فكري عمر
يضع القانون حدودا تُمكٌِن المظلومين من الحصول على حقوقهم، وقد يحدث العكس إذا كانت هناك أدلة غائبة عن صاحب الحق، ولا يستطيع محاميه أيضًا الحصول عليها. وهناك الكثير من القضايا لا تدخل من باب المحاكم أصلا؛ لأن أصحابها المظلومين أو المقهورين لا يقدرون على الإشارة إلى قاهرهم باليد أو اللسان، فيصبح الدعاء من الأفواه للسماء وسيلة الخلاص من الإحساس بالمهانة والضياع وانتظار يوم الحساب، وأحيانًا يسخرون من ظالمهم كوسيلة لرد الاعتبار للنفس لا لرد الحق نفسه، لذلك تشكلت العدالة ـ بمعناها الأشمل ـ في أذهان الناس كصفة من الصفات الإلهية، المحيطة بكل شيء ظاهرًا وباطنًا، وظل التوق إلى تحققها في الدنيا أملًا للمظلومين والضائعين، فكيف جسَّد مسلسل عين سحرية هذه الفكرة؟!
العين الخفية:
وراء كل شخص في مسلسل “عين سحرية” سر أشبه بعار أو نقطة ضعف أو جرح، يرغب في إخفائه عن الآخرين، لكن الآخرين يفتشون ويبحثون بكل الوسائل، لكشف أوراق بعضهم البعض؛ رغبة في السيطرة، أو التفاوض، أو الانتقام. في عالم كهذا يكون فني الكاميرات “عادل” مطلوبًا بصفته الوظيفية لزرع أجهزة مراقبة أصغر وأخفى عن العين، وفي أماكن خاصة كحجرات النوم ومكاتب المحامين ورجال الأعمال المشبوهين. يبدأ العرض بإغراء مالي من سيدة، فيرفضه البطل، لكن ضغط الظروف المادية يدفعه للموافقة. بهذا يتم تقديم شخصية عادل “عصام عمر” وعالمه الفقير وسط عمارات القاهرة الشاهقة والمكدسة بالعديد أيضًا من الحكايات، وبالصدفة يكتشف جريمة ترتكبها المرأة نفسها ضد زوجها وعشيقته رغم معرفتها بوجود كاميرات تصور الحادث! تلك ثغرة لا يمكن تجاوزها خصوصًا وأن المسلسل ينتهي دون أن نعرف مآل تلك المرأة وجريمتها. لقد بدت كمقدمة ليس إلا للقاء بين طرفين: المهندس عادل، والمحامي زكي “باسم سمرة”؛ لكشف المجرمين. ربما سنفهم من خلال الأحداث أن “زكي”، السجين السابق والمفصول من نقابة المحامين، يعمل لدى مكتب كبير “د. راغب”، لحل القضايا وضبط أدلة المرافعة أو الاتهام، وأنه ربما أُرسل إلى الشقة قبل اكتشاف الشرطة وإبلاغ النيابة، غير أن هذا التفسير أيضًا كان ينقصه حتى إشارة لاحقة. سنمر خلال الحلقات ببعض من ذلك، لكنها على كل حال لن تفقدنا متعة المتابعة، والتساؤل، وملاحقة الأبطال في سعيهم. لا يندرج طبعًا إلى جانب هذه الثغرة وقوع “عادل” في أخطاء تخطيطه لبعض الحيل مع صديقه “توحه” لأنه بارع في عمله كفني كاميرات، لكنه ليس بارعًا في التخطيط مثل معتادي الإجرام، وقد راقب ذلك العالم وتورط في معرفته بالصدفة. هذا مفهوم دراميًا.
من الصعب وصف ما يفعلونه بأنه مغامرات، لأن المغامرة تضمن جزءًا من متعة الاكتشاف واللعب، ما يفعله اتحادهم معًا هو “ورطات” مادية وأخلاقية. في اكتشاف كم الفساد والخيانة والجريمة لا يكون باستطاعتهم إلا الإحساس بالألم والظلم، والسعي إلى مقاومته، وتصبح معاناة الأقرباء نتيجة ذلك الفساد ربطا واقعيا دالًا على السعي للعدالة وخلاصًا شخصيًّا ومجتمعيًّا في الوقت نفسه.
الظلال والألوان والرموز:
يلعب المخرج بالظلال، ويضيف للمشهد الطبيعي ألوانًا أغمق، هي مزيج من الأزرق والأخضر والأحمر مما يرسم طبقات للمعنى تتجاوز الحدث المباشر، وتُضفي غموضًا على الشخصيات، وتؤثر تلك الألوان النارية بشكل أو أخر على التلقي؛ إذ تضع المشاهد على أهبة الاستعداد الدائم لمعركة تلو أخرى بين طرفين: الباحثون عن العدالة (لا حكم القانون فقط)، والأشرار الذين يتلاعبون حتى بالقانون.
ولأنها معركة لها أبعاد اجتماعية رمزية بين الخير والشر فإن كل جانب يتكتل ضد الآخر.. الخير بما يمثله من قيم أصيلة قوامها الكفاح، والدفاع عن الوجود ضد العجز والتشويه، وعدم الرضوخ للمادة إلا لحماية الأسرة من التشرد، وعاطفة الحب الحقيقية التي تتجاوز صراع الطبقات من ناحية، وبين الشر الذي يتمثل في الحط من قيمة الناس، وسرقتهم، واستغلالهم كفئران تجارب، والهيمنة عليهم بكل أساليب التآمر والإذلال من ناحية أخرى.
هي معركة أزلية وأبدية بعدد أنفاس البشر، ليس فيها كلمة نهائية وأخيرة ولا انتصار حاسم لطرف على آخر، لكن العمل الفني ينتقى من الحياة ما يؤكد به رؤيته، ويمنح المعنى جسدًا قابلًا للتحقق في شخوص لهم وجود اجتماعي يحمل مصداقية فنية، غير أنه لم ينس أبعاده الرمزية التي رسمها لنفسه في البداية عبر أسماء الأبطال أنفسهم: “عادل” الباحث عن العدالة، و”زكي” المحامي السابق والمعاون الذكي البارع في حبك الخطط للإيقاع بالمجرمين، والطبيبة النفسية بسمة “فاتن سعيد” التي تمثل بسمة الحياة المفتقدة في حياة مرضاها وحياة أبيها الشقي بأسراره، وشهاب، المحامي الشرير، “محمد علاء” الذي يمضي في سماء المجد والثروة كالشهاب البارق لافتًا إليه الأنظار المبهورة، ثم يسقط فجأة فيتلاشى الضياء.
ترسم المشاهد نفسها بأسئلتها وحيرة أبطالها ذلك السؤال: إذا كانت المحاكم لا تعمل إلا بالأدلة والقوانين، فكيف يمكن الوصول للعدالة الحقيقية إذا اطّلعنا على كل الأسرار؟!
جذر الفكرة وفروعها:
لعل في البحث وراء كل عمل فني جديد عن أصل فكرته هو بخس لقيمته. لا ينفي هذا تأثره طبعًا بما مضى، ولا تذكُّرنا لأعمال سابقة كان الحصول على معلومة سرية بالصدفة باب المغارة المليئة بالمفاجآت. سنتذكر “ضربة شمس” لنور الشريف، المصور الصحفي الذي قادته مجموعة صور التقطها إلى كشف تشكيل عصابة خطير يهدد المجتمع كله، وعلى الزهار “محمود الجندي” وهو ينقل معلومات سرية تمس المجتمع إلى صديقه “حسن بهلول”، عادل أمام، في فيلم “اللعب مع الكبار”، فيلفت نظر الجهات المختصة إلى الخطر المحدق، بل وربما نتذكر رواية “الجحيم” لهنري باربوس الذي قادت الصدفة بطله لأن يسكن غرفة بها ثقب، من خلاله يطلع على أسرار لم تخطر له ببال، وسنمضي أيضا وراء تحقيق العدالة بواسطة شخص يلعب دور قاضي وجلاد معًا في واحدة من أهم الروايات العالمية: “الجريمة والعقاب” لفيودور دوستويفسكي. فإذا كان هذا توقًا بشريا أصيلا: الإطلاع على الحقيقة كاملة، ما ظهر منها وما بطن، وتحقق العدالة خصوصًا فيما يمسنا مباشرة ويمس أحبابنا ومجتمعنا أفلا يكون كل عمل من تلك الأعمال فريدًا في رؤاه، حتى وإن تأثر بما سبق؟!
في اعتقادي أن أصالة العمل في رؤيته لواقعه الآني والإنساني، وتجاوزه الكليشيه عن الانتصار النهائي للحق ضد الظلم إلى طرحه السؤال الأهم: كيف نعيش بأمان وعدل وسط مجتمع مختلف الطبقات والمصالح؟!
ربما هذا من ضمن ما سعى إليه مسلسل المخرج “السدير مسعود” في رمضان هذا العام عبر خمس عشرة حلقة كان التشويق، والكشف المتتالي للحقائق أسلوبها، والإفلات من تقنية الفلاش باك والتعويض الذكي عنها بالإشارة أو بالحكي عبر مشهد مرسوم ومهيأ لذلك مثل حجرة الطبيبة النفسية، أو استدعاء أشخاص من الماضي واعترافهم بالحقيقة بعد الخسارة الجسيمة، وتضفير حبكات فرعية لها نفس النسيج (وصمة لاصقة بأشخاص وحقيقة مشرفة عنهم تُكشَف لاحقًا، والعكس بالعكس)، والكادرات غير المألوفة للعين، ليضعنا أمام سؤال آخر:
هل لو عرف هؤلاء الأشخاص أنهم مراقبون بشاهد آلي لا يعرف الكذب ولا النسيان والتزوير؛ أكانوا يرتكبون جريمتهم، أم يكبحون أنفسهم عن الشرور؟!
بهذا يطرح العمل جديدًا رغم إغراقه في الحزن إلى درجة التراجيديا، ربما لأنه يناقش فكرة رئيسية متجذرة في وعينا بأن المعرفة والمسؤولية أثقل كثيرًا على النفس من الجهل والغفلة.
الاحتراف والهواية:
مهمة ورش السيناريو والتحرير الأدبي والفني في الفترة الأخيرة أن تصل بالعمل إلى حدود الحرفة المتقنة عبر التركيز على اللقطات القصيرة، والكلام الموجز، والأحداث المتوالية، والقطع السينمائي لجذب الانتباه في منافسة الموسم الرمضاني الذي تمتلئ مائدته بعدد وافر من المسلسلات، والبرامج، والإعلانات إلا أن الكثير من الأعمال الفنية المقدمة تتحول إلى ما يشبه المعادلات الرياضية، وتنمحي المسافة فيها بين الأساليب المختلفة.
ربما أفلت “عين سحرية” إلى حد ما من ذلك عبر حكايات فرعية تصب كالجداول في نهر الفكرة الرئيسية، وتلك العاطفة التي تتخلل الأحداث وتتواشج معها، ولولا فلسفته وأسئلته المهمة لتحول إلى مسلسل المشاهدة الواحدة فقط ـ كالقصة البوليسية ـ ثم فقدان الاهتمام به بمجرد حل الألغاز.
يبقى في النهاية أنه عمل جيد، يمكن وصف أداء شخوصه بالتلقائية المحكمة، لكنه في مغزاه يظل مجتزأً من الحقيقة، إذ إنه، ولسبب مفهوم في عصرنا الحالي، يدور حول شرفاء داستهم الأقدام، وأشرار توحشوا إلى درجة الخيال من دون أن يشير إلى عوامل أو شبكات أكبر سمحت لهذه الديناصورات أن تنمو على حساب التهام أجساد وأحلام الفقراء.















