بولص آدم
” قد تكتبني في كتب التاريخ
بأكاذيبك المرة والمشوهة،
قد تدوسني في التراب ذاته
لكنّي، مثل الغبار، سأرتفع.”
– مايا أنجيلو، لا زلت أرتفع (Still I Rise)
الشاعرة زهرة يسري تمثل صوتًا شعريًا جريئًا يقتحم أعماق النفس، ويحوّل التفاصيل اليومية العادية إلى فضاءات داخلية مكثفة، حيث تتشابك الرغبة بالانضباط في صراع داخلي مستمر. في نصها محنة المنحنى، تأخذنا الشاعرة في رحلة بعد الثلاثين، حيث يتقاطع الانضباط الاجتماعي مع الغريزة الداخلية، وتتداخل الرغبات الفردية مع توقعات المجتمع ضمن منظومة دقيقة من القوالب والصور الرمزية. النص لا يقدم سردًا يوميًا مألوفًا، إلا لكي يفتح نافذة واسعة لفهم التحولات النفسية والوجودية، عبر لغة مألوفة مشحونة بإيحاءات دقيقة تجعل كل تفصيلة تحمل شحنة عاطفية وفكرية عالية.
المقطع الافتتاحي للنص، الذي يبدو صادمًا للوهلة الأولى، يضع القارئ مباشرة عند نقطة الانعطاف الأولى:
“بعد الثلاثين
تؤمن بالقضاء والقدر
تربى كلباً يعرف ما تريده من عينيك
يجرى أمامك فاتحاً ساقيه
بينما تتشاغل عنه بتأمل الناس
يتشمم مؤخرة كلبة قائلا لها: انتظريني عند المنحنى
قافزا بين ساقي امرأة
تاركا لعابه بين وركيها”
العبارة “بعد الثلاثين تؤمن بالقضاء والقدر” تمهّد لمرحلة من القبول الرمزي، استسلام خفي لتقلبات الحياة والوقت، كأن الذات تبحث عن مبرر داخلي لما يصيبها. شكل من أشكال الرضا الجزئي الذي يغطي صراعًا داخليًا مستترًا.
تدخل صورة الكلب كرمز للغريزة والرغبة المكبوتة، “تربى كلباً يعرف ما تريده من عينيك”، لتوضح كيف يتم ضبط هذه الرغبة، لكنها تظل يقظة، تتجاوب مع الإشارات الصامتة، وتحمل في صمتها طاقة كامنة تنتظر الانفلات. اندفاع الكلب، وانشغاله بالكلبة الأخرى، وعبارة “انتظريني عند المنحنى”، تحوّل المنحنى إلى موعد محتمل للقاء الرغبة بالقيود المفروضة. القفز بين ساقي امرأة وترك اللعاب بين وركيها يُقرأ كتلميح.
بعد هذه البداية، يبدأ النص في رسم صورة “بعد الثلاثين”، حيث يزداد الضغط الاجتماعي، ويبدأ الجسم والنفس في التكيف مع القوالب المفروضة. بعد الثلاثين، يمنح المجتمع الفرد قالبًا يبدو متماسكًا ومحترمًا، لكنه يخفي في داخله ضيقًا وخوفًا وفراغًا. زهرة يسري تعرض هذا التحول بدقة متناهية، لتبين أن الفرد يُطلب منه أن يصبح نسخة اجتماعية مطابقة، بينما ما يزال داخله هشًا، مرتبكًا، راغبًا في مساحة حرة للتنفس خارج القيود.
فكرة “الكاتالوج” هي محور أساسي للنص، حيث تُرتّب الحياة كما تُرتّب البنود في دليل إرشادي: الزواج، الأطفال، اللغة المنضبطة، الصورة الاجتماعية الكاملة. تقول الشاعرة:
“تقتنى زوجة فاضلة
وأطفالا تثبت حزام أمانهم في مقعد سيارتك الخلفي”
و” لن تتلفظ بكلمات من نوع السياسة، الحب، الفضيلة”
الكتالوج لا يظهر فقط كترتيب خارجي، بل يتحول إلى بنية ذهنية داخلية تحكم الفرد، وتعيد تشكيل وعيه وسلوكياته. القفص يصبح مرآة للذات، حيث تتحول التوقعات الاجتماعية إلى قيود داخلية يُعيد الفرد إنتاجها يوميًا في حياته.
في صورة الرجل بعد الثلاثين، تتجلى الجرأة التعبيرية في أقصى وضوحها، لكنها ليست صدمة عابرة، بل خلاصة مؤلمة للتحولات النفسية:
“بعد الثلاثين
تصبح صندوق نفايات متحرك
تفرغه كل ليلة بحمام دافئ
وابتلاع المهدئات…”
الجسد يصبح وعاءً لتراكم التعب والالتزامات، والليل مساحة لتفريغ ما تراكم من ضغوط. ويصل النص إلى ذروة التركيز في العبارة:
“ستصبح أنفا
مجرد أنف كبير”
الاختزال إلى عضو واحد يرمز إلى تشيئ الذات، ويظهر حدة التغير النفسي بطريقة مكثفة. كل هذه الصور تعمل كمطرقة نفسية؛ ضربات متتالية تضغط على الداخل بهدوء، وتعيد تشكيل الهوية تدريجيًا، دون ضوضاء أو صخب. الجرأة في النص، أداة كشف حاد، تكشف الخلاصة المؤلمة لصورة الرجل بعد الثلاثين، حيث تتلاقى الرغبة المكبوتة والالتزامات الاجتماعية في مواجهة صامتة للذات.
على الجانب الموازي، تتحرك صورة المرأة بعد الثلاثين عبر التحولات الدقيقة للذات:
“بعد الثلاثين
تصبحين امرأة أخرى
تتخلين عن فراغ حميم
لواحد يدفئ ظهرك
تلحسين وجههم الملطخ ببقايا الطعام…”
يظهر التحول، في إعادة توجيه الطاقة الداخلية نحو الآخرين، في أدوار الرعاية اليومية التي تعيد تعريف الذات. التفاصيل اليومية تحمل ثقلًا نفسيًا كبيرًا، وتوضح كيف يذوب الفرد بهدوء داخل الدور الذي يفرضه الكاتالوج الاجتماعي، بينما تظل رغباته الداخلية تتسلل على هامش الحياة.
تكرار عبارة “بعد الثلاثين” يعيدنا إلى جوهر النص: الزمن ليس مجرد خلفية، بل عامل نشط يشكّل الشخصية ويضغط على الكائن البشري، يعيد إنتاج الصراع بين الرغبة والالتزام، بين الحيوية المكبوتة والانضباط الظاهر.
فعل التحرر في النص الشعري هنا مرير وصامت، لكنه جوهري: إذا بدا المرء عاجزًا أمام واقع الحياة اليومية، فإن النص يصبح مساحة قوة، لحظة تحرر تسمح للذات بالتجلي والإبداع. محنة المنحنى تحوّل القيود والضغوط إلى طاقة شاعرية، فتفتح نافذة على ما هو ممكن داخليًا، حيث تصبح الصور والرغبات المكبوتة متاحة للوعي والتعبير. الصراحة بصراحة هي الصراحة!
تتجلى الجرأة في نص محنة المنحنى كشرط أساسي للإبداع والتعبير عن الذات، وهو ما تتقاطع فيه رؤية زهرة يسري مع أفكار سيمون دي بوفوار وهانا أرندت. فدي بوفوار أكدت أن “لا يمكن للمرأة أن تصبح ذاتها إلا إذا امتلكت القدرة على تجاوز القوالب الاجتماعية التي تحاصر حياتها” (Le Deuxième Sexe، 1949، الجنس الآخر)، في حين شددت هانا أرندت على أن الشجاعة ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل شرط للإبداع والفعل الجريء: “الشجاعة هي فعل الظهور والفعل في العالم رغم المخاطر والقيود” (The Human Condition, 1958، الوجود البشري). في النص، تتحول هذه الجرأة إلى فعل شعري حقيقي، حيث يسمح المنحنى والنص بالتحرر الداخلي، مواجهة القيود الاجتماعية، وإطلاق الرغبات المكبوتة، ولو عبر لحظة ألم وصمت نفسي، لتصبح الذات قادرة على إعادة تشكيل هويتها وفهمها للعالم.
عنوان النص “محنة المنحنى”، يجمع بين الانعطاف النفسي والزمني، حيث يمثل نقطة تحوّل لا تظهر ما بعدها بوضوح. يقول الكلب في النص:
“انتظريني عند المنحنى”
هذا النداء الرمزي يفتح مساحة معلقة، بين الماضي والمستقبل، بين القوالب الاجتماعية والرغبة الحية. المنحنى ليس مجرد شكل، بل حالة نفسية حاسمة، حيث يصبح الانكسار الهادئ للحياة بعد الثلاثين ملموسًا ومرئيًا عبر الصور اليومية والرموز الدقيقة، ويتيح لحظة تحرير مؤلمة لكنها حقيقية للذات الشعرية.
في مجمله، يقدم النص لوحة متكاملة للذات الشعرية بعد الثلاثين، حيث تتشابك الطبقات النفسية مع الضغوط الاجتماعية، ويصبح المنحنى رمزًا للتحولات الداخلية والمطرقة النفسية التي تعيد تشكيل الهوية تدريجيًا، بينما، ثانية.. تتيح الجرأة وفعل التحرر المرير للذات مساحة شعورية للتجلي والإبداع.
اقرأ أيضاً:
محنة المنحنى.. نص جديد لـ زهرة يسري














