أحمد العشري
يبدأ الخريف من صدري
ويُعيدُ ترتيب الخوف في الهواء
تسقط الأوراق
والكلمات التي لم أقلها
ألمسُ زجاجَ النافذة
فأشعرُ أنَّ الضوءَ يشيخُ في يدي
وأنّ الهواءَ يختبرني
كنتُ طفلاً،
أراقبُ الدُّمى الملونة في شاشة باردة
وأنتظرُ لتنجيني من نفسي
الخوف صار نَفَسًا يرافقني في الهدوء
وهوة تبتلعني قبل النوم.
مع دخول نوفمبر
كبرتُ.
الذين أحببتُهم
تركوا على قلبي ظل مرورهم
والذين خافوا عليَّ
نسوني في منتصف الطريق
حتى روحي
لم تعد تصدّق أنّ الحزنَ
قابل للشرح
أكتبُ..
ليس لأنّ الكتابةَ تُشفيني
بل لأنّ الذين يفهمونني رحلوا إلى مدنٍ بعيدة.
أكتبُ كي لا أفقدَ أحدًا في نوفمبر
كي لا يتجمّدَ صوتي في ديسمبر
كي أذوبَ قليلًا في يناير
أكتبُ..
لأنّ المعالجين يتحدثون
عن “خطوات التعافي”
وكأنهم لم يختبروا الوحدةَ
والخريفَ أبدًا !
كلُّ المدنِ الآن تمطرُني
كلُّ المواسم تتواطأُ مع قلقٍ قديم.
وصديقتي التي كانت تقول لي:
“اهدأ، كلُّ شيءٍ مفهومٌ إذا نظرتَ له من بعيد”
تُكملُ حياتها في بلدٍ آخر
لتتركَ لي مساءً طويلًا
على هيئة رقمٍ فردي
في دفتر الخسارات
اليوم
يأتي الشتاءُ باكرًا
يحملُ في جيبه خيباتٍ صغيرة
ويقول: عدنا يا صديقي.
أضحكُ بقلقٍ أليف قديم
أدركُ أنّ الأشياء لم تتغير
فقط صارت أكثر صمتًا
وأعلمُ أنَّ الخريفَ ليس لونًا بل مزاج
وأنّ كؤوسَ الخمر لا تُشفي من المرارة
وأنّ الضوءَ حين يضيقُ يُخيفُ أكثرَ من العتمة.
وأفكر،
إن الخوف ليس من القادم
بل من تكرار الحكاية بنفس الطريقة
الخوفُ أن نستيقظ مبتسمين
ثمّ نكتشف أن الشفاء
هو وجهٌ آخرُ للفراغ
أحيانًا، حين يهبط الليل مثل حيوانٍ مُتعب،
أتذكر ياسمين
وأرى في اسمها دفء
الذين جرّبوا الإنسانَ قليلًا
فلم ينكسروا تمامًا
أُرسلُ لها تحيّةً من صقيعِ القلب
إلى دفءِ القصيدة:
ياسمين،
لم أمت
لكنّي أتذكّركِ لأحيا.
فكلُّ لحظةٍ معكِ كانت حياةً مؤقتة،
وكلّ جملةٍ منكِ محاولةٌ لتأجيل الانهيار.
بعد خلافنا تأكّدتُ
أنَّ هذا الهواءَ الذي يجرحني ما زال لي.
ها أنا،
أختفي دون أن يلتفت أحد
والكتابة صارت تأجيلًا أنيقًا للانهيار
أو اعترافًا مؤجلًا بأنّ الطقسَ يسكنُ رأسي
لا السماء!












