د. شهيرة لاشين
في زمنٍ يميل إلى اختزال الأصوات في صوت واحد، وإلى تقديم الحقيقة من منبر واحد، بلغة متشابهة ونبرة لا تترك مساحة للاختلاف، تبرز رواية صلاة القلق، الفائزة بـ جائزة البوكر العربية لعام 2025، للروائي المصري محمد سمير ندا، بوصفها كتابة تقترب من منطقة دقيقة يعيش فيها الإنسان تحت تأثير خوفٍ يعيد تشكيل سلوكه، ووعيٍ يتآكل مع تراكم الجهل المقصود للسيطرة عليه.
ما يميّز هذه الرواية أنها تطرح بلغة شعرية مكثفة، أسئلة عن الحرب والخرافة والتاريخ، وفي الوقت نفسه لا تقدم حقيقة جاهزة، ولا تضع أمام القارئ تفسيرًا واحدًا مكتملًا؛ إنها تفتح المجال لرؤى متعددة واحتمالات متباينة للحقيقة. ومع هذا التعدد ينحسر حضور الراوي العليم، وتتقدم أصوات متعددة تشاركه الحكي، لكل صوت تجربته وحدود معرفته وقلقه الخاص، فيتشكّل بذلك المعنى من تفاعل هذه الذوات وتقاطعاتها.
في ظل هذه التعددية وهذا المناخ السردي تتحرك الرواية لتتأمل أثر اعتياد الإنسان على السمع والطاعة حتى يصبح سلوكًا يوميًّا راسخًا، يعيد تنظيم تفاصيل الحياة، ويعيد رسم حدود الممكن والمسموح داخل الوعي الفردي والجماعي.
لو نظرنا إلى الموضوع المركزي في الرواية وهو «القلق»، لوجدنا أنه قد تم طرحه كأثرٍ يظهر عندما يشعر الإنسان أنه منفصل عن عالمه، أو فاقد للانسجام معه، بسبب الضغوط الاجتماعية والدينية والسياسية المحيطة به. هذا الانفصال يولّد شعورًا داخليًا بالاضطراب والخوف وعدم الاستقرار.
ولكي يجعل الكاتب هذا القلق شيئًا يمكن تخيّله ورؤيته، لم يقدمه بوصفه شعورًا نفسيًا مجردًا، وإنما حوّله إلى صورة رمزية؛ وباء غريب يصيب أهل القرية فيجعلهم يتحولون إلى سلاحف برؤوس صلعاء. ومن خلال قرية معزولة تُقدَّم نموذجًا مصغرًا لمجتمع مأزوم، يعود السرد إلى لحظة النكسة وما تلاها من تصورات عن السيادة وشعارات أخذت تفقد صلتها بالتجربة المعيشة، لتضع شخصياتها في مساحة ملتبسة تتجاور فيها الحقيقة مع الوهم، ويتقاطع فيها التاريخي بالأسطوري داخل وعي جمعي تُحكم السيطرة عليه ويُوجَّه وفق إرادة صاحب القرار.
إذا كانوا قد تحولوا إلى سلاحف برؤوس صلعاء مع احتفاظهم بالأجساد البشرية، ومن دون صدفة تحمي ظهورهم، فنحن أمام صورة أكثر قسوة وتعقيدًا من مجرد رمز للانسحاب.
السؤال هنا ينبثق من داخل الرمز ذاته الذي استخدمته الرواية، لماذا السلاحف تحديدًا دون غيرها من الكائنات؟ ولماذا يتحول الناس إلى سلاحف برؤوس صلعاء مع احتفاظهم بهيئتهم البشرية؟ فاختيار الرمز في الأدب نادرًا ما يكون اعتباطيًا، وغالبًا ما يحمل دلالة تتجاوز مظهره الخارجي.
ترتبط السلحفاة في الوعي الثقافي بحركة الانكماش والاحتماء داخل صدفتها عند الشعور بالخطر. وفي مفارقة لافتة، تمنح الرواية البشر طبيعة السلحفاة وسلوكها الدفاعي من دون صدفتها الواقية، فيتحول الرمز من مجرد تشبيه سلوكي إلى صورة تمس بنية الوعي ذاته. غياب الصدفة يوحي بأن الكاتب استبدلها بطريقة حماية أخرى؛ فالسلاحف تحتمي بدرع صلب يلتف حول أجسادها، بينما يقيم البشر داخل صدفة غير مرئية ينسجها الخوف. إنها طبقة نفسية تحيط بالإنسان وتدفعه إلى الانكماش والانسحاب، فيتحول القلق إلى آلية دفاع يومية ترافق حياته، مع هشاشة هذه الحماية وغياب الاطمئنان الذي تمنحه الصدفة الصلبة.
-2-
تندرج الحكاية ضمن ما يُعرف بالفانتازيا أو الواقعية السحرية، مع الإشارة إلى أن المصطلحين ليسا مترادفين؛ فالفانتازيا تفتح المجال لعالم يحكمه الخيال المطلق، تتحرّر فيه القوانين من قيود الواقع، ويُطرح التحول بوصفه انتقالًا إلى مستوى مغاير من الوجود تحكمه شروط مختلفة، ويُستقبل باعتباره خروجًا صريحًا عن المألوف. أما الواقعية السحرية فتمزج الغرائبي بالواقعي في تفاصيل الحياة اليومية، ويُروى الحدث العجيب بنبرة هادئة تجعل الغرائبي جزءًا طبيعيًا من السياق العام، فيصبح أداة لفهم الواقع وتعميق دلالته، ويُجسّد التحوّل الجسدي حالة داخلية يعيشها المجتمع بأسره.
ومع ذلك، فإن تحديد الأفق الذي تتحرك فيه الحكاية يقتضي النظر إلى دلالتها داخل البناء السردي وآلية إدراجها في العالم الروائي؛ أي الكيفية التي يتكون بها معناها من موقعها في النسيج الحكائي وصلتها بمنطق العالم الذي تنسجه الرواية. بهذا المعنى، تنتمي الرواية إلى أفق الواقعية السحرية؛ إذ يتحرك الحدث العجائبي داخل زمن تاريخي محدد وسياق اجتماعي واضح، ويتصل بأثر ما بعد النكسة في الوعي الجمعي، ويتشكل داخل فضاء ريفي مضبوط اجتماعيًا وسياسيًا، بما يجعل الغرائبي متصلًا بالبنية الواقعية للنص. ويؤدي الحدث العجائبي وظيفة رمزية تتجاوز حدود الإدهاش، فيعبّر عن الانكماش والخوف الذي يسيطر على الجماعة، ويجسّد القلق في تجربة حسية قابلة للتخيّل عبر تمثيله الجسدي.
بالانتقال إلى نقطة أخرى مهمة، فإن من أكثر ما يشدّ القارئ إلى أي عمل روائي بدايته وجملته الأولى. وقد أحسن الكاتب اختيار مدخل يرسخ منذ اللحظة الأولى، طبيعة العالم الذي نحن بصدد دخوله، حين يفتتح الرواية بالجملة الصادمة: «استيقظ الشيخ أيوب المنسيّ صباح اليوم، فلم يجد رأسه بين كتفيه» ليكمل بعدها: «نال منه الوباء، فحوّل رأسه كتلةً عظمية جرداء خلَتْ من الشعر، وبدَتْ أقرب إلى هيئة الحصى منها إلى رؤوس البشر، بينما احتفظ جسده الطاعن بقوامٍ بشري يحاكي في خموله السلاحف، من دون أن يمتلك درقة الوقاية».
بهذه البداية يضعنا السرد مباشرة أمام واقعة تخلخل منطق الاعتياد، تُروى بنبرة هادئة ومقتصدة، تخلو من التفسير والانفعال، وتؤسس منذ السطر الأول لعالم تتجاور فيه المفارقة والرمز، ويتقدم فيه الحدث الغرائبي بوصفه جزءًا من نسيج الحياة اليومية.
لا يسعى السرد هنا إلى تبرير ما حدث أو تأطيره منطقيًا، فيتجه التركيز إلى أثر الحدث داخل الوعي أكثر من البحث في أسبابه. ومن هذا المنطلق، يستخدم الكاتب الوباء لتوضيح كيف يتحول القلق الفردي إلى تجربة جماعية، وكيف يسيطر على وعي القرية ويعيد تشكيله، ليصبح خوفهم جزءًا من حياتهم وثقافتهم اليومية. وهكذا تتشكل فجوة في بنية الواقع نفسه، يتسلل منها القلق بهدوء إلى القارئ، فيعيش التجربة وكأنها جزء من العالم الواقعي، دون أن يشعر بغرابة أو أي شيء غير طبيعي.
هذا المدخل يستدعي مفتتحات روائية عالمية أسرت القراء منذ جملتها الأولى؛ وفي مقدمتها رواية المسخ لـ فرانز كافكا، التي تبدأ بمشهد سريالي خاطف يُلقى فيه الحدث الغريب بلا تمهيد، ويُعرض ببرودة تربك المتلقي: «استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلامٍ مزعجة، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرةٍ هائلة الحجم».
في الحالتين يُقدَّم التحول بوصفه معطى قائمًا، ويُترك القارئ أمام واقع تبدّل فجأة من غير إشعار، فينشأ التوتر من طريقة السرد أكثر مما ينشأ من غرابة الحدث ذاته. ويتقاطع هذا الأسلوب كذلك مع افتتاح الغريب لـ ألبير كامو بجملته المقتضبة المربكة: «اليوم ماتت أمي. أو ربما أمس، لا أدري».
كما تتجاوب معه بداية مئة عام من العزلة لـ جابرييل جارسيا ماركيز، حيث يمتزج الزمن الملتبس بالحدث الاستثنائي: «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكّر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه أبوه للتعرف على الجليد».
في هذه الافتتاحيات جميعًا يتقدّم الحدث بوصفه نقطة ارتكاز يُعاد من خلالها تشكيل إدراك القارئ للعالم. واستدعاء هذه البدايات يتجاوز حدود المقارنة الشكلية؛ إذ يضع صلاة القلق داخل أفق سردي واسع، يصبح فيه الحدث الغريب منطلقًا لزعزعة اليقين وكشف هشاشة العالم الذي تقوم عليه الفكرة الروائية. ومن خلال هذا البناء المتخيَّل المتماسك، والشخصيات المصوغة بعناية، تنفتح الرواية على تخوم تيارات كبرى في السرد الحديث؛ من العبث الوجودي عند كافكا، إلى الحس الأخلاقي القلق عند كامو، وصولًا إلى الواقعية السحرية عند ماركيز، حيث يتجاور اليومي والاستثنائي داخل نسيج واحد، ويستحيل الحدث العابر إلى سؤال مفتوح عن معنى الوجود وحدود اليقين.
-3-
تدور أحداث الرواية عام 1977 في قرية نائية تُدعى «نجع المناسي» في صعيد مصر، قرية لا تذكرها الخرائط الرسمية، وتبدو معزولة تمامًا عن محيطها، محاطة بألغام تمنع أهلها من المغادرة. يعيش السكان داخل حدود قسرية، ومعرفة محدودة بالعالم الخارجي، كأنهم خارج الإطار الزمني والسياسي للدولة. لا تصلهم سوى أخبار متقطعة عن حرب مستمرة منذ النكسة، تنتقل عبر صحيفة محلية تُدعى «صوت الحرب»، يطبعها خليل الخوجة في صفحة واحدة باللونين الأحمر والأسود، والتي تمثل مصدرهم الوحيد للمعلومات عن العالم الخارجي.
ومع استمرار بث الأغاني الوطنية لـ عبد الحليم حافظ عبر الراديو، يترسخ لديهم اعتقاد بانتصار ما قد تحقق. على هذا الأساس تُبنى سرديات الحياة والموت، وتتأثر تصرفاتهم ومخاوفهم وقراراتهم بما يُتداول من أخبار عن العالم الخارجي أكثر مما تتأثر بالحقائق الفعلية، إذ تُخفى هذه الحقائق عنهم عمدًا. هكذا يتشكّل وعيهم السياسي في ظل هذا التشويش، ومع الأمية المتفشية في النجع يتعاظم لديهم الوهم والخوف، خاصة مع اقتناعهم بأن قريتهم تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة العدو الإسرائيلي.
هذا كان تعاملهم ورؤيتهم للعالم الخارجي، وأما مواجهتهم للوباء فكانت امتدادًا لنمط حياتهم المعتاد، الذي يبدأ دائمًا بتخوف وخوف شديد من أي أمر جديد، ثم يصل إلى قبول وتسليم بعد التعود عليه. يتجلى ذلك منذ سقوط الجسم الغريب من السماء، الذي ظنوه نيزكًا أو قمرًا صناعيًا، ربما كان القمر الصناعي الذي أطلقه الرئيس جمال عبدالناصر وسقط في تجربته الأولى، وتسبب بعد أيام في وباء شوه أجسادهم.
في البداية عمّ الذعر والقلق القاتل بينهم، لكن بما أنهم اعتادوا الرضى والتسليم، تعايشوا مع هذه الحالة فيما بعد بانقياد وخضوع كاملين: «وشيئًا فشيئًا، بدَا على الناس ارتضاء العيش برؤوس السلاحف. فأصبح أقل ضوءٍ يزعجهم، وأبسط صوتٍ يوترهم. لقد أخذوا من السلاحف مظهرها، وخمولها، لكنهم لم يحظوا بما تحظى به من حماية وخصوصية. وبمرور الوقت، عاث في عقولهم وباء القلق».
لم يكن الوباء الذي اجتاح النجع السبب الوحيد في تكاثر خوفهم وكثرة الفقد الذي طال أبنائهم، كان هناك وباء آخر، أخطر وأكثر خفاءً، وهو العزلة المفروضة عليهم، التي دفعت الشباب إلى الهروب عبر التطوع للمشاركة في الحرب فور بلوغ سن القتال، المحدد بستة عشرة عامًا، رغم أن الجميع أدرك أن من يغادر لا يعود. وكأن الغياب قدر محتوم، يتقبله الناس كما يتقبلون كل ما يفرض عليهم.
ثم بدا في الأفق ما يزيد المشهد غموضًا؛ كلمات تُخطّ باللون الأسود على جدران البيوت وحتى على جدران المسجد، عبارات وعيد وتهديد وتنبؤات قاتمة، لا يجرؤ أحد على التلفظ بها، ولا يُعرف كاتبها أو زمن ظهورها، لكنها تكشف عن كراهية دفينة، وتفضح ما يُراد له أن يبقى مستورًا داخل كل بيت. وفي قلب هذا الارتباك الجماعي ينتصب تمثال بلا رأس أمام دكان خليل الخوجة، يربطه البعض بصورة عبد الناصر التي ما تزال معلقة على الأعمدة، تبتسم في الفراغ وتطل على النجع من علوّ بعيد. وفي همس لم يجرؤ أحد على الجهر به، نُسبت إليه تلك الكتابات مع أن جسده الحجري ذاته كُتبت عليه عبارات مشابهة.
تعاظم القلق في النجع، مع أن أكثر أهله لا يقرأون، غير أن القلة المتعلمة منهم تصدت لمحاولة فك ما يُكتب وتأويل ما يجري. في هذا المناخ يبرز الشيخ أيوب، إمام المسجد، العارف بأمور الدين والدنيا، وابن الولي جعفر الذي حُكي أنه عاد من الموت بعد دفنه. يبتدع أيوب «صلاة القلق» طلبًا للتكفير ورفع البلاء؛ صلاة جهرية يغمرها التضرع، قوامها سجدتان بلا ركوع، تبدأ جلوسًا وتختم جلوسًا.
يمثل الشيخ أيوب السلطة الدينية وكيف يمكن أن تُستخدم لتبرير الأزمات، هذا الشيخ يُحيل إلى المؤسسات الدينية التقليدية التي تواصل الطقوس والعبادات بلا إدراك للتحولات العميقة التي يعيشها المجتمع، وبذلك فأيوب ليس مصدرًا للحل، وإنما هو جزء أصيل من الأزمة: «هو كاتم الصوت الذي دأب على امتصاص التذمّر في مهده، وهو وحده من صبغ الحرب الضروس بإطارٍ ديني يروض آذان المتسائلين بعبارات عن القداسة والجنة ونصر الله القريب. هو من يربط على قلوب الملتاعين الباحثين عن مصائر أبنائهم، ما بين مُجنَّد لم يعد في إجازة منذ سنوات، ومُتطوع انقطعت أخباره ولم تنقطع الأظرف المالية التي يرسلها إلى ذويه. هو الساتر الحقيقي أمام الغاضبين، وهو حامي الدولة ومُشرّع الحرب».
وإن كان الشيخ أيوب يمثل السلطة الدينية، فإن خليل الخوجة يمثل السلطة السياسية في النجع؛ رجل غامض لا يُعرف له ماضٍ محدد، ظهر فجأة كأنه خرج من جوف النسيان أو من هامش التاريخ.
هذا الرجل العارف بشؤون الحرب يمتلك محلًا تجاريًا يوفر فيه كل ما يحتاجه سكان النجع، ويتجاوز دور التاجر المعتاد، إذ يطبع صحيفة محلية تُدعى «صوت الحرب»، من خلالها يرسم صورة الحرب كما يريد، ويعيّن للأهالي العدو والحليف، ويمنح الأسماء معنى الانتصار أو الهزيمة.
في هذا المقطع من الرواية تتجلى ملامح شخصيته واتساع صلاحياته: «الأغرب من طباعة صحيفة من صفحة واحدة هو إصرار الخوجة على أن يوزعها ولده الأخرس حكيم على كل الدور في النجع، مع علمه بأن الغالبية العظمى من الأهالي لا يعرفون القراءة. لكنه ظل حريصا على أن يُطلع الناس على صور الطائرات والدبابات والصواريخ أولا بأول. تحدثت صفحة صوت الحرب عن سقوط النيزك قرب نجع المناسي، وعادت ووصفته بالشهاب. لكن خبراء علوم الفضاء والقادة العسكريين الذين صرحوا للصحيفة، اتفقوا على وجوب التعامل مع الأمر كأن لم يكن، فالوطن في حالة حرب لا تهدأ طبولها منذ عشر سنوات، وليس من مصلحة الوطن أن تنشر الأكاذيب. سعد الناس بذكر اسم نجع المناسي في جريدة الدولة، لكن سعادتهم سرعان ما تلاشت».
يتجسد في هذا المقطع رمزية السلطة السياسية بوصفها سلطة صورة وخطاب أكثر من كونها سلطة معرفة. إصرار الخوجة على توزيع صحيفة على مجتمع يغلب عليه الجهل بالقراءة يبيّن أن فعل النشر يسعى لإقامة طقس حضور الدولة في كل بيت، ولو عبر ورقة لا تُقرأ. اختيار الابن الأخرس «حكيم» موزّعًا للصحيفة يضاعف الدلالة؛ فالصوت الذي يحمل «صوت الحرب» يصبح صوتًا معطوبًا، أو رسولًا بلا لسان، حيث تحل الصورة محل اللغة. كما أن التركيز على صور الطائرات والدبابات والصواريخ يمنح الحرب بعدًا بصريًا احتفاليًا، والتذبذب بين «النيزك» و«الشهاب» يكشف اضطراب الحقيقة داخل الخطاب الرسمي.
حضور «خبراء علوم الفضاء» و«القادة العسكريين» ضمن صحيفة من صفحة واحدة يضفي على الخطاب شرعية شكلية تُستدعى لتبرير المحو، والتعامل مع الحدث كما لو لم يحدث، بحجة أن الوطن في حالة حرب مستمرة. وفي الوقت نفسه سعادة الأهالي بذكر اسم نجع المناسي في «جريدة الدولة» تكشف عطش الهامش للاعتراف الرمزي؛ مجرد ورود الاسم يمنح شعورًا بالاندراج في الخريطة الوطنية، وتخبو هذه السعادة سريعًا لأن الاعتراف لا يحمل مضمونًا حقيقيًا ولا يزيل الغموض الذي أحاط بالحادثة. بذلك يقدم المقطع نقدًا دقيقًا لآلية اشتغال السلطة السياسية في فضاء معزول؛ سلطة تنتج خطابًا مغلقًا، تصنع الحدث وتلغيه في اللحظة ذاتها، وتمنح الهامش وهم المشاركة بينما تحتكر تعريف الحقيقة وحدود تداولها.
يتحكم الخوجة كذلك في حركة البيع والشراء، ويشرف على تجنيد الشباب للقتال، مما يجعله في موقع مركزي يربط بين الاقتصاد والدعاية والسلطة. إنه لا يكتفي بإدارة النجع، لكنه يُعيد تشكيل وعي سكانه على صورته، ويُحكم قبضته على سردية الواقع التي يتلقونها ويعيشون وفقًا لها، حتى أنه بعد موت الزعيم جمال عبد الناصر أخفى الخبر عن الجميع، وصنع له تمثالًا ليصبح زعيمًا خالدًا، أضفى عليه ثوب القداسة فآمن الناس بذلك «حتى اقتنع الصنم ذاته بقداسته، فشرع يتجول بين رعيته ويعيث في رعيته رعبا ومجونًا».
إلا أنَّ الحكاية، قبل أن تقترب من نهايتها بقليل، شهدت لحظة اندفاع مفاجئة؛ فقد تجرّأ الناس أخيرًا على كسر الأسطورة التي تمثلت في التمثال، فصنعوا له جنازة: «وقرابة عشرين نفرًا ينقضّون بغتة صوب التمثال، يرفعونه عن الأرض بمشقة، ثم يلتحق بهم آخرون فيحملونه فوق أكتافهم كما تُحمل النعوش. يهرول الناس به صوب الترعة وقد مسّهم مسّ الجنون، يتحدثون عن إغراقه فيها والتخلّص من سطوته وأسطورته».
يتجاوز المشهد فعل التدمير ذاته ليكشف لحظة إعادة تشكيل عميقة في وعي الجماعة، فالناس الذين عاشوا طويلًا تحت ثقل الرمز المهيب يكتشفون فجأة هشاشته، وتتحوّل جنازة التمثال إلى تمرد على السلطة والأسطورة التي جسّدها، في حركة نفسية تنتقل بالجماعة من موقع الخضوع إلى موقع الفعل. لحظة الجرأة الأولى تكسر الحاجز الذي صنعه الخوف عبر الزمن، فتتحرك الأجساد مدفوعة بطاقة جماعية لم تكن ممكنة من قبل.
رفع التمثال على الأكتاف بالطريقة التي تُحمل بها النعوش يضفي على المشهد طابعًا طقوسيًا، طقسًا يصوغ قداسة مقلوبة؛ إذ يتداخل الغضب الجماعي مع رغبة عارمة في التحرر، مع بقاء أثر خافت من التبجيل للرئيس المغضوب عليه. وفي هذا التوتر بين الغضب والوقار يكتسب الفعل دلالته الرمزية، بمعنى أن إغراق التمثال يعبّر عن تحول في وعي الناس؛ فقد توقفوا عن رؤية الرمز كشيء مقدس يخيفهم، وبدأوا يرونه شيئًا بشريًا يمكن التعامل معه وتغييره أو إزالته.
-4-
إلى جانب الشخصيات المحورية، تنسج الرواية عالمها عبر طيف واسع من الشخصيات الثانوية مثل نوح النحال، ومحروس الدباغ، ووداد الداية، وشواهي الغجرية، وعاكف الكلاف، وزكريا النساج، ومحجوب النجار، والولي جعفر. هذه الشخصيات، التي تنتمي اجتماعيًا إلى الهامش، تمنحها الرواية مساحة للحضور والتعبير، وتجعل من تفاصيل حياتها اليومية مادة للكشف عن بنية المجتمع وتحولاته.
تتجاور داخل هذه الشخصيات أنماط مختلفة من الوعي؛ وعي مشبع بالخرافة والأسطورة، ووعي آخر يحاول الاقتراب من فهم ما يجري حوله، وبينهما مساحات واسعة من التردد والالتباس. ولهذا تبدو الشخصيات في حالة صراع داخلي دائم بين الوهم والمعرفة، وبين الاستسلام للواقع والرغبة في تجاوزه. ومع متابعة مساراتهم الفردية ينجذب القارئ تدريجيًا إلى عالمهم الإنساني؛ فيتتبع حكاياتهم، ويتورط عاطفيًا في مصائرهم، ويجد نفسه أحيانًا يلتمس لهم الأعذار، لأن ما يعيشونه من قهر أو حيرة يحمل شيئًا من التجربة الإنسانية المشتركة.
على مستوى البناء السردي، تقوم الرواية على تعدد الأصوات، حيث تتناوب الشخصيات على رواية الوقائع من زوايا مختلفة، فيتشكل الحدث عبر سلسلة من الرؤى الجزئية التي لا تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة. وإلى جانب هذه الأصوات يظهر صوت الراوي العليم ممثلًا في شخصية حكيم ابن الخوجة، المقطوع لسانه؛ وهي مفارقة دالة، إذ يجتمع في هذه الشخصية العجز الجسدي عن الكلام مع قدرة سردية على الإحاطة بما يجري، ما يضفي بعدًا سرديًا فريدًا على النص.
وفي هذا الإطار، تعتمد الرواية على «الجلسات» النفسية، التي يقوم فيها حكيم باستدعاء شخصية بعينها ويمنحها صوتها الخاص لتروي تجربتها كما تراها هي، تاركًا لها حرية تشكيل الحكاية واستحضار ما تشاء من الوقائع والتفاصيل، بينما يبقى حضوره موجّهًا بخفة، يتدخل أحيانًا لإضاءة نقاط خفية أو كشف خفايا دون أن يفرض سردًا محددًا أو يتحكم في ما ترغب الشخصية في قوله.
ويتم تمهيد كل جلسة بمقطع من إحدى الأغاني الوطنية للمطرب المصري عبد الحليم حافظ، الممتدة عبر سنوات الحكم الناصري وما تلاها، فتتداخل اللحظة التاريخية العامة مع السرد الروائي، وتصبح الأغنية علامة زمنية وثقافية تستدعي مناخ المرحلة السياسية، مما يعمّق إحساس القارئ بتداخل الزمن الشخصي مع الزمن التاريخي داخل الرواية.
يتحدث في هذه الجلسات ثمانية أشخاص، يتناوبون السرد بضمير المتكلم، كل منهم يروي من موقعه ومهنته، وهي مهن تنتمي إلى نسيج الحياة في المجتمعات المعزولة. ومن خلال هذا الحضور الكثيف تتشكل صورة بانورامية لنجع كامل، حيث يصبح كل فرد حاملًا لتجربة خاصة تعكس في الوقت ذاته توترًا اجتماعيًا أوسع، يتأرجح بين الخضوع لقوة السلطة والبحث عن مساحات صغيرة للمقاومة أو النجاة.
نجد أن السرد فجأة يكسر نمطه بعد الجلسة الخامسة، ويبدأ الراوي في تقديم مشاهد من الخارج، ورصد ما يفعله هؤلاء حين لا يتكلمون. ثم تعود الكلمة إلى شواهي، الراقصة الغجرية، لتروي بضمير المتكلم، قبل أن ينقطع السرد مرة أخرى بمقطع مباشر عن «مناسك صلاة القلق». يعود السرد لاحقًا مع زكريا النساج، ثم ينتقل إلى جعفر الولي، ويُخيَّل إلى القارئ في لحظة ما أن التعدد السردي قد بلغ منتهاه، غير أن الرواية تُحدث قطيعة سردية مباغتة تكشف عن كاتبها الحقيقي، وذلك في فصل ما قبل النهاية المعنون بـ «هوامش كاتب الجلسات».
هذا الانكشاف لا يكتفي بإعادة تأطير الأحداث من زاوية جديدة، لكنه يعيد توجيه قراءة القارئ بأثر رجعي، ويُبرز تدخل الراوي كسلطة خفية ظلت تدير خيوط السرد طوال الوقت، متنقلًا بمهارة بين الشخصيات ومواقفها، بما يشكّل تعليقًا على فعل الكتابة ذاته.
كأن الكاتب، بهذا التنوع في السرد وتعدد الأصوات، أراد أن يمنح الراوي العليم الذي عاش بلا صوت؛ ألسنةً عديدة، وأصواتًا لم تستطع الحروب ولا الخوف ولا القلق إسكاتها. لقد تمرد بذلك على زمن الصوت الواحد، والنبرة الواحدة، والنشيد الواحد، والصحيفة الواحدة.
بالنهاية نستطيع أن نقول أن رواية صلاة القلق تفتح أفقًا مختلفًا لفهم السرد بوصفه مقاومة، مقاومة للطمس، للتاريخ الرسمي، للمقدسات المفروضة، وللرؤية الواحدة للعالم. إن تعدد الأصوات في هذا النص هي موقف وجودي وأخلاقي، تتجسد فيه الرغبة في إعادة الاعتبار للمهمَّش والمقموع والمسكوت عنه.
صلاة القلق هي رواية عن الإنسان حين يُجبر على أن يصدق كل ما يُقال له، لأنه لا يملك وسيلة للسؤال، ولا طريقًا للهروب، ولا يقينًا إلا في قلقه.
…………………………………….
*رواية “صلاة القلق” للكاتب محمد سمير ندا، الصادرة عن منشورات ميسكلياني، تونس، 2024م.


















