هاجر مصطفى جبر
أتى الخبر المنتظر.. لسنوات تمر من أمامه، تترك عينيها تتسلق السور فتصل لأشجار تكمل حجب القصر وتشعل رغبة المارة في تذوق ثمارٍ مختلفٍ عليها بين ورثةٍ وحقوقِ دولة.. تتخيله من الداخل، وتتمنى حسم الخلاف لصالح مشاركة الجمال، وصار.. كسبت الدولة القصر ومنحت الشعب يومًا للتمتع بالجمال.
يمنعها الحارس الدخول رغم شرائها التذكرة!!
ـ أين شريكك؟
تصنعت البلاهة، فاضطر الحارس للشرح بنبرة فاقدة للصبر: “المكان للثنائيات يا آنسة”. لماذا سمعتها “يا بائسة”؟!
هل يعيرها المجتمع بانفصالها الحديث عن حبيبها؟ ومذ متى صار يدعو لدين العشق؟!
ليكن شريكًا زائفًا، فكلما ضاقت بنا القواعد كان في الزيف المتسع،
ومن يرفض نزهة مجانية؟!
وقفت كمن ينتظر، لكنها تعلم أنها بحاجةٍ لما هو أكثر من الانتظار؛ تحتاج تأجير رجلٍ ليوم، أو لساعة، أو لدقائق، فقط تعبر الباب..
عجوز سيثير شفقتهم نحوها،
مراهق سيثير تقززهم منها،
شاب، لكن ثيابه تلائم الشاطئ لا زيارة قصر أثري،
أربعيني يحمل كتابًا في عصر غزو الـ PDF.. هذا هو، سأتوسله ليكون جواز مروري، وسأكون ممتنة لدقائقه التي ستحقق حلمًا يرافقني من الطفولة حتى أواخر العشرين.
فاجأها بأنه قادم لزيارة القصر وحيدًا، فزوجته تفضل مجلس النميمة النسائي بالنادي.
بدا الدخول صامتًا، لكن قلبها كان يعزف “السمفونية التاسعة”، تلك التي ألّفها بيتهوفن بعد فقده السمع عن طريق ربط خيط يصل بين البيانو وعصب أسنانه؛ نعم، تلك مراحل الاستحالة الأسطورية التي تليق بدخول الحلم..
من ينتبه لقدميها يعلم أنها لا تمشي، بل تتحرك في خطواتٍ راقصة، فقلبها يقيم حفلة موسيقية تليق بها كمعلمة موسيقى.
التقت بشريكها في إحدى الشرفات، اكتشفت أنه مذ افترقا بالحديقة نسيته، فحاولت فتح حديث معه كتعبيرٍ عن الامتنان. نظرت نحو الشارع الذي دومًا يكون الرحلة، لكن رؤيته الآن من شرفة القصر تمثل الوصول:
ـ لم أتخيل يومًا أن أرى هذا الشارع من علٍ.
ـ نعم.. وحدها شرفات القصر تمكنك من ذلك.
ـ من يمدح متعة الرحلة هو عاجز عن مجابهة جبروت الوصول.
ـ بماذا يشعر الواصل؟
ـ بمتعة لقاء عاشقين.
أجابته وهي تنسحب، فلطالما عادت إجاباتها الرومانسية بريئة النوايا، بصيدٍ لم تسع إليه.
تحضرها ذكريات “يوسف”، تتشاغل بتأمل أحد الكراسي المذهبة، لكن رغمًا عنها يعلو صوت أم كلثوم القادم من داخلها، وقصيدة “من أجل عينيك عشقت الهوى..”، تسمع صوت يوسف يسألها عن أكثر أغنية تحبها لأم كلثوم، فتجيبه بـ”من أجل عينيك..”، كانت ستكمل: “أسمعها الآن في سماعة البلوتوث التي لا تراها”، لكنه قاطعها: “عشقت الهوى”، وهو يمسك بيدها معلنًا عشقه.
وهي تتذكر الآن تشعر بالعبثية، فكيف توافق أن تكون مع رجل بسبب سوء فهم؟!
لكن.. جمال يوسف وخفة ظله ما منعاها من رفض عشقه، فمن ترفض خفيف ظلٍّ عاشق؟!
تحتفظ لنفسها دومًا بحق الغياب، فـ”من أشعل النيران يطفئها”، وبما أن الرجال جميعهم ذئب يوسف البريء، وهي حواء الغواية والعصيان، فلا بأس من قليل من الاستبداد ورحيلٍ مفاجئ..
خرجت للحديقة، علَّ الهواء يطير تلك الذكريات، كان الشريك هناك يقطف حبات الفراولة ويأكلها في تلذذ، مع اقترابها منه قال:
لو كان العشق شجرة، لكان شجرة فراولة.
ضحكت.. وعجبتها اللعبة، فقالت:
ـ ولو كان حيوانًا؟
ـ سيكون أسدًا.
كان بين حاجبيها ما يعلن الرفض، فقال: كيف ترينه، سيدتي؟
ـ أراه سنجابًا، لطيفًا، يتغذى على الجمال، وإذا نسي الطعام كانت الأشجار.
ـ صدقتِ، ورب الكعبة.
راحت تتمشى، تبعها، التفتت:
ـ ولو كان قطعة أثاث؟
ـ سيكون مكتبًا.
ـ أنت كاتب؟
ـ نعم.. روائي.
ـ إذًا أنت ما عشت العشق إلا على حرف.
كاد يقول لها: صدقتِ، لكنه صمت، ظل صامتًا حتى حلول الظلام، بل حتى وصولهما لمحطة المترو. فتح الباب؛ هي لداخل العربة وهو للخارج، وضع الكتاب الذي كان معه بين يديها وابتعد، وانغلق الباب..
















