروني، ونظيم شعراوي.

حين أدركنا هذا، ضحكنا حتى آلام بطوننا، وضحك عبد الأمير بنفسه، وهو يكرر الحركات التي كان قد أداها، وكأن كل تمثيلاته المبالغ فيها لم تذهب سدى، بل أصبحت جزءًا من تلك الذكرى الغريبة والممتعة.

في ذلك اليوم، لم تكن السينما مجرد شاشة وأفلام، بل كانت فضاءً للدهشة والمفاجآت، ولحظات لا تُنسى تُخزَّن في الذاكرة، كأنها قطعة من عيد الفطر نفسه، مليئة بالحياة والدهشة والبهجة المشتركة. عبد الأمير، بطاقته الكوميدية وحبه للفيلم، حول كل لقطة درامية إلى مسرح صغير في قلوبنا، وأصبحت ذكرياته مع الفيلم تتناغم مع زحام المدينة وضحكاتنا، كما لو أن الماضي والحاضر قد اجتمعا في شارع واحد.

بولص آدم

63 مقال
أديب وفنان سينمائي عراقي، من أعماله: ـ كتاب: «ضراوة الحياة الآمتوقعة»، (القاهرة 2010). ـ «اللون يؤدي إليه»، (بغداد 2013). ـ…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع