بولص آدم
يقدّم نص «اسمي ألم العمر» لطارق هاشم تجربة شعرية تقوم على تشييد ذات شعرية واعية بذاتها، تنبع من الداخل وتتشكل عبر اللغة والرمز والصوت الخفي، فتتحول السيرة الفردية إلى فضاء دلالي واسع. الاسم في هذا النص يتحول من علامة تعريف إلى مركز شعوري ضاغط، ومن معطى اجتماعي إلى سؤال وجودي، ومن واقع لغوي إلى مجاز ممتد. يدخل القارئ إلى منطقة التباس الهوية حين يربط الشاعر بين اسمه واسم كتابه، وبين صورته وتوقعات الآخرين:
(حين شاهد الكثيرون / كتابي الجديد سارة مراد / تخيلوا أن اسمي سارة).
يبدأ الانزياح عن الواقع المباشر عبر زحزحة العلاقة بين الاسم والجسد، بين الصورة والهوية، وبين ما يُرى وما يُتخيَّل. الشارب، العينان، الملامح كلها تتحول إلى عناصر مقاومة للتسمية الجاهزة، فتغدو اللغة أداة كشف داخلي وليست وسيلة تقرير:
(فذلك الشارب الذي رافقني لسنوات / يعرف وجهي شارعا شارعا / يعرف الأسماء التي أحببتها).
الملامح تكتسب ذاكرة خاصة، والوجه يصبح أرشيفًا للحياة، في مقابل اسم مفروض يحمل تناقضًا حادًا مع الجسد.
الذات الشعرية تتشكّل عبر صوت داخلي متوتر، يراقب ذاته كما يراقبه الآخرون، ويعيد سرد التجربة بنبرة تجمع السخرية المرّة بالحزن العميق. هذا الصوت يوسّع التجربة الفردية ويحررها من حدود الاعتراف الشخصي، فتتحول الحكاية إلى حالة إنسانية عامة. حين يقول الشاعر:
(سارة مراد لمؤلفه “ألم”)
فهو يعرض مشهدًا اجتماعيًا ساخرًا، تتقاطع فيه الأحكام السطحية مع الجهل العميق بطبيعة الاسم بوصفه قدرًا.
الانزياح يتجسد بوضوح في لحظة إعلان الهوية الشعرية:
(نعم أنا ألم العمر / أسمتني أمي بهذا الاسم / لأنها لم يعش لها ذكور).
الاسم هنا يحمل تاريخًا عائليًا، وجرحًا اجتماعيًا، وذاكرة أنثوية مكسورة، فيتحول إلى عبء وجودي طويل الأمد. الاسم يتحرك داخل النص ككائن حي، يرافق صاحبه في النوم واليقظة، في الطفولة والنضج، فيضحك المجتمع منه بينما ينهش الداخل بصمت.
يتعمق البعد الرمزي عبر استحضار شخصية «مصباح»، التي تتجاوز كونها حكاية صديق طفولة لتغدو مرآة مضاعفة للألم. الاسم مرة أخرى يقود المصير، والفقر يتحول إلى قوة قهرية، والبيت الغارق في الظلمة يصير صورة مكثفة للعالم:
(عاش “مصباح” في بيت تدوسه الظلمة / لأب يدعى علاء الدين / الفقر كان أرزل الضيوف وأكثرهم جرأة).
التناص الضمني مع الأسطورة يخلق مفارقة حادة بين الاسم وما يحمله الواقع، فيتكرس الانزياح كآلية شعرية قادرة على فضح التناقض الاجتماعي والوجودي.
الطفولة في النص فضاء شعوري مفتوح، تتحرك فيه الذاكرة بلا ترتيب زمني صارم، ويظهر الوعي المتأخر بقسوة العالم:
(حين كنا صغارا / لم تكن ضحكاتنا تدرك لؤم العالم).
الضحك يتحول إلى أداة إيذاء غير واعية، والمدرسة إلى مسرح للسخرية، والاسم إلى نكتة جماعية تترك صاحبها في عزلة دامية:
(كنا نضحك / بينما راح يبكي في ركن قصي).
الصوت الداخلي يبلغ ذروة كثافته في المشهد السمعي المرتبط بالآية القرآنية، حيث يتداخل المقدس باليومي، واللغة بالدلالة النفسية:
(أففز مفزوعا من النوم / حين يأتي صوت شيخ المسجد من بعيد / وهو يقرأ “ألم نشرح لك صدرك”).
هنا يتحول اللفظ إلى صدمة، والصوت إلى محفز للذاكرة، فيتضاعف الألم عبر تكرار سمعي يربط الاسم بالقدر.
يختتم النص بصورة مجازية عالية الكثافة:
(أجر حكايتي / كمن يجر ساقية بعشرة أبقار).
الصورة تختصر ثقل التجربة واستمراريتها، وتحول السيرة إلى حمل جماعي، يتجاوز الفرد ليطال كل من علق اسمه في منطقة قاسية من الوجود.
في هذا النص، ينجح طارق هاشم في تشييد ذات شعرية تتجاوز اسمه الحقيقي عبر اختيار أسماء بديلة تعمل بوصفها أقنعة رمزية ومفاتيح دلالية. الانزياح عن الواقع المباشر يسمح للغة بأن تؤدي دورها الجمالي والإنساني، ويمنح الصوت الداخلي مساحة للتأمل والتعرية دون الوقوع في المباشرة. الاسم، الذاكرة، الطفولة، السخرية، والفقر تتداخل جميعها في نسيج شعري واحد، يجعل «اسمي ألم العمر» نصًا مفتوحًا على قراءة إنسانية عميقة، حيث تتحول الحكاية الفردية إلى مرآة لثقل الاسم في حياة البشر، وللقدرة الشعرية على تحويل الألم إلى معنى.
اقرأ أيضاً:















