التشكيل الكولاجي وصورة المرآة في رواية”سوسنة المستنقع” للكاتب مختار عيسى

قراءة أدبية من منظور نفسي

mokhtar eissa

د. رشا الفوال

مقدمة:

الكولاج Collage مصطلح يستخدم في معجم الفن بمعنى (التجميع والتلصيق)، والكولاج عملية فنية تم استخدامها من قبل الكُتاب للتوفيق بين أكثر من عنصر في العمل الروائي من أجل التعبير عن رؤية الكاتب التي ترتكز على الإيحاء للمتلقي ومخاطبته من خلال القيم الجمالية بهدف إثارة الذهن والحث على إدراك العلاقات بين تلك العناصر لتحقيق الموازنة بين الواقع والخيال.

في رواية: سوسنة المستنقع الصادرة عام2018م عن سلسلة كتاب مرايا للكاتب: مختار عيسى، تم الارتكاز على التشكيل الكولاجي بهدف إثارة مهارات المتلقي الفكرية أولًا، وتوظيف اللغة الحُلمية وصورة الذات المتشظية في المرآة كعناصر غير متجانسة تم تجميعها على سطح الحدث الرئيس ثانيًا.

علينا الإشارة أيضًا إلى أن التسلسل السردي الذي استمده الكاتب من تاريخ ونشأة شخصية البطلة(يمكننا اعتباره المادة الأولية للحكاية) ثم تجربتها في الحياة وتعدد علاقاتها برجال السُلطة_ تلك العلاقة التي شيد الكاتب من خلالها تطورات الفساد المجتمعي_ بإبراز الشخصيات الثانوية معتمدًا على آلية التناوب بين الجانب الخير الروحاني والجانب الشرير الشيطاني.

أولًا: الوظائف الحُلمية كوسيط فني غني بالقيم التعبيرية(الواقعية/ المتخيلة)

على الرغم من أن النشأة الفنية الأساسية للكولاج بدأت في الفنون التشكيلية، خاصة مع إنجازات: بيكاسو في التكعيبية، إلا أنه تم توظيف التشكيل الكولاجي في الكتابة الأدبية كمحاولة لإيجاد علاقات ما بين الواقع والخيال اولًا، والبحث عن إمكانية تحويل الحُلم الطيفي إلى واقع ثانيًا، فكان الغرض من اللصق Collage هو الكشف عن عوالم غامضة في حياة الشخصية الرئيسية: ندى من خلال اللغة الحُلمية التي تُعد وثيقة للصراع النفسي، كما أن هناك تشابهات كثيرة بين الحياة الحُلمية وبين الاضطراب النفسي وثنائية الوجدان في حال اليقظة؛ مثال لذلك حُلمها الذي رأت فيه: “أسطول من السيارات الفارهة، وعشرات من البودي جاردات باجسادهم المنفوخة و المسدسات المدلاة من أحزمتهم العريضة، و صراع الكاميرات في أيدي جيش المصورينن و صفان من كبار رجال المحافظة، فضلًا عن السيد المحافظ و إلى جانبه الوزير الجارحي” كانوا في انتظارها، فإذا كان تحقيق(الرغبات) هو الهدف الوحيد للحُلم، فهذا الحُلم تحقيق مموه(لرغبة مكبوتة) في الانتقام من رجال السُلطة وأتباعهم.

أيضًا في حلمها بطفلها: هادي بعد أن ذبحوه، تجلت(الصور الإستيهامية) التي تتشكل منها المشاهد البصرية، التي نراها كاشفة عن العمليات العقلية اللاشعورية؛ إذ أن للحُلم وظيفة(تعويضية) تُخفف من صعوبات الحياة أحيانًا، وتعتبر”صورة من صور العقاب التي يفرضها الضمير على الإنسان أثناء نومه”(1) أحيان أخرى.

وفي حلمها المؤلم الأخير تجلى(الجسد الحسِي الخاضع للمراقبة) والذي تلخصت وظيفته في استبدال ميكانيزم(الكبت) بميكانيزم(الحُكم)؛ لأنه”ما من تجربة في الحلم يمكن تصورها إلا وقد كان لها أصولها الأولية التي عبرت بها إلى عقولنا بصورة ما أثناء اليقظة”(2)، ربما لأن مسألة الجسد المراقب في الحُلم؛ من أكثر آليات إدراك الواقع ومحاولة فهم أبعاده، لأنه يضم الروح، وتصدر عنه تصرفات تحمل في طياتها كثير من الدلالات التي نعتبرها منتوج إجتماعي رمزي ثانيًا، إذ تمارس عليه سُلطات المجتمع والعائلة والفرد نفسه.

في الرواية تجلت لنا ذكريات الشخصية الرئيسية: ندى_ من خلال أحلام اليقظة_ التي نعتبرها صياغة واعية للأفكار أبرزت لنا الأشكال التنكرية للرغبات؛ لأن كل رغبة يتم تحريفها وراءها عدد من الدوافع، تقول: “أحست بهم يصبون الماء على البدن العاري، يتنادون على الكفن، فقد انتهى تغسيل الفقيدة….” كتعبير ممتد عن مخاوفها ليأخذ الموضوع شكلًا آخر من(النبذ الإجتماعي) الذي اتضح في همس الجارات: “لم تترك رجلًا، خربت بيوت نساء حارتها” الذي يُعبر عن تمردها على البناء الإجتماعي المحيط بها، والرغبة في الإنسلاخ عنه.

مع ملاحظة أن أحلام اليقظة في الرواية تلخصت وظيفتها في ضم الفكرة إلى الصورة اعتمادًا على آلية(التخييل) وتنظيم الانفعالات بفعل الحبكة السردية للكاتب الذي أشار إلى الجسد باعتباره مقابل ضدي للروح في حال الصحو، فإذا افترضنا أن الكتابة والحُلم يصدران من مركز نفسي واحد يُطلق عليه(مركز التلاؤم مع المحيط)؛ فقد اتضحت لنا الوظيفة الاجتماعية للأحلام من خلال سعي البطلة إلى تلوين واقعها بمشاعرها و(إسقاط) صوتها على الشخصيات الثانوية كأنها قررت أن تخدعهم جميعًا وتسايرهم في لعبة الحياة.

ثانيًا: التشكيل الكولاجي وتشظيات صورة المرآة

التشكيل الكولاجي في الأدب يُعرف بأنه ترابط عناصر مختلفة بغية إثارة توتر ما، ومحاولة كسر أحادية المنظور، ربما لذلك لعبت الشخصية الرئيسية في الرواية مشاهد مختلفة في وقت واحد، وقام الكاتب برصد أحوالها النفسية المتعددة التي أسهمت في تنامي الشخصيات الثانوية( الدكتور نادر/ عم محروس/ لطفي البواب/ عم حسنين العربجي/ عم جودة المزين/ منال أختها/ زميلتها جليلة/ محمود العنتري المعيد بقسم اللغات الشرقية/ خالد النجار أستاذ اللغة الفارسية/ الأم نجية غوايش/ حامد أمين العهدة في الجمعية الاستهلاكية/ الشاويش محمود/ النقيب عبد الغني/عطية البحراوي/ الحاج كارم/ الزغبي الماكيير/ رجاء/ اكرم الواعظ/ ناحوم الجني العاشق/ نهال العسكري)، من مميزات ذلك البُعد عن الآلية في الكتابة والنمطية في تقديم الشخصيات، لاحظنا أيضًا أن تداخل المشاهد السردية والتنقل المفاجيء بينها أخرج الحكاية من دائرة التلقي التقليدي؛ فإذا بالفخذ المشوهة تحقق حال من التماهي بين المتلقي وبين أزمات البطلة النفسية المعبئة بتشوهات الطفولة من خلال ما يمكننا تسميته جمالية القُبح، تقول: “هذه تميمتي يا عجوز، هذا سر قوتي وضعفي، هذا خاتم سوسنة الذي تطبع به على قلوب وعقول الرجال صكوك التسليم “ .

من أغراض التشكيل الكولاجي في الرواية الصقل Frottage الذي استخدمه الكاتب بغرض بيان التشوه النفسي لأفراد المجتمع والتعبير عن انفعالات الشخصيات الثانوية من جهة، وبيان صورة ذات  الشخصية الرئيسية: ندى المتشظية في المرآة من جهة أخرى، مع ملاحظة أن تشظيات الذات تشيع في الشخصيات التي تعرضت لخبرات صادمة في مراحل الطفولة، يقول الراوي “تقذف مرآتها بقارورة عطر التقطتها من طاولة قريبة، آلاف الصور تأخذها في دوامات لا نهائية ”

تفكيك الشخصية الرئيسية وتشظيها جاء كمحاولة من الكاتب لتبرير الثنائية الوجدانية التي تعانيها، ربما لذلك لم تخلُ الحكاية من التشبيهات والكنايات والرموز الحُلمية التي أعادت إنتاج الذاكرة التي تُشبه إلى حد كبير قصص الاعترافات القائمة على البوح، وعلى المتلقي أن يجمع المشاهد الخاصة بالشخصية الرئيسية_ التي يُنظر إليها دائمًا كأداة من أدوات السُلطة_ من أجل الحصول على صورة كلية.

التشكيل الكولاجي كخيط من الخيوط السردية الجديدة والقديمة، تم توظيفه من خلال دمج تعدد الحكايات الفرعية داخل الحكاية الأصلية، تلك الحكايات التي أبرزت مقومات المشهد السياسي ومستجداته_ التي أشار إليها الكاتب ضمنيًا_ للإتيان بما هو أكثر مما يتوقعه المتلقي.

تنوعت عناصر التشكيل الكولاجي كتقنية سردية مواكبة لتطور حياة الإنسان المعاصر وتعدد وسائل التعبير في أولًا(الأخبار على وسائل التواصل) مثال لذلك“الخبر الذي سيطيره خصوم الدكتور نادر على الفيس وتويتر/ خبر انتحار الدكتور خالد النجار/ خبر على مواقع التواصل الاجتماعي عن ضبط الرجل الثري في ملهى أوروبي مستلقيًا على بطنه يمتطيه فحل زنجي/ نبأ انتحار ندى عطية مسمومة “، ثانيًا:(التقرير الطبي) الذي كتبه عدد من الاختصاصيين النفسيين الذين أشركهم الطبيب: نادر معه في علاج:ندى، وتقارير رجال الأمن المقدمة لأجهزة الإعلام عن صور النساء العاريات بحوزة:أكرم نجم الفضائيات، ثالثًا:(اللافتة الرخامية التي عُلقت على أحد جدران المسجد): فاعلة خير ترجو أن يدعو لها رواد المسجد بظهر الغيب أن يغفر الله لها، رابعًا:(نداءات باعة الجرائد) في محطات المترو وأرصفة شوارع القاهرة عن فضيحة الواعظ الشاب، خامسًا(تدوينة): محروس على موقعه الشخصي“لا تصدق كلمة الحب من عاهرة، ولا الوعد من سياسي، ولا اليمين من تاجر، واستفت قلبك، سادسًا:(مذكرات) الشاعرة: نهال السكري، وسابعًا:(الخطاب) الذي لم يجدوا فيه سوى عبارة: “إلى هادي، آتية إليك يا حبيبي”.

خاتمة استنتاجية:

 في رواية:سوسنة المستنقع اعتمد التشكيل الكولاجي على رسم صورة كلية للمجتمع المرهون بالانحرافات والفساد، هذه الصورة التي لم تخلُ من بعض المستويات العاطفية بين الشخصيات الرئيسية: ندى والطبيب: نادر، وبين: ندى وابنها: هادي، مع ملاحظة أن الخصائص الفنية للتشكيل الكولاجي في الرواية تجلت من خلال النظر إلى شخصية البطلة من أكثر من زاوية، وإبراز ثنائية(الظاهر/ الباطن) في سلوكياتها.

_ ارتكز الكاتب على خصوصية التشكيل الكولاجي_ في جمع عناصر فنية وتكنولوجية مختلفة_ من أجل تحقيق الاتزان بين واقعية الحكي وبين الخيال أولًا، ومن أجل إثارة ذهن المتلقي وتوريطه في الحكاية ككل عبر الحكايات الفرعية والشخصيات الثانوية ثانيًا.

_ الخطاب الفكري الذي يُمرره لنا الكاتب بحاجة إلى تأمل من أجل هدم الحاجز الوهمي بين الحكاية وبين كتابتها أولًا، ومن أجل تأسيس علاقة بين المتلقي وما يتم حكيه في شكل تشظيات مشهدية تبدو فيها الأحداث الواقعية غير مألوفة ثانيًا.

_ الانتقال المفاجئ ضمن المشهد الواحد_ من خلال الانفعالات_، ومرونة الزمكان أدى إلى بقاء الحكي في منطقة الفرضيات غير المستقرة والتخمين، أدى أيضًا إلى  توظيف المهمشين(الشخصيات الثانوية) لمنح مدلولات تُبرز قيمة الإنسان من ناحية، وكسر أفق التوقعات من خلال تشظي الشخصية الرئيسية وتشظي علاقاتها وانفعالاتها المشوشة من ناحية أخرى.

_ السرد السوداوي اعتمد على آلية المونتاج وترك ذهن المتلقي لإنتاج الدلالة الكُلية التي اعتمد الكاتب فيها على الراوي الذي اتسم بالرؤية المتعالية_ التي تحيط بكل شىء عن الشخصية الرئيسية في الداخل والخارج، في الماضي والمستقبل_ بعين الكاميرا التي تلتقط المشاهد وتتنقل سريعًا بينها، تم ذلك من خلال الترميزات الحلمية الحافلة بالكوادر البصرية، والاعتماد على استرجاع الذكريات من الماضي.

_ تشظيات ذات الشخصية الرئيسية في صورة المرآة هى التي ساهمت في تأسيس المتخيل الروائي، نضيف إليها ما تم من عرقلة شخصية: نادر الطبيب ودلالة اسمه، وتشتيته عن أداء وظيفته من أجل تحفيز المتلقي.

_ الإيقاع الروائي الذي يساهم في إدراك العلاقة الزمنية بين وحدات السرد أدى إلى توليد المعاني الجديدة في ذهن المتلقي من خلال وظيفته الجمالية، ومن خلال وظيفته الدلالية التي ارتكزت على التناوب بين مشاهد ذات مضامين مختلفة، هذا ما نطلق عليه(لذة التشويق الغريزي) الذي أُسس من خلال رصد الحالات الشبقية للبطلة المستلبة – وفي استلابها دلالة أيضًا على تفسخ المجتمع.

_ أيضًا متابعة علاقة: ندى الحميمية مع الطبيب، وعلاقتها الخاصة مع ابنها تم رصدها من خلال التكرار المنتظم  وتوزيعها على فضاء الحكي  ككل تأكيدًا على الإيقاع المتناغم الذي يعكس رؤية الكاتب في بناء الرواية.

_ ذِكر الأحداث السياسية وفساد المجتمع اعتمد عليه الكاتب ليؤكد وثوقية الأحداث أولًا، ويؤكد ارتباط الأدب بالحياة الواقعية ثانيًا، تم ذلك من خلال ارتباط الوقفات السردية بالمشاهد الوصفية التي تلخصت وظيفتها في الإخبار.

_ ارتبط المكان في هذا التشكيل الكولاجي بالوقفات السردية، وتناول الكاتب ما تُثيره الأماكن في نفس الشخصية الرئيسية وهو الأمر الذي أكسب الأماكن مدلولاتها النفسية والاجتماعية؛ فنجد أن مفردات المكان امتزجت بالطابع النفسي للشخصية، أيضًا ارتبط الوصف التصنيفي للمكان في صورته الحقيقة بالأحداث الاجتماعية والسياسية

_ اللغة كأداة للأدب تلونت في التشكيل الكولاجي من خلال لغة الاستبطان القائمة على المونولوجات الذهنية والمناجاة ولغة الديالوجات الممتدة المحملة بمفردات تم استرجاعها من الذاكرة وما تحمل من ثقافة المجتمع، مع ملاحظة أن البعد الدِلالي للغة ارتكز على وصف المشاهد الحسية، والبعد الجمالي ارتكز على  تعدد المستويات اللغوية التي جمعت بين أسلوب الطبيب الملتزم بخطة علاجية، وأسلوب الشخصية الرئيسية الذي امتزج بالعاطفية

_ التجريب في الرواية يدل على تكسير الأنماط السائدة، لا يعني هذا أنها ـ أى الرواية ـ خرجت عن المألوف بشكل مجاني؛ لأن صياغتها تمت وفق السياق الثقافي للحكاية كنص مكتوب والمجتمع كنص كبير متفسخ استدعى طرح التساؤلات والقفز على الثوابت المطلقة.

…………………

الهوامش:

1_ على الوردي(1994)، “الأحلام بين العلم والعقيدة”، ط2، دار كوفان، لندن

2_ علي كمال(1989)، “أبواب العقل الموصدة(باب النوم وباب الأحلام)، دار الجيل، بيروت، لبنان

ناقدة مصرية حاصلة على درجة الدكتوراه في الآداب تخصص علم نفس، نالت جائزة أحمد فؤاد نجم فئة الدراسات النقدية. من…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع