حاورها: صبري الموجي
حبُّها لمصر لا يناظره حبُّ دولة إلا اليمن موطنها الأصلي، ومسقط رأسها، هذا ما صرحت به عقب فوزها بجائزة نجيب محفوظ للراوية في مسابقتها الأخيرة 2025م . يمتاز فنُّها بالصدق وسعة الخيال، الذي اكتسبته من عملها بالعمارة (أمِّ الفنون). هي شغوفة بالمكان، حيث جعلت منه شخصا حيَّا يأمل ويتألم . تطمح إلى سرد تاريخ اليمن من خلال مشروعها الروائي، وتؤمن بقضايا المرأة، فترفض تهميشها، وتتطلع لتبوئها مكانة مرموقة باعتبارها نصف المجتمع . تدين لوالدها بفضل موهبتها، وتعتبره معلمها الأول. تؤكد أنَّ مثلها الأعلى العمل وليس الشخص، برغم حبِّها لأديب نوبل. أكملت دراستها للدكتوراه في جامعة القاهرة، وجمعت بن العمارة والأدب، فصنفت العديد من الروايات بدأت بـمجموعتها القصصية “زفرة ياسمين”، وصولا إلى رواية ” هذه ليست حكاية عبده سعيد” .. مع الروائية اليمنية د. نادية الكوكباني، يدور هذا الحوار .
من بين 132 رواية، فازت روايتك “هذه ليست حكاية عبده سعيد” بجائزة نجيب محفوظ للرواية في مسابقة 2025م، نود إلقاء الضوء على هذا العمل والهدف من وراء كتابته ؟
في الحقيقة أنَّ رواية “هذه ليست حكاية عبده سعيد” هي استكمالٌ لمشروعي الروائي في كتابة ثلاثية روائية تسرد تاريخ اليمن الحديث بشكل خاص، وتتناول تحوَّلاته المختلفة. وهذه الثلاثية هي “صنعائي 2013″، “سوق على محسن 2016″، “هذه ليست حكاية عبده سعيد”، لكن وبرغم امتداد الشخصيات إلا أنه يمكن قراءة كلِّ عمل بذاته، ويعتبر إنجازا سردياً، أو قراءة الثلاث رويات معًا، دون أن يؤثر ذلك على بنية كل رواية، لذا فشخصية (عبده سعيد) شخصية محورية في (صنعائي)، برغم عدم ظهورها إلا في نهاية الرواية، وأيضا شخصية غامضة في رواية (سوق على محسن)، ومحيرة تربك الأبطال والقُراء معا، ليأتي دوره كبطل في “هذه ليست حكاية عبده سعيد”، ويحكي حكايتة ويفكُّ شفرة حياته، وأيضاً يربط الثلاث الروايات معا بأسلوب متنوع بين السارد العليم عبر كتابته للرسائل، والسارد الذاتي الذي يتجاوز الزمان والمكان، ويبين خلفية حياته وتقاطعاتها مع الأبطال الآخرين.
المكان في أدب نجيب محفوظ ليس خلفية بل هو بطلٌ حي وهو ما يتضح في أدب الكوكباني أيضا .. فماأسباب شغفك بالمكان ؟
فعلاً كما أشرت، المكان بطلٌ في أدب نجيب محفوظ، ومنه تعلمتُ أهمية المكان في بنية الرواية، وتأثيره على الشخوص داخلها، وذهبت إلى ما هو أبعد من المكان المحيط بها، إلى المكان الذي يحتويها كالمدن والتأثير المتبادَل بينهما على المستوى الجغرافي . وعشقي للمكان أيضاً نابعٌ من حبِّ تعريف ومعرفة الآخرين به خارج حدوده، ووصول المكان للعالم أحد أهم ما يسعى إليه الكاتب؛ ولهذا كتبتُ رواية باسم المدينة التي أعيش فيها (صنعاء)، كما فعل أستاذنا نجيب محفوظ، فكتب عن (القاهرة) وأطمح في أن تصل مدينتي للعالم كما وصلت مدينة أستاذنا للعالم أجمع.
عملك الأكاديمي ودراستك للعمارة بعيدان عن الخيال رمانة ميزان الأدب .. كيف مزجت بين الأمرين .. وهل هناك نقاط تماس بين العمارة والأدب ؟
تخيل أنَّ أهمَّ نقاط التَّماس بين العمارة والأدب هي “الخيال، والتخيُّل” في بنيتهما الوجودية كفن وأدب، ولا يمكن للمباني أن تنشأ وتتميز دون خيال وبناء حقيقي عليه وتخيُّل من شخصية المعماري في الإضافات على الشكل النهائي للعمارة وعناصرها المميزة عبر العصور، لكن الذهنية الجمعية تذهب للعمارة على أنها حجر وخرسانة ولا تفكر في مقولة “العمارة أم الفنون”، ولهذا ظهرت مؤخرًا أبحاثٌ معمارية لغوية، تؤكد التَّماس والترابط وتعززه في ذات الوقت.
بالنسبة لي كان علمُ العمارة شغفي في المعرفة عن طريق الروايات، فشغفت في تعلمه واعتباره المجال الحقيقي والعملي والمعيشي لي، والأدب شغفٌ مواز للعمارة والحمدلله، أجد وقتًا لكليهما بشيء من تنظيم الوقت واستثماره.
وقوف الكوكباني على قدم صلبة في ميدان الإبداع لاشك أن له بدايات .. نود معرفتها .. ومن هو معلِّمك الأول .. ومن هو مثلك الأعلى في الكتابة؟
البدايات مهمة، كان والدي مولعا بالقراءة المتنوعة، واستقيت حبَّ المعرفة منه، وبدأت أكتب في مرحلة الابتدائية خواطري ويومياتي الخاصة، دون أن يعرف أحد بها، حتى جاء دورُ المدرسة والمُدرس في استيعاب مواهب طُلابه، وقد كنتُ محظوظة في هذا الجانب من التشجيع على القراءة، ومناقشتها وفهم العالم من حولي، ومعلِّمي الأول هو والدي، الذي منحني مساحة من الحرية والاستقلالية في الاختيار، ومثلي الأعلى في الكتابة على وجه التحديد لا يوجد، لكن تفاعلي واستفادتي من كلِّ ما أقرؤه من كتب وروايات، كان له أثرٌ مختلف. وعلى وجه العموم معظم الكُتَّاب المصريين، وعلى رأسهم نجيب محفوظ، ويوسف زيدان، ومؤخراً عمر طاهر، كانوا في فترة من حياتي مثلا تعلمت منه وما زلت في كل مرة اقوم فيها بمراجعة أعمال عظيمة لهم .
ولجتِ عالم الأدب باسم مستعار .. أسباب التخفي .. وهل العمل بالأدب سبَّة في بلاد اليمن الشقيق ؟
كان الاسم المستعار قرارا شخصيا لي، فقد كنتُ أخجلُ من البوح الذاتي في بداياتي ضمن إطار مجتمع محافظ، ولا أرغب في معرفة الآخرين عني، وأخذ الاسم المستعار وقته بحكم البدايات، لكنَّ القرار الذي اتخذته في الاستمرار في الكتابة، جعلني أستند على ما بناه والدي في شخصيتي من ثقة، ومسئولية، وهما ما يحتاجه الأدب ليثمر في المجتمع، ويؤدي دوره في التغيير.
كثير من أعمالك يُصنَّف على أنَّه أدب نِسوي .. معالم هذا الأدب من وجهة نظرك .. وما هي طموحاتك وتطلعاتك بالنسبة للمرأة ؟
يلزم الكاتب الكتابة عن “قضيته” في مرحلة ما ليستطيع رؤية ما حوله، والكتابة عن مواضيع أخرى، وقضيتي هي المرأة ومعاناتها وإبراز قراراتها في الحياة وخياراتها المتاحة، وهذا ما فعلته، كتبت رواية “عقيلات”؛ لتكون معاناة المرأة حاضرة في كلِّ الشخصيات النسائية في الرواية. والأدب النسوي من وجهة نظري هو الأدب الموجَّه لقضايا النساء، سواء كان الكاتب امرأة أو رجلا، المهم محتوى البنية السردية المعبِّرة عن معاناة المرأة، أو واقع مأزوم بقضايا النساء دون غيرهن، برغم ثقل المجتمع بقضايا أكثر أهمية، وبالتأكيد أتطلع لتأثير كتابتي على المرأة في مواجهة مصيرها في الحياة باقتدار قوي ومؤثر على أرض الواقع، هذه القوة نابعة من كينونتها في العطاء، من مشاركتها في الخلق الإنساني، من تضحيتها التي ليس لها حدود.
قُلتِ إنَّ كتاباتك هي تعبيرٌ عن ذاتك .. فهل يمكن تصنيفها ضمن أدب السيرة الذاتية ؟
ربما جاءت هذه الكلمة في سياق معين، لكن ما عنيته أنَّ الكاتب له شخصية تتأثر وتؤثر فيما حوله، وله تجربة غنية في الحياة في سيرته وسيرة وطنه وسيرة الناس بشكل عام، وهذه التجربة لا يمكن إغفالها، فهي ذخيرة يجب عليه استخدامها، وإلا عمَّ يكتب اذا لم يكتب عن تقاطعات وتماسات الذات مع العالم من حوله؟! فهذا إثراءٌ للذات بالذات، وللتجربة الحياتية بشكل عام .
تظهر في أعمالك اللهجة المحلية .. ألا تخافين من أن يحول ذلك بينها وبين الانتشار ؟
أستخدم اللهجة المحلية بشكل نادر، وتكون مفهومة ضمن السياق الذي أحاول أن يكون مفهوماً للقارئ غير اليمني.
انتشار الكوكباني الإبداعي وتوالي النتاج الروائى .. هل يخضع لمنهج في الكتابة أم أنَّه ينقاد للإلهام والحالة المزاجية ؟
لا يوجد إلهامٌ في الكتابة الروائية، هناك موهبةٌ تحتاج إلى الاشتغال عليها بالتطوير الذاتي والقراءة، وهناك رؤية يجب تحقيقها بالمثابرة والالتزام في الكتابة، وهناك تجريبٌ روائي يحتاج إلى الجهد والوقت والتعب ليكون له أثرٌ على المستوى الأدبي.
بدأت أولى خطوات الإبداع بعنوان ينمُّ عن التشاؤم (نهاية) أسباب التشاؤم .. وهل مازال موجودا أم تمَّ التغلب عليه ؟
كانت قصة قصيرة ظلت في مخيلتي سنوات حتى كتبتها في المكان المناسب لها قريتي ” كوكبان” ونشرتها في ملحق ثقافي يُعنى بالأدب في صنعاء، وكانت مفتتحا لي للاستمرار والبدء في مشروعي الأدبي. لم أفكر في عنوانها على أنه عنوانٌ للتشاؤم، ولكن عنوان مناسب للقصة.
مجموعتك القصصية ( زفرة ياسمين ) هي تنهيدة ألم أم أمل ؟
كان اسم المجموعة القصصية الأولى لي (زفرة ياسمين)، وهي التي فازت في جائزة سعاد الصباح عام 2000 م، وكانت بوحا ليس إلا، قد يُقرأ على أنه ألم أو أمل.
(عقيلات) عملٌ روائي يُصنَّف على أنَّه من الأدب النسوي تتطلعين فيه لحرية المرأة .. حدود هذه الحرية والفاصل بينها وبين الانفلات ؟
أنا أتطلع لكلَّ ما يجعل من المرأة كيانا حرا ومستقال ومسئولا في المجتمع، وليس كائنا مقموعا ومُهانا ولا يملك قرار ذاته ومستقبله في المجتمع، وبالتأكيد المرأة ذاتها إذا منحتها الحرية والثقة والاستقلالية والمسئولية، فهي أول من سيحافظ على حريتها الشاملة لتكون ذاتها الإنسانية الطبيعية والنموذج لغيرها. أما رواية “عقيلات”، فقد كانت بالفعل مهمومة بهموم المرأة ومعاناتها، وبدأت فكرة الرواية كمزحة بين صديقاتي بسؤال: لماذا لا تكتبين عنَّا؟ وقد فعلت لكن بتكنيك مختلف، تمازجت فيه الشخصيات حتى بدت كأني أكتب عن مشكلاتهن لا عن شخصياتهن، ولهذا لم تستطع أيُّ واحدة معرفة شخصيتها، ولكن معرفة معاناتها التي تجمعت لتكون معاناة كلِّ الشخصيات النسائية في الرواية، وأعتقد أني نجحت في هذا التمويه من خلال رد الفعل لصدى الرواية بينهن بعبارة ” لولا تلك التفصيلة في الشخصية ” ن ي” لقلت إنها أنا”، وطبعاً أبتسم لأنَّ معظم النساء يواجهن مصيرهن بنوع من القبول له وتحمل المعاناة لإثبات نجاح قصتها الزوجية وتربية أولادها، وهي تضحية بالطبع تجد النساء أنفسهن في قلبها عن طيب خاطر غريزي لا تنفك منه بسهولة، ولا أعتقد أنَّ هناك اختلافا فيما تواجهه النساء في اليمن، وفي العالم العربي، بل وفي العالم، المشاكل متشابهة والمعاناة مستمرة، والاختلاف في طريقة مواجهتها حسب المجتمع، التي تتواجد فيه النساء، بالمهادنة وربما الخضوع أو بالمواجهة والتمرد، ولهذا قد تكون الرواية أنارت الطريق لكليهما بمقولة “اللي تشوف مصيبة غيرها تهون عليها مصيبتها”، أو”لن أصبر وعليَّ المواجهة” المهم أن يكون قراراها حرا في الحالتين.
أخيرا .. ما الذي يمثله لك الفوز بجائزة نجيب محفوظ للرواية في المسابقة الأخيرة ؟
يمثل لي الكثير، فسعادتي غامرةٌ بالفوز بجائزة “نجيب محفوظ” كأفضل رواية عربية للعام 2025 م، وشرفٌ كبير منحته لي مصر الحبيبة، التي أكنُّ لها كلَّ حب وتقدير، وإضافة هذه الجائزة لمسيرتي الأدبية وارتباط اسمي باسم أعظم روائي في الوطن العربي، هو فخرٌ يعزز ثقتي بنفسي، ويحفزني على الاستمرار في الكتابة، ومؤشر حقيقي وصادق أنِّي أسير في الطريق الصحيح في استكمال مشروع حياتي الأدبي. وحقيقة كانت مفاجأة رائعة حصولي عليها.














