د. سيد ضيف الله
“عسل النون” مجموعة قصصية لمحمد رفيع صدرت عام 2015 عن دار روافد ووصلت في 2016 للقائمة الطويلة لجائزة ملتقى القصة القصيرة بالكويت لكنها لم تفز بالجائزة، كتب عنها أكثر من ناقد وذهب بعضهم للحديث عن رؤية نسوية للعالم قدمها رفيع من خلال مجموعته القصصية، وذهب آخرون للحديث عن قصص للمكان واستعارة للميثولوجيا وبلاغة للمقموعين دون تمييز نوعي في المجموعة القصصية ذاتها!
وهذا التعدد في الرؤى والاختلاف في التناول أمر طبيعي ومألوف، تسهم النصوص الأدبية المتميزة في إثرائه، و”عسل النون” أحد هذه النصوص التي تطرح على الناقد أسئلة عديدة؛ لكننا نكتفي هنا بتأمل الكيفية التي يخلق بها رفيع أساطيره الجديدة في نوع أدبي اسمه “القصة القصيرة”!!
ثمة تنافر منطقي بداية حين نحاول الجمع بين معنى الأساطير ومعنى الجدة في تركيب لغوي واحد؛ ذلك أن الأسطورة لا تكون أسطورة إلا عندما تقترن بالماضي الذي يضفي عليها مسحة من الجلال ومسوغات للإيمان بها، وبالتالي أي محاولة لإعادة تفكيك أساطير قديمة والتعديل فيها على أي نحو من الأنحاء هي محاولة لسلب معنى الجلال والتقديس عن الأساطير القديمة ووضعها عارية في مواجهة العقل. لكن من أين أتينا باليقين الذي يجعلنا نضع العقل والأساطير القديمة في مواجهة كأنهما طرفا صراع؟! أليست الأساطير القديمة وقود العقل؟
ومن ثم يصبح السؤال مبررًا عن إمكانية أن تنسج القصة القصيرة أساطير جديدة من وقود العقل القديم الذي نسجت منه الملاحم والنصوص الكبرى أساطيرها القديمة!!
إن الأساطير الجديدة في “عسل النون” نتاج وعي إنساني مسائل للقديم الذي يئن منه في حاضره، فكان التلاعب بالأساطير القديمة والتعديل فيها مقاومة إنسانية لكل ما ينوء به كاهل الإنسان من أساطير تسوِّغ للحزن الإنساني المستديم!
لقد أسس رفيع لأساطيره الجديدة بتقديم مسوغ سردي للاعتقاد في جلالها وذلك بالاشتقاق اللغوي لكلمة حكائيل مازجا بين “الحكاية” وبين الصيغ اللغوية المتوارثة لأسماء الملائكة (جبرائيل- عزرائيل….) ليجعل للحكاية ملاكًا يرويها؛ لكن الاختلاف أو التعديل تكمن في أن الغرض من الحكاية هو إفاقة طفل من الغيبوبة وليس كما هو معتاد في تراث الحكايات سواء كانت حكايات ما قبل النوم للأطفال أو حكايات الإلهاء لشهريار!
“استفقت ولم أنس الحكايا التي أحياني بها الله على لسان حكائيل فقررت أن أساعدكم على الاستفاقة” ص19.
إن حكايات رفيع تخالف الحكايات المتوارثة بإعلانها أنها تنافس الأساطير القديمة على مستوى الغرض المعلن لها؛ وهو الاستفاقة من الغيبوبة بمعناها المجازي والذي تختلف دلالته باختلاف الرؤى! ومن ثم يأتي محتوى الحكاية نفسه ليكون دالاً على أن “عسل النون” بمثابة كتابة اعتذارية تريد أن تمحو عن الأنثى بعض أحزانها وآلامها بقدر ما تكشف عن أن هذا الألم عقاب على المجادلة فكان التطهير الإلهي للأنثى بالألم، وهنا ترتقي الأنثى بقدر ما تتألم، وتتكشف لها الأسرار بقدر ما تتألم لنكون في أساطير رفيع القصصية بصدد علاقات دينية مختلفة عن المألوف في التاريخ الموروث!
“لكن الله في عليائه سمع التي جادلت،فطهرها بالألم،تماما في سن النبوة، أتاها مرض عضال في أحشائها(…)
اعتقد الناس أنها كفرت، لكنها ذهبت إلى بيته هناك، تحممت بمياه زمزم، وحملها زوجها فوق كتف واحدة، فأمسكت بستار الكعبة، وصرخت بكل دموعها “بناتي يارب، بناتي يارب”” ص21.
إن الأنثى نون حاضنة للألم ، ولا عسل للنون في تلك المجموعة القصصية التي تسرب للقارئ رؤية وجودية شديدة الإيلام عن مصير آدم وذريته في حكايات حكائيل؛ ذلك الملاك الذي كان في الأصل حورية من حوريات الجنة.”نحن هباء يا ولدي، ولم نخلق من الأساس، نحن طيفٌ في عين آدم، فابك يا ولدي؛لأن آدم يموت الآن.ابك بكاء الوليد الذي يعرف أن جده يموت، فيستقبل الحياة بالبكاء عليه، فما نحن إلا مسارات حياة جدِّنا الأكبر يسترجعها في لحظته الأخيرة.”ص27.
لقد تم تعديل الحكاية برمتها، فالراوي في أصله حورية صارت ملاكًا، والغرض من الحكاية إفاقة طفل من غيبوبة، والغرض من السرد الاعتذار للأنثى حاضنة الألم تاريخيًا، ولهذا كان من الضروري أن يعيد رفيع كتابة قصة الخلق حين يجلبها لعالم القصة القصيرة باعتبارها من أكثر الأنواع الأدبية استيعابا لمحاولات تأمل أزمات الإنسان الوجودية!
إن الخيال القصصي في “عسل النون” يحاكم شجرة المعرفة/التفاح التي كانت سبب نزول آدم وذريته للأرض، لكنها محاكمة متحررة إلى حد ما من وقود العقل المشبع بالأساطير القديمة، فيجعل رفيع ثمة غواية من إبليس، لكنها غواية للشجرة نفسها وليس لحواء فقط.
“ففي الزمن الغابر، لم يغو إبليس حواء وحدها، بل أغوى الشجرة من قبل، قال لها: لو تنازلتِ عن حبة من تفاحك، لجعلك الله ربة للشجر، فلما أعطت تفاحتها لآدم، أنزلها الله إلى الأرض، فتسيّدت الأشجار..” (ص31).
وتستمر الأسطورة القصصية في السير على الخطى نفسها لقصة الخلق مع اختلاف المغضوب عليه المطرود من الجنة، فالشجر ينزل إلى الأرض ثم يتجبر ويستعبد الحيوانات ويأتي منه الشجر النذير عندما يتوهم الخلود ثم يأتي العقاب الإلهي للشجر بتحول المياه لجليد، لتكون الأرض هي جحيم الأشجار التي تعيش واقفة وتموت واقفة، ويكون بنو آدم من خزنة الأرض/جهنم الأشجار الشهود على عذابها!
إن بناء رفيع لأساطير جديدة في القصة القصيرة كان هدفه الإفاقة من غيبوبة ما قد تكون غيبوبة الجنة أو غيبوبة الجحيم الأرضي، لكن لم يكن مسار رفيع في بنائه لأساطيره القصصية الحكي يستهدف جعل القارئ يثق بالحكايات ثقته بالأساطير القديمة، وإنما كان يستهدف تأكيد نفي حدوث الحكايات بتأكيد أنها حكايات تتأسس على عبارة “لم يكن ما لم يكن” خلافًا لبقية حكايات الأساطير القديمة التي تتأسس على عبارة تعكس الإيمان المطلق بالتاريخ المروى والراوي وهي”كان يا ما كان”.
إن بناء الأساطير الجديدة في “عسل النون” بناء يتوسل بالأحلام وليس بزينة العقل المكتنز بالأساطير القديمة، “يجلس العقل في ظلام الجمجمة، لا تحرره سوى الأحلام، هل رأيت مرة زينة في الظلام؟ هل عرفت اتساع الحزن فيها؟”(ص33)
تلك الزينة التي عند رفيع قرينة التفاهة والبهرجة الخادعة ،لأن العقل عنده مظلم محاصر بجمجمة ولا يمكن أن يتحرر من ظلمته سوى بالأحلام.

















