أزمة الشارقة الثقافية.. من يقرأ اليوم؟!

عبد السلام فاروق

لا أخفيكم أن شعوراً بالحزن خالطته خيبة أمل تسلل إلي وأنا أتصفح هاتفي صباح  اليوم، لأقرأ رسالة من صديق يعمل في حقل الثقافة، يخبرني فيها أن مجلة “الشارقة الثقافية” لم تعد تصل منذ أكثر من شهرين. في البداية، حملت الأمر ما لا يحتمل، وقلت في نفسي، لعلها تداعيات الأحداث الإقليمية، لعلها إجراءات مؤقتة، لعلها ظروف طارئة ستنقشع كغيرها.

لكن الفضول المعرفي، وهاجس المتابعة، دفعاني إلى التواصل المباشر مع الإخوة في دائرة الثقافة بالشارقة، لعلي أجد تفسيراً مقنعاً لهذا الانقطاع المفاجئ. وجاء الرد صادماً، لكنه لم يكن مفاجئاً لمن يراقب المشهد الثقافي عن كثب، أن شركة التوزيع اعتذرت عن استمرار توزيع المجلة وأخواتها مستقبلاً، لأنها مجلات كاسدة، ونسبة المرتجعات منها مرتفعة.

كاسدة! كلمة ثقيلة الوقع على الأذن، وأثقل منها على القلب. مجلات ثقافية تصدرها مؤسسات عريقة، بإصداراتها الشهرية المنتظمة، ومحتواها الجاد، وأقلامها المرموقة، تصفها شركات التوزيع بأنها “كاسدة”. وكأننا أمام بضاعة في سوق للخضار، لا تجد من يشتريها، فتعود أدراجها إلى منبعها.

وهنا تبدأ رحلة التأمل في المشهد الثقافي العربي، وتحديداً في علاقته المعقدة مع آليات التوزيع والانتشار. لم تعد أزمة المجلات الثقافية أزمة تحرير أو مضمون،  لقد باتت أزمة وجود بامتياز. فكثير من هذه المجلات يصدر بانتظام، ويصل إلى المطابع، ويطبع بأعداد تحسد عليها، لكنه لا يصل إلى القارئ. وبين الإصدار والوصول، تقف شركات التوزيع حائرة، ثم معتذرة.

لنكن موضوعيين، فشركات التوزيع ليست مؤسسات خيرية، ولا يمكنها أن تتحمل خسائر دائمة. هي مؤسسات تجارية تبحث عن الربح، أو على الأقل عن تغطية نفقاتها. حين تجد أن نسبة كبيرة من الأعداد تعود إليها “مرتجعاً”، أي لم يبع منها إلا القليل، فمن الطبيعي أن تعيد حساباتها، وتقرر وقف النزيف. لكن السؤال الأعمق لماذا أصبحت هذه المجلات كاسدة؟ ولماذا لا يشتريها الناس؟

الجواب هنا متشعب، وفيه من التعقيد ما فيه. فمن جهة، نحن نعيش زمن العجلة، زمن “السوشيال ميديا” ومقاطع الفيديو القصيرة، زمن التغريدة والمنشور العابر. لم يعد للقراءة المتأنية مكان في حياة كثيرين. المجلة الثقافية تحتاج إلى وقت، إلى جلسة تأمل، إلى فنجان قهوة طويل. وهي تقدم مواد تحتاج إلى تركيز، إلى عودة، إلى تفكير. وهذا كله بات عملة نادرة في زمن الاستهلاك السريع للمحتوى.

ومن جهة أخرى، هناك أزمة في ثقافة القراءة نفسها. نحن نقرأ أقل مما ينبغي، ونشتري كتباً أقل مما نتمنى. والمجلات الثقافية، بطبيعتها، موجهة إلى شريحة نخبوية بالأساس. حين تضاف هذه النخبوية إلى ضعف ثقافة القراءة، ينتج هذا المشهد الكئيب من المجلات التي تبحث عن قارئ لا تجده.

لكن اللافت في قصة مجلة “الشارقة الثقافية” أنها تصدر عن دائرة الثقافة بالشارقة، وهي مؤسسة عريقة في العمل الثقافي، تمتلك خبرات متراكمة، وتقدم محتوى جاداً ومتنوعاً. ومع ذلك، لم يسلمها الحال من اعتذار شركة التوزيع. هذا يعني أن الأزمة ليست في جودة المحتوى فقط، بل في بنية التوزيع نفسها، وفي طبيعة السوق الثقافية العربية المتصدعة.

الشارقة تبذل جهوداً كبيرة في مجال الثقافة، وتستحق كل التقدير على مبادراتها ومشاريعها. لكنها هنا، في هذه الحالة، تواجه تحدياً أكبر من قدرتها الفردية. إنه تحدي جماعي، يخص المشهد الثقافي العربي كله.

وأتذكر هنا قصة حدثت معي شخصياً قبل سنوات. كنت أبحث عن عدد قديم من مجلة “العربي” الكويتية العريقة، في مكتبة كبيرة بوسط القاهرة، سألت البائع، فضحك وقال: “هذه مجلات لا أحد يسأل عنها إلا نادراً. لو ترغب فيه أعداد جديدة، كل شهر تصلنا، لكن لا تتحرك من الرفوف إلا فيما ندر”. سألته عن السبب، فقال ببرود: “الناس صارت تقرأ في الآيباد والمحمول”.

كان هذا قبل سنوات، واليوم الوضع ازداد سوءاً. فحين ترفض شركات التوزيع توزيع مجلة “الشارقة الثقافية” وأخواتها، فهذا يعني أن هامش الربح فيها أصبح معدوماً، بل إن الخسارة مضمونة. والمرتجع العالي يعني تكاليف شحن وتخزين وإرجاع، كلها خسائر مضافة.

وهنا يبرز سؤال آخر محير هو لماذا تستمر هذه المجلات في الصدور إذاً؟ لماذا تصرف المؤسسات الثقافية ملايينها على إصدارات لا توزع؟ هل هو نوع من الوجاهة الثقافية؟ أم هو إيمان راسخ بدور الثقافة حتى لو كان جمهورها محدوداً؟ أم هو مجرد تقليد إداري لا يمكن التخلي عنه؟

أتصور أن الأسباب متداخلة. هناك يقين لدى القائمين على هذه المؤسسات بأن الثقافة ليست رفاهية، وأن وجود مجلة ثقافية شهرية هو حضور ثقافي لابد منه، حتى لو كان تأثيرها محدوداً. هناك قناعة بأن الكتاب والمجلة الورقية لهما قدسية لا توفرها المواقع الإلكترونية. لكن هذا الإيمان لا يحل مشكلة التوزيع.

التحول الرقمي يفرض نفسه بقوة هنا. ففي الوقت الذي تتراجع فيه المبيعات الورقية، تتجه كثير من المجلات إلى النسخ الإلكترونية، التي توفر تكاليف الطباعة والتوزيع، وتصل إلى القارئ مباشرة عبر بريده الإلكتروني أو تطبيقات القراءة. لكن هذا الحل أيضاً له عيوبه، فهو يفقد المجلة حضورها المادي، ويجعلها تائهة في بحر المحتوى الإلكتروني الزاخر.

ما الحل إذاً؟ هل نترك المجلات الثقافية تموت بصمت؟ أم نبحث عن صيغ جديدة توفق بين الجدية الثقافية وواقع السوق؟

أتصور أن الحل ليس في إلغاء هذه المجلات، إنما في تطويرها، وفي تغيير طريقة التعامل معها. ربما تحتاج إلى أن تصبح أكثر قرباً من القارئ، ليس بتنازلها عن مستواها، بل بتقديم محتوى يراعي اهتمامات الناس اليومية، ويجيب عن أسئلتهم المعاصرة. ربما تحتاج إلى أن تستثمر في التواصل مع قرائها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبناء مجتمع افتراضي حولها. ربما تحتاج إلى أن تقدم نفسها بشكل مختلف، ورقياً وإلكترونياً، بحيث تصبح جزءاً من حياة القارئ، وليس مجرد إصدار شهري يصل إلى المكتبات ثم يعود.

كما أن شركات التوزيع مطالبة بتطوير آلياتها، وعدم التعامل مع المجلات الثقافية كبضاعة عادية. ربما هناك حاجة إلى توزيع انتقائي، يصل بالمجلة إلى الأماكن التي يتواجد فيها قراؤها الحقيقيون في الجامعات، المراكز الثقافية، المكتبات العامة، النوادي الأدبية. بدلاً من توزيعها على أكشاك عشوائية يمر بها الناس مرور الكرام.

وفي النهاية، تبقى مسئولية القارئ العربي حاضرة بقوة. فالمجلات الثقافية ليست صدقات توزع، أو مشروعات خيرية. هي مشروعات ثقافية تحتاج إلى دعم، وأهم دعم هو القراءة والشراء. وحين نترك هذه المجلات تموت، نكون قد خسرنا جزءاً من ذاكرتنا الثقافية، ومنصات مهمة للحوار الفكري والإبداعي.

ربما نكون أمام جيل جديد لا يعرف متعة تصفح مجلة ورقية، ولا يستمتع برائحة الحبر والورق. ربما يكون المستقبل للرقمنة وحدها. لكني مع ذلك، أتمنى ألا تختفي المجلات الثقافية الورقية تماماً. أتمنى أن تبقى، ولو في زاوية صغيرة من حياتنا، ذكرى لعصر كانت فيه الكلمة المطبوعة أكثر قدرة على البقاء والتأثير.

مجلة “الشارقة الثقافية” لن تتوقف عن الصدور، هكذا أفهم من رسالة دائرة الثقافة. لكن عدم وصولها إلى القراء في مصر هو خسارة للجميع؛ خسارة للمجلة التي تفقد جمهورها، وخسارة للقارئ الذي يحرم من محتوى جيد، وخسارة للمشهد الثقافي الذي يتراجع أكثر فأكثر.

ويبقى الأمل في أن تبحث الجهات الثقافية عن حلول إبداعية لمشكلة التوزيع، وأن تجد شركات توزيع مستعدة لتحمل المسؤولية الثقافية إلى جانب الربحية التجارية. ويبقى الأمل في أن يزداد وعي القراء بأهمية دعم هذه الإصدارات، لأنها في النهاية نوافذ نطل منها على عالم أوسع، وأعمق، وأجمل.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع