فصل من رواية “اللعب على طاولة النخبة”

أحمد غانم عبد الجليل

 كل مرة أبدو أمامها على ذات الهيئة: الأراجوز، المحتال، عديم المشاعر والأخلاق، ومن يسعى دومًا لاقتناص كل فرصة مُتاحة، تنتهي دومًا بالمزيد من الخُسارة والانحدار إلى أسفل السافلين، كأنني لم أغادر فجَوات الأرض المُحترقة من حولي ليل نهار، ولا أمل في النجاة من غزوات الموت المتواصلة إلا بإصابة تلقيني في إحدى المُستشفيات البعيدة عن خَط الجحيم بعض الشيء، أو الوقوع في ذُلِ الأسر، أو الضياع في البرية الشاسعة التي يغيبُ فيها كل اتجاه.

 فجأة سكتَ هدير القاذفات وتوقفَ ومض الصواريخ، وألقيتُ السلاح، مثلي مثل الكثيرين، بعد أن اعتادته يدايّ، كأنه صار جزءًا من جسدي، لا من حياتي فحسب.

 المرة الأخيرة التي ركبتُ فيها قطار العودة إلى بغداد شعرت أني سوف أحتاج إلى سنوات، أو حتى عقود، كي أستطيع نسيان اهتزاز كل عربة أقلتْني من وإلى جبهات القتال، وإلى عمرٍ آخر كي تنمحي عن ذاكرتي أهوال الحرب وأحداثها المُفزعة، لكني لم أسَلِم نفسي لذلك الهاجس الكئيب طويلًا، فما أن تجاوزنا “خَراب البصرة” الذي حَلَّ بالمدينة وأطرافها على مرمى انفجارات الحرب، حتى رحتُ اندمج مع الآخرين في أحاديث بعيدة كل البعد عما خلَفناه وراءنا، كأننا كنا عائدين من رحلة عمل طارئ وآن الأوان لأخذ إجازة ننسى بها مَشاق تلك السفرة الغريبة، والتي جعلتنا نرتدي ذات الزي الخالي من بهجة الحياة، مُقسمين ألا نرتدي بعد ذلك إلا الألوان الزاهية والقمصان المُزركشة ونحن نلتقي بالصديقات والحبيبات المُنتظرات على أحَر من جمر الشهوة عودة الشباب المقاتل من الجَبهات، وكم وَعدتْنا الأحلام بمغامرات مع فاتنات مدننا المزدهية بفرحة الخلاص، بعد سنوات من الغياب، أو الحضور المُتقطِع لدى كل إجازة، قد تكون الأخيرة قبل أن يستلبُ الموت عنفوان الحياة منا.

 أتذكر إلى حد الآن سَكرات تلك القهقهة المخبولة ومُجون الثرثرة السخيفة التي رشَفنا ثمالتها حتى أدركنا المَحطة الأخيرة وسَط العاصمة، وأتذكر أيضًا أني لم أعُد إلى بيتنا في منطقة الوزيرية إلا بعد أيام، وأنا خالي الوفاض تمامًا، وقد غادرَني حظ المُبتدئين، بالإضافة إلى دينٍ راحت فوائده تتراكم بالساعات ما أن عرفَ المُقامر الدائن أني ورثتُ ثروة كبيرة عن والدي، ومنذ ذلك اليوم تعلمت ألا أثرثر كثيرًا، وألا أتباهى بما أمتلك أثناء اللعب، ومنذ ذلك اليوم أيضًا بدأ شغفي غير المنقطع بتبديد كل ما لدي، وكأن بيني وبين ثروة والدي الذي بدأ يُراكمها منذ زهو شبابه في العهد الملكي ثأرًا قديمًا ولا بد لي من الأخذ به حتى آخر تُحفة من تحف البيت واسع المساحة، كان قد اقتناها الوالد عهدًا بعد الآخر، من قبل أن أضطر إلى بيعه أيضًا في نهاية المطاف.

 كثيرًا ما يراودني ذات الحلم المضطرب، أحيانًا يوقظني فزعًا من النوم لأنجو من نظرات الأب العصامي الذي توفاه الأجل خلال سنوات الحرب، فوَهبني ارتحال أنفاسه عن عالمنا إجازة طويلة نسبيًا، عشرة أيام بالكامل، أمضيتُ جُلَ لياليها بين أحضان عاهرة دفعتُ لها مقدمًا، شرط أن تكون لي وحدي حتى فجر يوم عودتي إلى سَوح (العدمية) كما كان يقول أحد رفاقي من مُدمني القراءة حتى في الخنادق المُختضة بنا كامرأة لا تُنهكُها اللذة أبدًا، تشبيه آخر من داعر لا يأبه لشيء، وكأنه إحدى صوَر الشيطان على الأرض، مثلما كان يصفُه واحد من الجنود المُصلين، ودائم تلاوة القرآن وترديد الأدعية، استشهدَ قبل وقف إطلاق النار بعدة أيام، ولم ينجح في هدايتي كما كان يتمَنى، وإن جعلَني أصَلي خلفه عدة مرات، في أكثر أوقاتي ضيقًا من زفرات الموت الثقيلة.

 يظل والدي يُحدِق بي بعد كل هذا العمر الذي بدأ منذ أن أورثَني وشقيقتيّ أملاكًا كان يمكن أن تجعلُني من الأغنياء حتى الآن لو أني استطعت الحفاظ عليها، نظرات اتهام وامتعاض، بل تقزُز أيضًا من الحال التي إلتُ إليه بعد أن بعثرتُ أكبر حصة من شقاء عمره في مغامرات خاسرة ساقني إليها عبثُ شاب صارت حكاياته تتناقل عبر الألسن كلما حلَت بي مُصيبة جديدة، قد تهددني بالسجن، أو حتى القتل إن لم أسَدِد ما عليّ من ديون القمار، لعبة الدنيا بأسرها وإن غفلَ، أو تغافلَ، الكثيرون عن تلك الحقيقة التي تتجَلى ما أن يبدأ توزيع الورق بين اللاعبين.

 كنت لا أبالي بكل خسارة تلحقُ بي، لأنها تعدُني بمَغنمٍ كبير فيما بعد، كما كنت أتنقل بين كل جولة موت وأخرى على جبهات الفتال، وهأنا أحيا إلى حد الآن، رغم استشهاد الكثيرين من رفاقي، بانتظار ما يُعوِضني عن كل ما بددتُ من قبل، وقد أضيعه كله في لعبة رهان أخرى مع الحياة.

 كم وعدتُ نفسي أن أدخر بعض ما أربح، ولا أقترب منه لأي سبب كان ومهما كانت الظروف التي تضطرُني إلى ذلك، لكني أعود لأستولي على ما جمعت من مال على مدى أشهر دفعة واحدة، ودون تردد ما أن تضيق بي الدنيا، أو ربما كي أهبها إلى صديق أو قريب، أو من أتعرَفُ عليه حديثًا وأجد أنه وعائلته أحوَج مني بكثير إلى منفذ النجاة ذاك، ربما لاحتياجي الشعور أني لم أفقدْ انسانيتي تمامًا، وإن عدتُ لاستسخاف ما انتابني من خَبَل رومانسي فيما بعد، بما في ذلك ما أعطيته لهند بعد طلاقنا عن طيب خاطر، رغم أن تلك الهبة كانت من أجل الصبي والصبية القريبيْن إلى قلبي، أما هي فقد نبذتُ حبي لها بسرعة ما كنت أتصوَرُها وأنا أحوم حولها ولا أفوِت أي فرصة لأكون معها، رغم حالة الحداد التي كانت تفرضُها على نفسها من بعد استشهاد زوجها في ذات الحرب التي تركتني مُتعطشًا لمثل إثارتها الكامنة تحت رماد الحزن والحياء المُتزِن لأرملة شابة مسؤولة عن تربية ابنة في عمر الثمان سنوات وولد في عمر الست.

 كانت تبدو لي مكتملة الأنوثة تمامًا، كأنها كانت تبحث، ولو دون دراية منها، عمن يحضنها ويعانقها بلا أن يترك لها مجالًا للفرار. رغبة غريبة كانت تتملكني بأن تكون لي على الدوام، وكلما دنوتُ منها أجدها بانتظاري، تفتح لي ذراعيها وتحتويني حتى أنعزل عن العالم، ربما كانت من بقايا نزوات المراهقة نحو النساء العصيات على المعاشرة في الخفاء، لكني لم أستطع نبذ ذلك الهاجس عن بالي، خاصة وأنها كانت ترفض حتى أن نجلس وحدنا في صالة بيت أهلها. كلما ذهبتُ إلى هناك بحجة الاطمئنان على شقيقها الذي خلَفته الحرب مُعاقًا بالكاد يستطيع النهوض عن سريره.

 قبل الحرب، عندما كنت أذهب إلى بيت أهله، لم أكن قد انتبهت أنها بكل هذا القدر من الجمال والفتنة، كما أني (ويا للعجب) كنت خجولًا جدًا، وطبعًا يستحيل أن أنظر إلى شقيقة صديقي خارج حدود الأدب، لكن الحرب غيرت الكثير من الأمور والأوضاع، وأنا من ضمنها، وحتى صديقي لم يبقَ منه شيء سوى حطام جسد مُكوَم في السرير أكثر الوقت، وشيئًا فشيئًا صار يرفض الزيارات ويتجنب الكلام مع أحد، رغم ذلك بقيتُ أزوره كلما عجزت أن أكبح أشواقي لرؤية هند أطول وقت ممكن.

 تجاسرتُ أخيرًا وطلبت منها أن نلتقي في أي مكان كي نتكلم معًا لوحدنا، دون أن يتطَفل علينا أحد. مانعتْ بشدة وحسم في البداية، إلا أنني تحايلتُ عليها حتى لبَّت رغبتي بالخروج معي، مُتحججًا بأني وجدت لها عملًا في شركة صديق لي براتب جيد يُعينها على تدبر مصاريف الولدين، بالإضافة إلى تقاعد زوجها الشهيد، أما ثمن السيارة التي استلمتْها بعد استشهاده فقد وضعتْها كوديعة في البنك باسم الولدين حتى يكبران… تفاصيل كثيرة أخذتْ تحكيها لي تباعًا، ومع كل كلمة تقولها أزدادُ شغفًا إلى حَد أني لم أعُد أشعر بوجود امرأة سواها، أخبرتُها بذلك أثناء الطريق الذي ظللتُ أجول في مسالكه بالسيارة بلا وجهة محددة.

 فطنتْ إلى ذلك بسرعة، فطلبت مني التوقف إلى جانب الرصيف، ولمّا سألتها عن السبب أخبرتني أن تصرفات المراهقين لا تناسبها بأي حال من الأحوال، خاصة وأنها تكرس كل وقتها واهتمامها من أجل الصبيين، ثم أخذتْ تواجهني بما هجستْ من نظراتي نحوها، نظرات هائمة نحو امرأة وجدت نفسها أرملة وهي في عمر الشباب، وكأن ذلك يجب أن يجعلُها مَطمعًا لدى الرجال، وعليها باستمرار أن تؤكد عكس ذلك…

 تكلمتْ كثيرًا عن كل ما اختزنَ داخلها من شكوى مريرة عليها أن تُخفيها عن الجميع ما استطاعت كي لا تكشف عما يكتنفها من ضعف قد يتسرَّب إلى ابنيْها، ويكفي ما يعانيان في بيت جَدهما، ما بين والديْها العجوزين الذين يتضايقان من أقل ضَوضاء، وخال مُتزوج حديثًا يتمنى أن يكون البيت له وحده وزوجته الحسناء والمُدللة، وآخر مُعاق ومُكتئب يحتاج إلى عناية خاصة طول الوقت، وشقيقتها الطالبة الجامعية التي تنزعجُ أن يشاركها أيٌ كان غرفتها وأبسط أغراضها…

 كانت كما لو أنها بانتظار الانفجار مرةً واحدة، ودون أن تضع كوابح لكلامها معي، أو أنها فقط كانت بحاجة لمن يسمعها كي تسهب بكل آهاتها؟

 لا، لم أشأ أن أُقلِل من شأني لديها إلى الحَد الذي أكون فيه مجرد مُستمع إلى فضفضة امرأة ثكلى لا تدرك ما تبدو عليه من فتنة، ودموعها على وشك الهطول فوق خديْها الناعمين.

 لم أستطع تجاوز لهفتي باحتضانها أكثر، دون أن أرغب بتركها أبدًا، فطلبتُ منها أن نتزوج بسرعة، وقبل أن تقول كلمة واحدة تنفلت من صمت الدهشة الذي علَا ملامح وجهها أخبرتُها بسرعة أني أحتاج إليها بشدة، وأن أكون مسؤولًا عن ولديْها، كي أجد لحياتي معنى وطريقًا يفكُ عني أسرَ دوّامة العَبث الذي أعيشُه بعد عودتي من حرب احتلت من عمري أعوامًا.

 بدت لي في ذلك اليوم كأنها المرأة الوحيدة في الدنيا، ولا بد أن تكون لي بكل ما تمتلكه من حب وحنو كي تعيد تشكيل حياتي بالكامل، ولا أدري إلى حد الآن كيف تسنى لي صياغة تلك الكلمات بكل إحساس جعلها توافق على مطلبي بسرعة ودون مماطلة في التفكير، ربما بسبب حالتي المادية قبل أي شيء آخر، وما سوف أحققه لها ولابنيّها من استقرار وأمان في بيت لا يزاحمُهم فيه أحد، وبعيدًا عن حدة مزاج هذا وذاك، لكني أيضًا تأكدتُ منذ ملامستنا الأولى أنها كانت تصارع رغبتها الطاغية نحوي، وأنها كانت تعذبُها في سجن الأمومة والمسؤولية والالتزام بتصرفات امرأة تكبرها بعقود.

 كانت بين ذراعيّ مثل فتاة عذراء لم يلمسها رجل من قبل، وآه من شلال الأنوثة المتفجر من امرأة عانت من الحرمان وهي تبصر مفاتنها في عينيّ رجل يريدها أن تكون له بكل الشبق الذي خلفته فيه سنوات الاحتجاب في معتقلات الموت، رغم أنها وعت بالتأكيد أني أبحرت في أجساد العديد من النساء قبل الوصول إلى لجة سحرها الكامن تحت ثيابها الفضفاضة، قبل أن تصر على ارتداء الحجاب، وكأنها كانت تتعمد معاندة عبث أهوائي التي أخذت تبعدني عنها شيئًا فشيئًا، إلا أني تجاهلتُ الأمر تمامًا، من خلال إغاضتها ببرودي ولا مبالاتي، فأنا ضد أن يتحكم أي منا بالآخر، لا في أفكاره ولا معتقداته وتصرفاته، لعل ذلك أهم ما استفدتُ منه عبر قراءاتي المتفرقة في كتب لا أتذكر أني أنهيت أيًا منها.

  لا بد لي من الاعتراف أني خذلتها، كما خذلت الكثيرين. كانت في البداية تسعى لإرضائي بأية وسيلة، بينما كنت أوهم نفسي أني صرت إنسانًا آخر تمامًا، كما كنت أريد أن أؤكد لشقيقتيّ اللتين عارضتا زواجي بأرملة وأم في البداية، فهددَتا ببيع حصتهما في بيت والدي الذي أسكن فيه وجعلته أشبه بدار مَهجورة، أو ماخور بدأ يتشكى من ضجيجه الجيران ويتهموني بأني أعربدُ فيه كما أشاء مع عشيقاتي، عندها ثرتُ في كل الوجوه بغضبٍ لم يعهده عني أحد من قبل، لأني فعلًا كنتُ أحافظ على حُرمة بيت والديّ الطاهر من كل دنَس، حتى ذلك الحين على الأقل، ولأجل أن أسدُ كل منفَذ يسمح لهما بالتحكم في أموري الخاصة أصررتُ أن أشتري من كلٍ منهما نصيبها ولو بضعف الثمن.

 اقتنعتْ شقيقتاي أخيرًا بزوجتي الطَيبة وولديْها، بل أنهما صارتا صديقتين لها، وقد أخذ يحذوهما الأمل أنها سوف تعرف بذات صرامة النظام اليومي الذي تفرضه على ابنيها ـ دنيا وحسام ـ أن تخلصني من شطَط العبثية المستولية على أيامي، ومن ثم ألتزم بالاستقرار في عمل يساعد في انتظام الدنيا الجديدة التي ولجتُها، ما دمتُ اخترت أن أكون مسؤولًا عن عائلة كاملة، لا زوجة فحسب، لكن هَيهات وقد صار القمار لديّ مثل قصائد الغزل في ليل العاشقين.

 تشبيه غريب صار مصدر سخرية وتذمر وشكوى مستمرة منها، بينما صارت حياتنا عبارة عن مشاجرات أقرب إلى أزيز صواريخ الحرب وانفجار القنابل في أذنيّ. كانت آخرها عندما جاء أحد الدائنين إلى الدار في غيابي، وأخذ يهدد بعلو صوته أنه سوف يحجز على مكان استقرارهم بعد أن يودعني السجن، وكأنه يأمرها بمغادرة البيت دون تأجيل وإلا ألقى بها وبالولدين إلى الشارع، الأمر الذي أنهى كل شيء، فلم أعارض طلبها الطلاق هذه المرة، لئلا أتسبب بمزيد من الحزن والخوف لابنيها البريئين من كل إثم اقترفته، وكل ما سوف أمضي به حياتي حتى يحين أوان رمي الورقة الأخيرة، كي أربح كل شيء، أو أخسر كل شيء.

 كثيرًا ما أبصرتُ نهايتي تقترب مني بسرعة خاطفة، حتى أكاد أتيقن أني لن أعيش الغد الذي صار جِد مُكرر بكل تفاصيله التي تشبه ترنُحي الراكض بين لهيب النيران في جَبهات شهدتْ موت الكثيرين بينما تركتْني حيًا، وكأني لا أستحق أن أنزف حتى الرَمق الأخير فوق الأرض المُتصارع عليها لسنوات ولا كنية شهيد كي تطغى هالتها المهيبة على كل ما اقترفتُ في حياتي من خطايا، فلا يُذكر شيء عني سوى أن الشاب المُتوفى مات دفاعًا عن حياض الوطن الغالي.

  كم تعجبني وتغريني إلى حد الآن مثل هذه المُفردات الحَماسية، رغم أننا لا نفهم لها معنى محددًا في أغلب الأحيان، خاصة بعد عمرٍ من الاغتراب، أشعر أني بدأته من قبل تركي البلاد بكثير، وربما من قبل أن تنتهي سنوات الحرب الطويلة أيضًا.

 وهكذا مضيتُ وسط ضياع، فقدت في خضم توَهانه نفسي قبل أي شيء آخر، حتى صرتُ ذلك الشخص المُقزِز الذي نقمتْ عليه هديل ولعنته مجددًا، بعد أن تهاوت بين ذراعيّ مثل أيام عشقنا الأولى بعد الزواج، وكأن مراوغة السنين تخشى أن تنال من سِحر جسدها الجميل وملامح وجهها الذي يشدُ الانتباه أولما تراه، وتلك النظرات التي تشعرك أنك مُميز لديها من بين كل الرجال المقَريبن منها، من الأقارب والأصدقاء وزملاء الجامعة.

 عرفتُ كيف أتخطى كل من يحاول جذبها نحوه، فانساقت نحوي، كما لو أنها كانت تبحث عني دون أي رجل آخر، رغم أني أكبرُها بنحو عشرة أعوام، ورغم عدم امتلاكي ما يمكن أن يغري فتاة في مثل فتنتها ومستواها الاجتماعي، وما لوالدها من ثروة تواصلُ التضخم حربًا إثر أخرى، والثراء ليس مالًا فحسب، إنما عالم كامل أردتُ الاحتماء به من انهيار دنيايَ، فاستطعتُ على الأقل تأجيل بيع بيت والدي لبعض الوقت، وأيضًا اصطياد مبلغ من المال استطعتُ أن أحجبه في خلسة عن العيون، وقد أفادني في ذلك اعتقال صاحب السَطوة وارتباك شقيقيها تحت وطأة الخوف التي سرت في حياة العائلة.

 لكني أيضًا لم أطمع بالكثير، وإلا لتصرفتُ معكِ بشيطانية حقيرة من أجل تجريدك من كل شيء، حتى مَساغك الذي كان يمكن أن يكون رأسمال حياة ترفرف بعيدًا عن أي ضائقة تتسلل إلى حياتي بعد ذلك، وإن كان داء القمار المَلعون الذي تلَبسَني لا يرتوي إسرافه أبدًا مهما تدفقتْ من أموال، سواء كانت من ضمن ثروات شخصية أم من أموال الشعب المنهوبة، حطَ بعضها على أكثر من طاولة قمار أمام عينيّ فلم أُصدِق ما تدخرُه بلادي من خَيرات رغم كل ما تناوبته من محَن وبلايا على مدى عقود.

 لو أني لم أغادر ترابها الذي تشرَب دماء الكثيرين منا لدى كل حرب، لربما وجدت طاولات أكثر ثراءً ألعب عليها، وربما أيضًا يحالفُني الحظ فأصير سَيد الموائد الخضراء في عموم المنطقة (الخضراء) أيضًا.

  ثرثرة وسَفسطة هَذيان لا وقت لها إلا مع هذا الكأس الذي لا يفرغ حتى أملأه من جديد، وأنا أجلس في ذات الحانة التي اعتادت إيواء ضياعي منذ فترة إقامتى الأولى في سوح هذه المدينة الغريبة والمألوفة لديّ إلى حدٍ كبير، كأني ولدت وأمضيتُ كل حياتي هنا، وكل ما مررتُ به من قبل كان مَحض وهم أو سَرد حكايات شخص آخر أعرفه عن كثب ولا يريد طيفه مفارقتي لحظةً واحدة، رغم رغبتي الجامحة بالتنكر له في أحيانٍ كثيرة، إسقاطه من ذاكرتي تمامًا، كأنه لم يكن موجودا، لعلّي أتحمس لبداية جديدة تنتشلني مما أنا فيه من استنزاف مستمر ظننتُ أنه قد يتوقف، أو ربما أملتُ هذا، عندمَا رأيتها أمامي في دنيانا الجديدة التي اخترناها بمَحض إرادتنا هذه المرة، إلا أن كل شيء ظلَ على حاله، بالنسبة لي على الأقل، مع تراكض السنوات حتى أدركني المَشيب وسكنت وجهي تجاعيد العمر وطيلة السهر على موائد القمار، بالإضافة إلى كؤوس الخمر التي تزيدُ معدتي حُرقة مما اضطرَني إلى دخول المستشفى أكثر من مرة، إلا أني كنتُ أغادر من قبل أن يُسمح لي، دون الإصغاء إلى أيٍ من تعليمات الأطباء وتحذيرهم بأني أقترب من حافة الموت في خطىً مُتسارعة، كما لو كنت في نهاية خريف العمر وكل ما يمكن أن أعيشه بعد ذلك سوف يكون بمثابة ضربة حَظ، مثل حظ المُقامر السعيد الذي قد يدركُه أخيرًا وقد بلغَ الدَرَك الأسفل من الخسارة ولم يتبقَ لديه من فرصة غير ورقة إنقاذ لها القدرة على تغيير الوضع تمامًا، من موتٍ محقَق إلى حياة أخرى أستنشقُ نسماتها مثل الوليد.

 ذلك ما أردتُه منها بالتحديد، أن تكون ورقتي الرابحة، فرصتي الأخيرة للنجاة، لكن ليس كما ظنتْ، أني أود استغلالها ثانيةً، استنزاف أموالها من جديد كي أُسدِد ديون القمار المستمرة في تجدد دائم مع دفق أيامي الماضية دون هدف ولا وجهة محددة، كما هي عادتها دومًا، ثم أهملُها ما أن أحصل على غايتي، بلا مبالاة لِما وهبتني من حنوٍ أنثوي تلمستُ لهفته لدى عناقٍ تمنيتُ أن يطول ساعات الليل، بل كل ما تبقي لي من عمر، دون أن أرتوي من شهقاته أبدًا، لولا تلك الرنة الملعونة ونغمة التهديد المقيتة.

 كل مرة تبعثُ فيّ ذات رعدة الخوف وكأني أُقبِل على تنفيذ حكم الإعدام، رغم كل محاولاتي أن أُولي ظهري للكلمات المتوَعدة، أيًا كانت، أتجاوزها بمجرد سماعها، وكأنها تخصُ شخصًا آخر، بالكاد أعرفه ليستحق أن أشفق عليه، لكن لا فائدة تُرجى من كل محاولة أُعدُ نفسي لها جيدًا من أجل التبرؤ من تعاسة الواقع بمجرد رؤيتي اسم أحد الدائنين على شاشة الهاتف، عندها تتبددُ كل مواطن القوة والتحدي التي أختزنُها داخلي، وتبقى غريزة الخوف وحدها هي المُسيطرة على كل خلجاتي، وسيلتي للبقاء على قيد الحياة طيلة سنوات مكوثي عند فوهات الموت.

 أسيرُ في الظلام وأهجس أن مَلَك الموت يمضي ورائي، يتبعني مثل شبح يتخَفى في ظلمة الطرقات الموصِلة إلى الدار ضَيقة المساحة والمنعزلة عن صخب المدينة، مهَمشة ومَنسية ضمن البيوت المتلاصقة، كما لو أنها من مخَلفات قرونٍ مضت ولا يريد أحد تذكرها، حتى أن بعضها مبنية من الخشب إلى حد الآن، ويمكن لزوبعة ريح عاتية أن تُحيلها حطامًا.

 كلما أدخل الحيّ أشعر أن الخطوات التي ظلت تتعقبني من شارع إلى آخر صارت أكثر اقترابًا مني، يكاد يلفعني صَهد أنفاس من تمَ إرساله في مهمة إرغامي على الدفع، أو ربما قتلي، وقد صرنا عند أطراف الطرق الخارجية التي لا تمرُ فيها دوريات الشرطة إلا قليلًا،  أو بعد التبليغ عن حادث أو جريمة. قد يجدني أي شخص لا يعرف عني شيئًا جثة هامدة على جانب من الطريق، جثة غريب له ملامح شرقية لا يأبه أحد بالتعرُف على هويتها، خاصة وأني قدِمتُ إلى هذا البلد بمفردي، دون زوجة وأولاد، أو أي ارتباط يمكن أن يستمر لفترة طويلة، وقد يتم الاتصال بعد ذلك بكل رقم مَخزون في هاتفي حتى يصلُ النبأ إلى هديل ودنيا، أكثر إثنتين يمكن أن تهتما لأمري، وقد تبكيني كل منهما بحرقة كبيرة رغم كل ما تعرفه عني وتثقلُني به من تأنيب مستمر كلما التقينا، وإن كانت دنيا تختلف عن سَلاطة لسان مُطلقتي الثانية تمامًا، فهي الابنة الحَنون رغم كل شيء، لم تستطع أن تنسى اهتمامي ومحَبتي لها ولأخيها كما لو كانا ابنيّ أنا، حتى أنهما صارا يتشاجران مع والدتهما كثيرًا لإصرارهما على رؤيتي والخروج معي كي يُمضيان وقتًا طويلًا برفقتي، وكأني صديقهما الحميم الذي يكبرُهما بعدة سنوات لا أكثر، كما كانت تتذمر هند دومًا ” كنتُ مسؤولة عن طفليْن، والآن ثلاثة”.

…………………..

*من رواية “اللعب على طاولة النخبة” الصادرة عن دار ميزوبوتاميا

*كاتب عراقي

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع