بولص آدم
الشعر يشبه النهر؛ يمكن رسم مجراه، لكن لا يمكن إلزام مياهه بخط مستقيم. حول هذا النهر تتكاثر النظريات وتتسع المقالات، ويطل بعض الشعراء برؤى شاملة تحدد له وظائف ومسارات، غير أن القصيدة تظل أقدر على مفاجأتهم قبل غيرهم. فالتنظير فعل ذهني يطمح للإحاطة، أما النص فحدث حيّ يتكوّن في لحظة توتر حدسية لا تخضع بالكامل لما خُطَّط له. وقد رأينا ذلك في نصوص عديدة، حيث تبقى المقالات الطويلة والتنظيرات واسعة منفصلة عن التجربة الشعرية الحقيقية. وهذه الظاهرة شائعة في أرجاء العالم، وفي المقابل هناك شعراء حالفهم التوفيق في الجمع بين التنظير والنص، ليصبح القول الشعري والفعل الشعري وجهين متكاملين لتجربة واحدة.
اليوم، أمامنا شاعر تمكن من المزج بين النظرية والفعل الشعري، حيث تتوافق نصوصه مع رؤيته، وتؤكد أن اللغة والشعر تجربة حية ووجودية، فضاء تتشكل فيه الأفكار والمعاني عبر الإيقاع والانزياح والتوتر، وتتحرك الصور أمام القارئ لتصبح مشاركًا في صناعة المعنى. كثير من الشعراء يطلّون علينا بتنظيرات واسعة، ومع ذلك تظل نصوصهم منفصلة عن تلك النظريات ولا تعكسها بشكل ملموس. بالمقابل، حالف التوفيق آخرون، فنحن اليوم مثلاً، أمام شاعر يثبت انسجام نصوصه مع رؤيته النظرية، ويجعل القول الشعري، والفعل الشعري، وجهين لعملة واحدة.
يكتب الشاعر تنظيره في الشعر بعد أن برهن نصه على أفكاره، وأكد أن اللغة والشعر تجربة حية ووجودية حقيقية. هذه القراءة تقوم على ما قرأناه بقلم مروان ياسين الدليمي في مقاله المنشور بصحيفة القدس العربي بتاريخ 17 فبراير 2026 بعنوان “النص الشعري الحديث: اختبار اللغة وتوتر المعنى وحساسية القارئ”، الذي يؤكد قدرة الشعر الحديث على المزج بين التنظير والكتابة الفعلية، بين الفكر واللغة، وبين التجربة الإنسانية والصورة الشعرية، ما يجعل نصوصه نموذجًا للشاعر المعاصر الذي يحقق انسجامًا بين القول والفعل الشعري. بعد أيام قليلة، نُشر نصه “الأمل خيط مشدود حول العنق” على موقع الكتابة بتاريخ 20 فبراير 2026، ليجسّد ما نظّر له، ويثبت أن اللغة في نصه فضاء حيًا للتجربة الوجدانية والفكرية.
في عصر تتقاطع فيه التغيرات الكبرى والرعب والتهديدات مع ضيق الحياة اليومية، أصبح الشعر الحديث مساحة لتجربة الوجود، تتخللها لحظات التوتر والانتظار، وتجسد صراع الإنسان مع الأمل واللا أمل في عالم متغير. المقطع الأساسي:
(الأملُ ليس ضوءًا فقط / إنه خيطٌ مشدودٌ حول العنق / لا يخنقُ بما يكفي / ولا يتركُنا نتنفَّسُ بحرِّيَّة.)
يختصر هذا المقطع جوهر النص الشعري والفلسفي، حيث يحوّل الأمل من مجرد شعور إلى تجربة جسدية ومعيشية ملموسة، ويجعل القارئ يعيش توترًا داخليًا مستمرًا بين القيود والحرية، بين الضغط والرغبة في الاستمرار، وبين انتظار الفرج والفقد. تجربة الأمل هنا تتراوح بين الضغط النفسي والقدرة على التنفس، بين الضيق والانفتاح، بين الخطر والنجاة، لتصبح تجربة حقيقية معاشه تتوافق مع رؤية الدليمي في مقاله بأن النص الشعري الحديث يجب أن يكون مفتوحًا على احتمالات متعددة ويجعل القارئ شريكًا في صناعة المعنى. النص يدعم هذا المقطع بصور دقيقة ومتعددة، مثل وصف الأمل الذي:
(يطرق باب القلب كل مساء / ولا يدخل / تاركًا / أثر كفه على الخشب ثم يمضي.)
يشير هذا الوصف إلى الانتظار المستمر والضغط النفسي، ويجعل القارئ يعيش اللحظة مع النص، وهو تطبيق مباشر لتنظيره حول الشعر الحديث كفضاء للتجربة الحقيقية وحساسية القارئ. تتواصل الصور بهذا المقطع:
(أراه جالسًا عند حافة سريري / يهز ساقيه مثل طفل عنيد / يُحدّق في ساعتي / حتى تتلعثم عقاربها / فتُخطئ العد.)
تمثل هذه الصور إحساس الشاعر بالمراقبة الداخلية للحياة اليومية وبالوقت الذي يتلعثم أمام الأمل المجهول، وهي تحقق تنظيره بأن النص الحديث يجب أن يجعل القارئ شريكًا في التجربة، بحيث تتحرك اللغة وتصبح فضاء حيًا للتوتر والمعنى. تتوسع التجربة في صورة أكثر حسية:
(قصتي / هذه التي ربّيتها بيدي / كما تُربى شجرة ليمون في فناء ضيّق / صارت تسعل في الليل.)
توضح هذه الصورة صعوبة نمو الأمل في ظروف محدودة، وتجعل التجربة شخصية وفلسفية في الوقت نفسه، وتحقق تطبيق تنظيره بأن الشعر الحديث يجب أن يكون تجربة داخلية ومعيشية، لا مجرد رموز جمالية فارغة. تتواصل الصور بتصوير التوتر بين الضوء والظل، بين الضغط والحرية:
(أسمع خشخشة أوراقها / وهي تتوسّل الماء / لكن أصابعي / ممتلئة بالهواء.)
تصور هذه المقتطفات الافتقاد الجزئي للسيطرة على الواقع والحياة، والتفاعل الرمزي بين الأمل والمحيط، وهو ما ينسجم مع تنظيره بأن النص الشعري يجب أن يكون فضاءً للتجربة الحسية والمعرفية تجعل القارئ يعيش النص بكل أبعاده. التحولات في الضوء والظل تعكس الصراع الداخلي:
(أراقبها تموت ببطء / كشمعة / لا يملك صاحبها شجاعة إطفائها.)
(الضوء يبهت / والجدار يقترب / وظلي يطول حتى يلامس السقف / ثم يعود خائبًا إليّ.)
توضح هذه الصور التناقض بين الرغبة في الحرية والانغلاق الداخلي، بين الطموح والقيود الواقعية، وتجعل القارئ يتنفس مع النص ويعيش التوتر النفسي، وهو التطبيق المباشر لما نصّ عليه الدليمي في مقاله عن ضرورة أن يكون الشعر الحديث فضاء للتجربة الوجودية والتوتر الشعوري.
الخيط المشدود حول العنق يمثل الضغط النفسي المستمر، بينما القدرة على التنفس تمنح شعورًا بالمرونة والاستمرار، ما يحوّل الأمل إلى تجربة حسية ومعرفية متكاملة. الصور المختلفة تجعل اللغة فضاءً حيًا للتجربة الوجدانية والفكرية، وتجعل القارئ شريكًا في صناعة المعنى، من الخيط إلى الضوء إلى الشجرة، لتصبح اللغة تجربة فلسفية ومعيشية كاملة، وهو بالضبط ما نصّ عليه الدليمي في مقاله بأن النص الحديث يجب أن يختبر اللغة ويخلق حساسية القارئ.
يمكن القول إن نص “الأمل خيط مشدود حول العنق” يقدم قراءة للأمل واللا أمل، ويحوّل الصور إلى تجربة محسوسة، وتحويل الصور اللغوية إلى رموز تحمل التوتر والحرية والضغط، والتمسك بالحياة في عالم متغير. كما يظهر النص قدرة الشاعر على موازنة الحلم والواقع، الضوء والظل، الانتظار والضغط النفسي، والأمل واللا أمل بطريقة تجعل القراءة تجربة حية تتنفس معها اللغة وتتحرك الصور أمام عين القارئ، وتحقق كل ما نصّ عليه الدليمي في مقاله في القدس العربي حول الشعر الحديث كفضاء للتجربة الحقيقية وحساسية القارئ.
اقرأ أيضاً:
الأملُ خيطٌ مشدودٌ حول العنق.. نص لـ مروان ياسين الدليمي















